• ×

قائمة

الأب اسبيرو يحلّل الاعتراف ويتفوّق على التّحليل النّفسيّ

التّوبة انقلاب عنيف على الماضي (3)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 يمهّد الأب اسبيرو في الفصل الثّالث من كتاب الاعتراف والتّحليل النّفسيّ، لماهيّة الاعتراف والفرق بينه وبين التّوبة. ويبيّن تأثيرات الرّوح القدس الخارجيّة ما قبل العنصرة، وسكناه الأبديّ فينا بعد العنصرة. ولمّا سكن الرّوح القدس في المؤمنين إلى الأبد فذاك يعني أنّ الأنا اختلفت جذريّاً عمّا كانت عليه قبل العنصرة، أي قبل حلول الرّوح القدس على التّلاميذ. بمعنى آخر، لقد تمّ تشكيلها من جديد، خلقها من جديد، لتمسي الأنا الجديدة بالمسيح.
من هنا أهميّة تبيّن المعنى الحقيقيّ للتّوبة الّذي يختلف عن الاعتراف. "فالاعتراف هو جزء من التّوبة ولكنّه ليس التّوبة. التّوبة أشمل من ذلك. الاعتراف هو إقرار بالخطايا، أمّا التّوبة فهي انقلاب عنيف على الماضي." (الأب اسبيرو جبّور). ولا ريب أنّ الأب اسبيرو يحدّد بالتّوبة معالم الأنا الجديدة. بل وكأنّي به يقول إنّ الرّوح القدس ولج عمق اللّاوعي الإنسانيّ ليبدّله ويحوّله من إنسانه القديم إلى إنسانه الجديد. وإذا كان اللّاوعي بحسب فرويد هو أهمّ منطقة سيكولوجيّة نستطيع بموجبها فهم سلوكيّاتنا السّويّة والشّاذة، فالرّوح القدس غزا هذه المنطقة ليتمّ الخلق الجديد. هذا الكلام ليس نظريّاً، أو مجرّد فلسفة تسعى إلى شرح عمل الرّوح القدس، بل هو فعل إلهيّ يجعلنا نفهم التّحوّلات العجيبة في حياة الإنسان، خاصّة تلك الّتي نقرأها في الإنجيل المقدّس. لطالما تساءل باحثون كثر عن انقلاب بولس الرّسول الفجائيّ من مضطهد للكنيسة إلى مناضل من أجل الرّسالة المسيحيّة. هذا الانقلاب الّذي يتراءى لنا عجائبيّاً، هو فعل إلهيّ يبيّن معنى الخلاص. فالخلاص ليس فعلاً خارجياً أو نظرة جديدة إلى الشّريعة أو تطويراً لها. إنّه فعل تغيير حقيقيّ وتحوّل جذريّ من الإنسان القديم إلى الإنسان الجديد، بل ولادة جديدة من أحشاء الله.
لكنّ هذا الفعل الإلهيّ، وهذا الانقلاب العنيف كما يسمّيه الأب اسبيرو، لا يكون بمعزل عن الإرادة الإنسانيّة. فالإنسان ليس آلة بين يديّ الله، وإنّما هو شخص مهيّأ لاكتمال إنسانيّته ولا يكون ذلك إلّا بالتّوبة. "ليست التّوبة شعوراً بالذّنب فقط، بل هي استجماع لكلّ طاقات النّفس لمكافحة الإثم ولاقتناء الفضيلة." (الأب اسبيرو). وبالتّالي فإذا كان فعل الخلاص إلهيّاً فالتّوبة كانقلاب على الماضي ردّة فعل إنسانيّة انفتحت على عمل الرّوح القدس فانكشف لها إنسانها القديم بما يحمله من تشوّهات لا تمكن رؤيتها إلّا على ضوء النّور الإلهيّ. من هنا، يقول الأب اسبيرو: "يندر بين المسيحيّين وجود خاطئ لا يشعر بأنّه خاطئ. ولكن كم هي نسبة التّابين الحقيقيّين؟ الله يعلم".
إذاً فالفرق واضح بين الاعتراف بالخطايا والتّوبة، ونحن المقبلين على الاعتراف لا ننتبهُ إلى أنّه من الضّروريّ الانقلاب على إنساننا القديم حتّى نبلغ الحرّيّة في الله. التّوبة انتقال من حال إلى حال قطعاً ولكن دون تناسي الحال القديم. بمعنى آخر، هو انتقال مصحوب بالنّدم والأسف الشّديد، لا بهدف الغرق في الماضي السّحيق، وإنّما تذكّر يشكّل رادعاً للمستقبل. وهذا الأسف يرافق التّائب مدى الحياة كي لا يفقد جهاده الرّوحيّ اتّقاده، ويعتبر أنّه اكتفى وبلغ ما يرجوه.
الاعتراف إقرار بالذّنوب، والتّوبة انقلاب نهائيّ عليها. ولقد طوّر الرّهبان أسلوب الاعتراف بما يشبه التّحليل النفسيّ المعاصر. فكيف يتفوّق الاعتراف على التّحليل النّفسيّ ويرتقي بالأنا إلى ما أراده لها الرّبّ من قبل إنشاء العالم؟
 0  0  140
التعليقات ( 0 )