• ×

قائمة

نقاش في التدخل الدولي والأقليات: الحماية الدولية لمناطق مسيحيي العراق

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اليوم الثالث ينقسم المهتمون بالشأن السياسي والكتاب والمثقفون، حول جدوى التدخلات الخارجية في حل أي قضية داخلية مستعصية، ففيما تجدها مجموعة منهم أنها كفر وخطيئة، تذهب أخرى الى اعتبارها ضرورة حتمية لتنفيذ أي تغيير داخلي. وكل من الطرفين يسوق مجموعة من الحجج والبراهين التي تتثبت صحة موقفة السياسي.



دوافع التدخلات الدولية

في أي تدخل خارجي حصل في دول المنطقة وآخر هذه التدخلات كانت في سوريا، لم يكن للوجود المسيحي أهمية في المعادلة السياسية لهذا التدخل، فروسيا لم يكن تدخلها لإنقاذ الوجود المسيحي والذي هددته القوى المتطرفة، ولكن وجودها أنقذهم نسبياً كتحصيل حاصل يمكن قراءته من عموم المشهد.

وكذلك في العراق فالمسيحيون لم يكونوا جزءاً من المعادلة التي وضعها الاميركون عند تدخلهم، لذلك لم يستفيدوا فعلياً من هذا التدخل، كون الظروف والتغيرات لم تأتِ في صالحهم. وفي أي بلد بالعالم الأقليات الضعيفة والتي تفتقد العمق الديمغرافي أي المنتشرة، تكون أول الخاسرين في أي انهيار امني يحصل.

افتقد مسيحيو العراق لمشروع سياسي حقيقي، كما افتقدوا الأدوات التي يتمكنون بها من أيصال هذا المشروع الى مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة أو أيٍ من الدول العظمى التي كان لها تأثير في التدخل عام 2003. استطاع الأكراد عام 1991 بعد فشل انتفاضتهم ضد نظام صدام حسين، أن يصلوا بمشروع مناطق حظر الطيران الى مجلس الأمن من خلال تدخل الولايات المتحدة لصالحهم، وأفادهم حينها هذا التدخل في حمايتهم من مشروع إبادة جماعية كان مخططاً أن ينفذ ضدهم.

في الوقت ذاته فإن الدول ليست منظمات خيرية، ولا يمكن لها أن تتدخل الا اذا كانت لديها مصالح مشتركة مع الأطراف التي تقف لجانبها، وربما تكون تلك المصالح شراكة سياسية أو مواقف من قضايا دولية أو مصالح اقتصادية. فعلى سبيل المثال، التدخل الروسي لإنقاذ النظام السوري لم يكن من جهة الايمان بقضية هذا النظام أو خوفا من انهيار الدولة، بل هناك مصالح استراتيجية تجمع الطرفين.



سعي الأكراد للسيطرة على نينوى

يتساءل البعض، لماذا تطالب بعض القوى السياسية المسيحية العراقية بالحماية والدعم الدولي لمناطقها وخاصة في سهل نينوى بعد تحريره. والجواب بسيط في مجموعة الاحداث الخطيرة والمؤثرة على مستقبل الوجود المسيحي، والتي تزامن حدوثها مع مطالبة إقليم كردستان بالاستفتاء لإعلان استقلاله. فكات أولى تلك الاحداث إصرار حكومة الاقليم لتمدد الإستفتاء ليشمل منطقة سهل نينوى والمتنازع عليها بين حكومتي بغداد واربيل، رغم معارضة أغلب القوى المسيحية السياسية لذلك، وبهذا الظرف الدقيق حيث لم تكتمل عودة المهجرين الى قراهم ومدنهم في السهل.



إفشال مؤتمر بروكسل

أولى محاولات حكومة الاقليم لتنفيذ مخططها بابتلاع منطقة السهل، كانت إفشال مؤتمر بروكسل والذي كان خطوة أولى لدعم الاتحاد الأوروبي لمشروع الأحزاب المسيحية في خصوص سهل نينوى، تمهيداً لتبنيه والعمل على تحقيقه على الأرض.

فمن خلال علاقات الإقليم الواسعة وتأثيراته الدولية على القائمين على المؤتمر، شرع بالضغط لتحقيق تغييرات تخدم مصالحه وفي مقدمتها ادراج قضية اجراء الاستفتاء في مناطق السهل رغم إرادة أغلب أبنائه، والذين لا يحبذون ضم مناطقهم الى اقليم كردستان، حيث لا زالت مشاهد هروب عناصر البيشمركة أمام داعش وتسليم مناطقهم للعدو أمام أول اشتباك حاضرة في أذهانهم. وامتدت هذه التغييرات الى إصرار الإقليم على عدم الإشارة في بيانات المؤتمر ومقرراته إلى قرار حكومة العراق في 21 يناير 2014 باستحداث محافظة سهل نينوى، وعمل على اشراك منظمات سياسية تابعة مباشرة له، لضمان السيطرة على المؤتمر وتوجيه بوصلته نحو اجندة محددة. وهذا التلاعب والاستهتار أدى الى تحويل المؤتمر الى مظاهرة سياسية لا معنى لها، بعد ان قررت أغلب الجهات السياسية المسيحية الوازنة الانسحاب منه اضافة الى انسحاب الكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق الأشورية للأسباب ذاتها.



إقصاء مدير ناحية القوش

بعد إفشال المؤتمر، بدأت القيادات السياسية الكردية تعبّد الطريق لتحقيق مشروعها، فأخذت تعمل لإبعاد المسؤولين المحليين المعارضين لسياساتها، وكانت ناحية القوش أولى ضحايا هذه السياسية، وهي المدينة المسيحية الوحيدة في السهل التي بقيت عصية على داعش ولم يتمكن من اسقاطها، كما تعتبر من اهم المناطق المسيحية حضوراً وتأثيراً وتاريخاً.

ويشهد لمدير ناحيتها رفضه لسياسات السيطرة التي تنتهجها القيادات الكردية بالمنطقة، متناغماً مع بيئته الشعبية الرافضة لتلك السيطرة، فكان نصيبه استجواباً ملفقاً ثم اقالة رغماً عن التظاهرات والإحتجاجات الشعبية والسياسية الرافضة للقرار، ثم تعيين عضوة في الحزب الكردي الحاكم في أربيل بديلا عنه.



ضعف الحكومة المركزية وتخبطها بين الأكراد وقوى شيعية

ما يجبر القوى السياسية المسيحية على اللجوء الى خيار استقدام الحماية الدولية للمنطقة، هو الضعف الذي تبديه الحكومة المركزية في التعاطي مع كل تلك الممارسات التي تتعرض لها المنطقة. كما يأتي تخبطها وعجزها عن السيطرة على بعض فصائل الحشد الشعبي بالمنطقة، وتغطيتها لممارسات بعض القوى الشيعية والتي تحاول إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة لاستكمال حصارها الديموغرافي لمدينة الموصل ذات الغالبية السنية، والتي كانت نتيجتها الاحتكاك العسكري الذي حدث مؤخراً بين ميليشيا مقربة من قوى سياسية شيعية نافذة، وقوات حماية سهل نينوى المكونة من أبناء المنطقة. وهذا ما وضع العديد من علامات الاستفهام عن دور الحكومة والجيش في ضبط ميليشيات غريبة عن المنطقة ولا تمثل أبنائها، وطبيعة انتشارها والأجندة التي تنفذها في تلك المناطق.



انعدام الثقة بالجيران

إن تجربة احتلال المنطقة من داعش، وموقف أبناء المناطق المحيطة بالسهل المؤيد للتنظيم الإرهابي والداعم له ومشاركته في عمليات التهجير والقتل والسلب والنهب للمدن والقرى المسيحية، أحدث صدمة للأهالي، أفقدتهم سبل التواصل مع جيرانهم ولا يمكن لهم العودة الى الثقة بهذا الجار.

المسيحيون في المنطقة أصبحوا محاصرين من قوى كردية تحاول سلبهم مناطقهم بقوة الأمر الواقع، وقوى عربية سنية لا ثقة لهم بها بعد موقفهاً منهم ابان احتلال المنطقة من داعش، وقوى شيعية تحاول إيجاد موطئ قدم لها بالمنطقة على حسابهم، وحكومة مركزية تتعامل بلامبالاة كون المنطقة متنازع عليها.

لذلك يجد المسيحيون ألا فرصة لهم سوى بتبني مشروعهم السياسي من قبل جهة دولية نافذة، وتميل القوى السياسية الى جعل المنطقة تحت حماية دولية، تقف في وجه تدخلات جميع القوى التي تحاول السيطرة على المنطقة ومصادرة قرار أبنائها، وزجها في صراعات تثقل من معاناة أبنائها وتزعزع استقرارها.



الفرصة الأخيرة!

إن القوى السياسية التي تتبنى مشروع الحماية الدولية تجد أنه الفرصة الأخيرة، والذي يمكن أن يكون الخطوة الأولى نحو استكمال النقاط الأخرى بإنشاء محافظة سهل نينوى، وتمكين أبناء المنطقة من الدفاع عن انفسهم، واعادة إعمار المناطق تمهيداً لتحقيق عودة أهالي المنطقة، والا فإننا سنفقد الفرصة الأخيرة للمحافظة على الوجود المسيحي في العراق، وربما هذا ما تحاول تنفيذه بعض القوى المحلية من طرفي الصراع على المنطقة.

صحفي عراقي
بواسطة : ADONAI
 0  0  395
التعليقات ( 0 )