• ×

قائمة

الصحفي الثائر سليمان يوسف بقلم جوزيف إبراهيم. الجزء الأول

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جزيرة كوم في صيف عام 1988 تلقيت دعوة من أحد الأصدقاء، لحضور محاضرة لأحد كوادر المنظمة الآثورية الديمقراطية عن كيفية تفعيل , تحريك و تطوير العمل القومي لشعبنا { السرياني الكلداني الأشوري } بعد أن كان الخمول والخوف قد أصابا النشاط والعمل القومي برمته، وتسلل الركود بين معظم كوادر المنظمة حيث فُقدت الثقة بين القاعدة والقادة، نتيجة الاعتقالات الأمنية التعسفية التي طالت شريحة واسعة من الكادر القيادي للمنظمة في عام 1987.
كنت حينها في ريعان الشباب وفي أوج العطاء والحيوية والنشاط، إذ لم يكن عمري قد تجاوز السادسة والعشرين ربيعاً، وكنت قد أعلنت حينها خطوبتي من شريكة حياتي وأم أطفالي الشاعرة المرهفة الحس نبال مادو، أيضاً كانت مشاعر العز والفخر والشجاعة تغمرني، بعد أن أمضيت أكثر من ثلاثة أعوام في أبهى وأقوى قطعة عسكرية سورية { سرايا الدفاع } التابعة مباشرة لرفعت الأسد شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، لذا لم يكن بمقدوري مطلقاً أن أرفض أي طلب يخص أو يتعلق بمصلحة شعبنا السرياني والعمل القومي من أجله.
في طريقي للعنوان المقرر أن تقام فيه المحاضرة وعلى مسافة أكثر من ثلاثة مئة متر، ولأخذ الحيطة والحذر من أعين المخبرين والمندسين بين أبناء شعبنا، كانت بعض العناصر تستقبل المتوافدين وتأخذهم في طرق ملتوية بعيدة عن المنزل الذي ستقام فيه المحاضرة، ومن ثم تدخل خلسة للمنزل المطلوب فرداً فرداً لمنع الشبهات، كانت الساعة قد قاربت من الثامنة مساءً و قد حضر قُرابة الخمسين شخصاً من المدعوين، جلس الجميع على الإسفنجات الأرضية المتواضعة جداً، وبدأ السيد سليمان يوسف بقراءة بعض الفقرات والخطوط العريضة عن محاضرته من مجموعة أوراق كانت بين يديه، شارحاً أهدافها وسبل تحقيقها باللغة السريانية العامية { اللهجة الغربية } استمرت الجلسة لساعات طويلة حيث كان التفاعل والنقاش بنّاءاً ومشحوناً بالحماس والحب والإحترام المتبادل بين جميع الحاضرين، مع بعض التباين في الآراء من أجل تجديد الهيكل التنظيمي لأعلى الهرم ولضخ الدماء الشابة الجديدة البعيدة عن الشبهات في جسد وشرايين المنظمة والعمل القومي، ويمكن وصف تلك المحاضرة وذاك العمل داخل المنظمة { مطاكستو } بما يسمى بالعرف السياسي الشرقي ( بالحركة التصحيحية ).
ذاك اللقاء وتلك الليلة كانت أول وآخر لقاء لي بالسيد سليمان ، لأني غادرت وطني سوريا مُرغماً في عام / 1990/, رغم أني كنت قد صادقت مجموعة متنورة ومثقفة جداً تكبرني بالعمر من كافة الأحزاب المتواجدة على الساحة السياسية في مدينة القامشلي، للإستفادة من تجاربها ومسيرة حياتها, على سبيل المثال لا الحصر المرحوم ميرزا مسعود، أحد أهم المثقفين في مدينة القامشلي والناشط جداً داخل الحزب القومي السوري الإجتماعي، إلا أنني خرجت حينها بانطباع إيجابي مبهر عن الأستاذ سليمان يوسف، وتوقعت مستقبلاً سياسياً وأدبياً زاخراً بالقيادة والعطاء له ولصديقه آنذاك المتواجد في تلك المحاضرة السيد كبريئل كورية موشي مسؤول المكتب السياسي الحالي للمنظمة.
وبالفعل كان ظني صادقاً فتحققت توقعاتي للإثنين معاً، بيد أنها انقسمت على نفسها إلى شطريين متساويين، فالسيد كبريئل موشي أصبح منذ سنوات خلت ولتاريخ كتابة هذه المقالة مسؤول المكتب السياسي للمنظمة ويقوم بتأدية دوره القيادي داخل الأروقة السياسية على أكمل وجه وبصورة دراماتيكية نظراٌ لقدرته وحنكته الفائقة في هذا المجال وفي أحلك وأصعب الظروف السياسية والعسكرية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام وسوريا بشكل خاص، أما السيد سليمان يوسف يبدوا أنه كان ومازال يفتقد للحنكة السياسية التي وصفها الإنكليز باللعبة القذرة لكن يحُتم على المرء أن يلعبها, ولمقومات الرجل السياسي الناجح لذا لم يتمكن من التسلق إلى أعلى الهرم التنظيمي , لكنه في المقابل أفلح في المجال الأدبي والإعلامي ككاتب مُبدع وكصحفي وكمحلل سياسي للأوضاع السورية المستعصية والإقليمية.
أضحى هذا الكاتب الصحفي أحد أهم أعمدة الكُتّاب والأقلام السريانية المعاصرة بشكل خاص، وكُتّاب ومناضلي التغيير السلمي في سوريا بشكل عام، فما زال هذا الجندي المجهول وهذا المغوار صامداٌ داخل سوريا التي زرعها مع وادي الرافدين داخل قلبه وعقله، رافضاً الهجرة والإبتعاد عن أرض أجداده ومسقط رأسه، السيد سليمان المولود في قرية (ملا عباس) القابعة مباشرة على الحدود السورية التركية، ذات الغالبية السريانية التابعة إدارياً لمدينة القامشلي ،ينحدر من أسرة سريانية بسيطة و كادحة، تدرج بمدرسة الضيعة ذات الغرفة الواحدة والمعلم الواحد في كافة المراحل الابتدائية، حامل شهادة بكالوريوس بالفلسفة وعلم الاجتماع من كلية الآداب بدمشق, استطاع أن يفرض نفسه وبجدارة وأن يترك بصماته داخل الأروقة الإعلامية بكافة وسائلها المسموعة والمرئية و على الساحتين العالمية والمحلية، لقد إحتل وما زال يحتل مكانة محترمة لدى أصدقائه و معارضيه على السواء و لدى كل من عرفه وقرأ له, وقلمه يُعتبر من أكثر الأقلام إثارة للجدل.
تتسم كتاباته ومقالاته بالعصامية والواقعية وبالثوابت العلمانية، البعيدة عن التعصب والتزمت الأممي والقومي والديني الغير قابلة للمُساومة والمُتاجرة، إنها تتصدر منذ سنين عديدة الأعمدة والصفحات الأولى لعدة صحف عالمية وإقليمية، كموقع إيلاف الإلكتروني الذائع الصيت وموقع آكي التابع لوكالة الأنباء الإيطالية ومعظم المواقع الرائدة التابعة لشعبنا السرياني الكلداني الآشوري مثل عنكاوى , الجزيرة دوت كوم ,والمحطة دوت نيت وغيرها من المواقع. إن العناوين التي يختارها لمقالاته تجذب القارئ وتكشف له مدى أهمية الموضوع, فيجد نفسه أمام نص مترابط الأفكار جريء مدعوم بالأدلة والشواهد الدامغة وسلس للقراءة. أمثلة من مقالاته الجريئة المنشورة { الحرب السورية وسقوط الأقنعة, الوصي الروسي والورقة الآشورية المسيحية في الأزمة السورية, المعارضة السورية إلى أين, هل باع اردوغان الثورة السورية؟ أكراد سوريا يعتنقون المسيحية, الجزيرة السورية وطبول الحرب, القبلة التي تحولت إلى قنبلة هزت عرش الكنيسة السريانية }, وغيرها من عشرات المقالات والتحليلات المثيرة للجدل التي أغرقت متابعيه بمتاهات من الإعجاب والشكوك حول شخصيته وانتماؤه العقائدي والسياسي. جوزيف إبراهيم في /2/12/2017/ يتبع الجزء الأخير لاحقاً.
البريد الإلكتروني [email protected]
بواسطة : ADONAI
 0  0  108
التعليقات ( 0 )