• ×

قائمة

مسيحيو الموصل يبيعون منازلهم ويرحلون ... وأهالي السهل ينتظرون استفتاء كوردستان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الحياة أكد مسيحيون من مدينة الموصل أنهم حسموا أمرهم بعدم العودة إلى «أرض الأجداد» وبدأوا بيع منازلهم وعقاراتهم «مع تلاشي مقومات البقاء»، فيما يعود أقرانهم في سهل نينوى بوتيرة بطيئة إلى بلداتهم، وسط استقرار مبهم على وقع الهواجس من احتمالات نشوب توترات سياسية وصدامات مسلحة.

واضطر ما يربو على ثلاثة آلاف أسرة مسيحية لمغادرة الموصل عندما ألزمها تنظيم «داعش» عقب اجتياحه المدينة أواسط عام 2014، على اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو المغادرة، ثم جردهم من أموالهم وممتلكاتهم فاتجهوا إلى مدن إقليم كردستان المجاورة، أو إلى بلدان الغرب.

مع إعلان استعادة المدينة في العاشر من تموز (يوليو) الماضي، بدأ مواطنون مسيحيون تفقد دورهم وعقاراتهم، التي كان التنظيم كتب عليها حرف «ن» في اختصار لتسمية «النصارى» على اعتبارها عقارات تابعة لـ «دولة الخلافة»، وأكد معظمهم اتخاذ قرار «قطعي بالبيع» وعدم العودة، ما يهدد بإنهاء حوالى ألفي سنة من الوجود المسيحي في المدينة.

أسعار مشجعة

يتراوح سعر كل متر مربع بين 400 و800 ألف دينار أي بين 320 و640 دولاراً وفقاً لمساحة وموقع القطعة السكنية والحي، على ما أفاد أبو يوسف (56 سنة) من حي الزهور، وقال لـ «الحياة»، إن «معظم المسيحيين اليوم يرغبون ببيع عقاراتهم، والمشترون بالطبع من العرب الميسورين وبعض آخر من الذين تهدمت منازلهم في الجانب الأيمن، وهم يفضلون شراء بيوت المسيحيين بدافع عامل الثقة، لأن دوائر التسجيل العقاري ما زالت مغلقة، إذ يتم كإجراء موقت اعتماد وكالة صادرة من كاتب العدل في ناحية قره قوش».

وزاد أن «ما حصل من مأساة يصعب نسيانه، لذا قررت أن أبيع منزلي، ووجهتنا المقبلة لم تتضح بعد، لكن أولويتنا هي الهجرة».

والمسيحيون كانوا ينتشرون في أحياء الزهور والمثنى والعرب والزراعي والمجموعة الثقافية في الجانب الأيسر الذي يشهد استقراراً نسبياً منذ استعادته أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي، في حين ما زال ينتظر أقرانهم في الجانب الأيمن والبلدة القديمة عودة الهدوء والأمن ورفع الأنقاض، حيث الأضرار جراء الحرب كانت بالغة.

بسام عبد الأحد (49 سنة) عاد بعد أيام من تحرير الجانب الأيمن مع إخوانه لمعاينة بيتهم وكاراج لغسل السيارات، وقد استويا بالأرض، وتحدث لـ «الحياة» قائلاً: «يصعب أن تتخيل كم كان المشهد مرعباً، معظم المباني تحولت إلى أنقاض، أما ما تبقى من المنازل غير المهدمة، فإنها متفحمة جراء الحرائق، وكنا نشم رواح كريهة لا نعلم طبيعتها، وبعد ربع ساعة قفلنا عائدين عبر النهر إلى أربيل».

وتابع: «كل ما نفكر به هو أن تستقر الأمور لنبيع ورثة العائلة ليقرر كل منا مصيره، أمامنا خياران: الأسوأ أن ننتقل إلى مناطق سهل نينوى، والأفضل الهجرة من دون رجعة، على رغم أني كنت فشلت في الهجرة عبر تركيا إلى اليونان بسبب الخوف من الغرق في البحر».

في أحد مكاتب لبيع وشراء العقارات في بلدة عنكاوا ذات الغالبية المسيحية في أربيل، كان سالم يعقوب الذي يقيم في البلدة منذ نزوحه عن المدينة، يناقش مع محام إجراءات بيع عقاره الكائن في حي الزهور. وقال لـ «الحياة»: «نفكر بأن نتوجه إما إلى الأردن أو تركيا ومن ثم الهجرة إلى إحدى الدولة الغربية، أو الانتقال إلى منطقة سهل نينوى، أو أن نبقى في أربيل». ولفت إلى أن «البعض يفكر بالانتقال إلى سهل نينوى، لكن هناك قلقاً من عدم استقرار الوضع، وما زال الأمن غير واضح، ولا توجد صيغة بين الأطراف والجهات الحكومية والسياسية لإدارة المنطقة، وشهدنا كيف حصل اشتباك بين قوتين مسيحيتين، فكيف إذا ما حصل بين قوتين تختلفان في الأيديولوجيا والتبعية».

ووفقاً لأحدث إحصائية نشرتها البطريركية الكلدانية، أكبر الكنائس العراقية، فإن عدد المسيحيين في عام 1997 كان يقدر بحوالى مليون و400 ألف نسمة، وعلى رغم أنها أقرت بصعوبة إجراء إحصائية دقيقة، فإنه يقال أن عددهم 2 في المئة من العدد الكلي للسكان البالغ 33 مليوناً، ولفتت إلى أن «إحصائية كهنتنا في دول الجوار تفيد بوجود أكثر من 18 ألف لاجئ مسيحي، وفي لبنان 2200 أسرة، وفي الأردن 800 أسرة».

وما زال القلق يساور سالم يوسف الذي كان يشاور صاحب مكتب للعقارات في أربيل لبيع منزله الصغير الكائن في حي الوحدة– مستشفى السلام، وقال إن التقويم السابق قبل سيطرة «داعش» على الموصل لسعر المتر الواحد كان مرتفعاً أما اليوم فانخفض إلى النصف.

ويعزو قراره إلى «صعوبة الوثوق بمن خان الجيرة لمئات السنين، ومقومات العيش هناك تلاشت، وليس هناك أصعب وأذل من أن يكتب على دارك حرف النون وكأننا فضائيون جئنا من كوكب آخر».

وأضاف: «كنت سلمت الدار إلى أرملة ربطتنا بها الثقة المتبادلة بحكم العلاقة، اليوم ترفض الخروج منه، كما أنها ترفض فتح الباب لمن يرغب بشرائه، وأنا مضطر إلى أن ألجأ إلى الكنيسة أو الشرطة لإجبارها على الخضوع». وختم قائلاً: «نحن معلقون اليوم بين السماء والأرض، لم نقرر بعد وجهتنا بين الانتقال إلى سهل نينوى أو أربيل أو الهجرة».

وبحسب صاحب مكتب للعقارات في أربيل فإن الإقبال يغلب على المنازل ذات المساحات الصغيرة التي لا تتجاوز 200 متر، وتتراوح أسعارها بين 50-70 مليون دينار. وقال إن «الأسعار تختلف من حي إلى آخر، وأغلاها هي في مناطق المجموعة الثقافية والمهندسين والمثنى وباب نركال بسعر يصل إلى 800 ألف للمتر الواحد، وتتم عملية البيع عبر وكالة لدى كاتب العدل في أربيل أو قضاء شيخان، ويكون المشتري عادة من سكان الحي وهم عرب، أو الذين نزحوا من الجانب الأيمن بعد أن تهدمت بيوتهم».

وأبلغ أحد المتاجرين بالدور رفض الكشف عن اسمه «الحياة»، أن ضباط أجهزة الأمن في بعض المناطق يحذرون المواطنين ويقولون لهم بأنه يمنع شراء بيوت المسيحيين بحجة عدم تركهم المدينة ولكي يضطروا لاحقاً للعودة، لكن هاجس المسيحيين هو أن يكون ذلك مجرد غطاء للتستر على رغبة مبيتة للاستحواذ على بيوتهم بأبخس ثمن».

لكن القس نجيب الدومنيكي استبعد أن يكون البيع خيار غالبية مسيحيي الموصل لصعوبة عملية البيع وغياب الدوائر ذات العلاقة لإتمام عملية البيع. وقال: «ربما هناك من لديه الرغبة بالبيع، وما يجري الآن هو قيام لجنة رسمية متخصصة ومن خلال الشرطة بإخراج المتجاوزين على بيوت المسيحيين بأسرع وقت، وتسليمها لأصحابها الشرعيين».

وأضاف: «نأمل بأن يتمسك مسيحيو الموصل بالبقاء، فهذه مدينتهم وأرض أجدادهم، لكن هناك آثاراً نفسية تركت بصمتها، والشخص منهم تغلب عليه الحيرة، غير قادر على أن يقرر بين خيار بيع منزله أو العودة إليه، خصوصاً من كان يسكن في الجانب الأيمن نظراً إلى الدمار الهائل في معظم أحيائه، والأهم لا يخفى أنهم يعيشون حالاً من فقدان الثقة بالمحيط أثناء وبعد سيطرة داعش على المدينة».

ووفقاً للدومنيكي فإن قرار العودة ربما يحتاج إلى توافر مقومات «ضامنة» لحياة مستقرة، أولها عودة الأمن، و «سنحتاج إلى مدة ليست بالقصيرة لإعادة تلك الثقة المفقودة».

وفي أعقاب استعادة المدينة تعكف لجنة مشتركة من الشرطة والكنيسة والحكومة المحلية على «متابعة دور المسيحيين المتجاوز عليها» وتلقي الشكاوى ويكون ملزماً على المتجاوز تسليم المنزل خلال مدة لا تتجاوز عشرة أيام.

ويؤكد رئيس اللجنة دريد حكمت زوما «إخلاء أكثر من سبعين منزلاً منذ بدء عمل اللجنة، والشكاوى ما زالت مستمرة، وقد عادت أكثر من 25 أسرة في الجانب الأيسر». وأضاف أن «البعض من الذين يملكون منازل ذات المساحة الكبيرة يواجهون صعوبة في بيعها لغلاء سعرها، والطلب ينحصر بالتي لا يتجاوز سعرها 160 مليون دينار أي قرابة 133 ألف دولار. وشدد على أن «أغلب الذين يسترجعون منازلهم إما يقومون بتأجيرها أو بيعها، البعض يرغب بالبيع، وآخرون إما هاجروا أو ينتظرون توافر ضمانات أمنية وخدمية، ومنهم من لم يقرر بعد».

عودة حذرة وخروقات أمنية

في الإحصائيات الأخيرة عادت 450 أسرة إلى سهل نينوى الجنوبي حيث مناطق الحمدانية، قره قوش، برطلة وكرمليس، ونسبة أقل في السهل الجنوبي، والنسبة لا ترقى إلى مستوى الطموح، لكون عودة 400 أسرة إلى الحمدانية، لا تمثل سوى 4 في المئة من حجم سكانها الذين نزحوا منها، وهو ما يؤكده وزير الهجرة والمهجرين جاسم محمد الجاف إذ قال إن «عودة 17 ألف نازح إلى ديارهم في الحمدانية ونواحي برطلة وبعشيقة والنمرود لا يشكل رقماً بالمقارنة مع أعداد النازحين، على رغم أنها مشجعة».

ويقوم عدد من المنظمات الأممية بإعادة إعمار البيوت المتضررة، باستثناء المهدمة أو المحترقة والتي أدرجت في برنامج ينفذ في المرحلة الثانية لإعادة بنائها، فضلاً عن عودة خدمة التيار الكهربائي والمياه الصحية، وتزود كل عائلة بالأجهزة الكهربائية الأساسية، في إطار خطة تشجيعية لعودة الحياة إلى هذه المناطق.

بسام بهنام أفاد «الحياة» بأنه حضر مع أسر أخرى لاجتماع دعت إليه إحدى المنظمات المكلفة تعمير الشقق في قره قوش، وأبلغوها أن إعادة إعمار كل شقة رهن بموافقة عودة أصحابها، وقد بدأ العمل بالفعل، وهو سيترك أربيل ويعود إلى بلدته خلال الشهرين المقبلين .

لكن سالم متي من بلدة برطلة القريبة ما زال قلقاً إزاء الوضع في سهل نينوى، على رغم أنه أعاد إعمار منزله «أفضل مما كان عليه» بمساعدة المنظمات المعنية، وقال وهو ما زال يقيم في أربيل: «انتهيت من إعمار المنزل، إلا أنني أفضل التريث في أخذ قرار، إذ إن مصير هذه المنطقة يبدو مربكاً، وإقليم كردستان مقبل على تنظيم استفتاء في شأن الاستقلال، وهو يطالب بضم هذه المناطق، لذا سننتظر ما ستؤول إليه الأمور في نهاية الخريف».

ويصف زعيم الكنيسة الكلدانية لويس ساكو الأوضاع في المنطقة بـ «المتشنجة» جراء غياب اتفاق بعد نهاية تنظيم «داعش»، ويعزو بطء عودة النازحين المسيحيين إلى «تقسيم الإدارة بين حكومتي أربيل وبغداد، وبطء عملية إعادة الإعمار بسبب قلة المخصصات والحرب والفساد، وترقب إجراء الاستفتاء المزمع في إقليم كردستان الرامي للانفصال».

وتعاني القوى المسيحية من التقاطع وغياب إستراتيجية موحدة لوضع رؤية واضحة إزاء مستقبل هذه المناطق، كان آخرها انقسامها حول المشاركة في مؤتمر عقد في العاصمة البلجيكية بروكسيل حول مستقبل الأقليات في سهل نينوى.
بواسطة : ADONAI
 0  0  533
التعليقات ( 0 )