• ×

قائمة

أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا جحيم؟ قام المسيح.

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 قد يسأل سائل عن أهميّة القيامة وعن فاعليّتها في الكون والإنسان. وقد يعتبرها البعض أو الأغلبيّة مجرّد عقيدة تنادي بمسيح مات وصعدت روحه إلى السّماء، أو اختطفه الله كما تعتقد سائر الحضارات عن الموت وعن الطرّيقة الّتي يموت فيها المقدّسون. إلّا أنّه ثمّة فرق شاسع بين الإيمان بالقيامة والاعتقاد بانفصال الرّوح عن الجسد. (ما يُسمّى الموت).
دخل المسيح عمق الموت وأفنى حتميّة نهايته وترابيّته. لقد حلّ المسيح لغز الموت، وإشكاليّته الّتي استولت على الفكر الإنسانيّ وأقلقت كيانه. تلك المعضلة المرتبطة بالخوف غالباً لأنّها تستأصل من الإنسان تشبّثه بالحياة. أو المرتبطة بالشّرّ. فالبعض يعتبر أنّ الموت شرّ في حين أنّه مع المسيح استحال ساعة مجد. "أيها الآب قد أتت الساعة. مجّد ابنك ليمجدك ابنك أيضًا" (يوحنا 17: 1). والساعة الّتي يتحدّث عنها المسيح هي ساعة الموت، لكنّه ربطها بالمجد. لأنّه بالموت يولد الإنسان إلى الحياة النّهائيّة مع الله. وإذ نتحدّث عن الإنسان فالحديث عن كيانه كلّه جسداً وروحاً، ولا نفصل بينهما.
قام المسيح ومات الموت وظهرت الحياة للجميع. لأنّ ما نحن عليه ليست الحياة بالفعل وإنّما بالقوّة. بمعنى أنّ المسيح أعاد خلق الإنسان من جديد ليعاين الحياة الحقيقيّة. "إذا كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة: الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكلّ قد صار جديداً." (2 كورنثس 17:5). ولذلك يقول القدّيس بولس كذلك في الرّسالة الأولى إلى كورنثس (14:15)، "إنْ كانَ المَسيحُ ما قامَ، فتَبشيرُنا باطِلٌ وإيمانُكُم باطِلٌ". وعنى بالبطلان الإيمان برجل انتهى على الصّليب، حتّى ولو انتقلت روحه إلى السّماء كما يُظنّ من قبل البعض. قيامة المسيح لا تعبّر قطعاً عن مبدأ الموت الّذي تليه حياة ثانية، وإلّا فما هي أهمّيّة القيامة؟ وما هو دور المسيح الفعليّ والمؤثّر في العالم؟ وما أهميّة أن تنتقل الرّوح إلى السّماء بمعزل عن الإنسان ككلّ؟ القيامة هي فعل إلهيّ ألغى عبوديّة الموت وأطلق الكيان الإنسانيّ حرّاً. بل إنّ القيامة هي الحرّيّة بامتياز لأنّها كشفت عن حقيقة الوجود وهدفه وغايته. القيامة هي الحياة الّتي تمسك البدء والأبد، فيحيا الإنسان حياة واحدة يبدأها هنا ليكملها في قلب الله. يزرع هنا ليحصد هناك، يموت هنا ليولد في قلب الله.
قام المسيح وأقام معه البشريّة كلّها الّتي صُلبت معه وحملها إلى قلب الحبّ الإلهيّ. فهو المتّحد بالبشريّة المتّخذ صورتها حرّرها من آخر عدوّ لها ألا وهو الموت. وما النّهاية الّتي يعاينها البصر إلّا زرع في التّراب ليثمر ويزهر حياة أبديّة. النّهاية ولادة للحياة، ساعة مجد وحرّيّة يصير فيها الإنسان إلى قلب الله. عند أعتاب الموت يستقبل الرّبّ أحبّائه في رحاب الملكوت السّعيد. ألم يسمِّ المسيح صعوبات العالم آلام مخاض؟ وألم المخاض يسبق الولادة، والولادة فرح ورجاء، والرّجاء أمل أكيد بأنّ الإنسان الّذي على صورة الله يحيا منذ الآن معه. فأين شوكتك يا موت، وأين انتصارك يا جحيم؟ قام المسيح... حقّاً قام.
 0  0  421
التعليقات ( 0 )