• ×

قائمة

البطريرك أفرام الثاني والإرث الثقيل } دراسة وتحليل . الجزء الثالث.

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جوزيف إبراهيم وظلمُ ذوي القُربة أشدُ مضاضةً على المرء من وقع الحُسام المُهند.
أي أب في هذه الدنيا يرى أولاده يُقتلون ويشردون وينام قرير العين مرتاحاً؟ بهذا الشعور تميز الأب الروحي للسريان البطريرك أفرام, فمنذ اللحظة الأولى لاستلامه الرئاسة لم يتوانى في أن يخفف من وطأة معاناة المسيحيين وإخوتهم من بقية الأديان, وأن يشاركهم أحزانهم الثقيلة على الأرض, فكان سباقاً بالتواجد الشخصي في أشد الأماكن خطورة حول العالم, معرضاً حياته ومرافقيه للخطر الشديد, كل ذلك من أجل مواساة أبنائه ومشاركتهم همومهم و أحزانهم وتقديم ما يستطيع أن يقدمه لهم من احتياجات مادية ومعنوية, حيث زار كل من سهل نينوى ونواحي حمص والقامشلي وفي الأخيرة تعرض لمحاولة اغتيال من أحد الانتحاريين الذي تقمص شخصية كاهن حيث نجى منها بأعجوبة, فلولا العناية الإلهية ويقظة حراس القوات السريانية {السوتورو} التي كشفت خديعة الانتحاري, لكان الشهداء بالعشرات ومنهم البطريرك.
المثل الإنكليزي يقول : إن من يقف على الحياد لفترة زمنية طويلة يتعرض للعداوة والكره الشديد من طرفي الخصام على حد سواء, وفي عالم اليوم حيث تستحوذ السياسة حيزاً واسعاً من الحياة العامة الدينية والدنيوية معاً, لذا أصبح مستحيلاً على المرء أن يستمر بسياسة النأي بالنفس لفترة طويلة أمام الخصومات والأزمات والحروب الأهلية, فالمعطيات والمستجدات على الأرض تفرض نفسها على كل حيادي إما طوعاً أو كراهيةً أن ينحاز ويختار طرفاً من طرفي النزاع, لذلك كان البطريرك أفرام ملزماً أن يقف إلى جانب الطرف الأكثر أمانا لأبناءه ووطنه, خلافاً لسلفه الراحل البطريرك زكى عيواص الذي فضل الحياد.
قرأته لسياق ومجريات الأحداث الدموية في منطقة الهلال الخصيب, أوصلته لقناعة بأن الحكومة السورية الحالية هي المؤهلة للقيام بدور المحافظة والرعاية لأبناءه, وتبين له أيضاً إن وحدة ومصلحة سورية أرضاً وشعباً تكمن ببقاء الحكومة السورية قوية على أقدامها, فكان متشجعاً لإشراك الشباب المسيحي عامة والسرياني خاصة بالانضمام إلى الفصائل والميلشييات المسلحة الموالية للجيش السوري للدفاع عن أعراضهم ومقدساتهم وممتلكاتهم وعن وحدة الجغرافية السورية من السقوط والانهيار, ومن أجل ثبات و حث شعبه للبقاء في أرض أجداده تكررت زياراته لجميع المناطق الساخنة, وإحدى تلك الزيارات كانت زيارته لمدينة حلب النازفة والملتهبة, حيث قُدم له وعلى غفلة كتاب القرأن فحمله ووضعه على جبينه { مجاملة ًكما وضح لاحقاً } وتعبيراً منه عن مشاعر الاحترام والتقدير للإخوة المسلمين الشركاء الأساسيين في الوطن.
بيد أن تلك اللفتة الإنسانية منه كانت بمثابة قشة معاوية التي كسرت ظهر البعير, بالإضافة إلى انحيازه وتدخله بالشؤون السياسية, شكّلا مصدر قلق وعدم أرتياح لشريحة واسعة من العلمانيين والإكليروس السرياني. فقد استغل خصومه { العلمانيين والإكليروس }, والمشككين أصلاً بالطريقة التي أدت إلى وصوله إلى السدة البطريركية, وتجاوزاته { بنظرهم } الإدارية والدستورية والإيمانية واعتبار تصرفه المنفرد بتلك القُبلة واللافت للنظر أمام عدسات العالم اجمع على إنه خروجا عن الإيمان المروي بدماء ملايين الشهداء, مما حدا بستة من زملائه المطارنة لإصدار بيان حجب الثقة عنه وسحب يمين الشراكة الإيمانية منه واعتباره بطريركاً فاقداً للشرعية.
هذه السابقة الخطيرة كانت ضربة موجعة جداً للبطريرك لإنها أتته من دائرة المجمع المقدس كقول الشاعر { وظلمُ ذوي القُربة أشدُ مضاضةً على المرء من وقع الحُسام المُهند } وحركت الرمال والنيات الدفينة, فأخرجت للعلن وأطفت على وجه المياه السريانية الراكدة المؤيدين والمعارضين للبطريرك ولأسلوب إدارته, فظهرت بشكل جلي { للمحترفين في دهاليز وأنفاق السياسة التطابق الكامل لما يحدث وما حدث بقضية أبرشية السويد السريانية في ثمانينيات القرن الماضي }.
لكن هذا التحليل المعني للمختصين بالشؤون السياسية, كان خفياً ولم تظهر عراه للعلن, لعدم تبلور واكتمال معالمه الكاملة لعامة الناس وللشارع السرياني المنهك والمشغول بلقمة عيشه اليومي الرافض لتحمل عبئًا ثقيلاً آخراً على منكبيه, فكانت ردود أفغال الغالبية الساحقة منه عفوية غاضبةً جداً ومستنكرة لبيان المطارنة الستة { انظر إلى مقالتي في هذا الموضوع على الرابط التالي http://www.almahatta.net/read-3528.htm
هذا الرد الشعبي والإكليروسي العارم المؤيد للبطريرك, أجهض بيان المطارنة الستة وحركتهم الانقلابية في مهدها, فكانت هذه الضربة الموجعة للبطريرك بمثابة جرعة مضاد حيوي أعطته مناعة من الضربات اللاحقة وزادته صلابةً ورسوخاً في منصبه.
جوزيف إبراهيم في6/9/2017/ يتبع الجزء الأخير لاحقاً
بواسطة : ADONAI
 0  0  385
التعليقات ( 0 )