• ×

قائمة

موعظة الجبل والكمال البشري

استقامة السّلوك الإنسانيّ (2)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 (متى 12،1:5)



غالباً ما دلّ الجبل في الكتاب المقدّس على الحضور الإلهيّ. ولمّا رأى يسوع الجموع، صعد إلى الجبل كدلالة على حضور الفكر الإلهيّ في موعظة الجبل. وبالعودة إلى العهد القديم يمكننا مقارنة الآيات الثّلاث الأولى في إنجيل متّى، بما يشبهها في سفر الخروج: "ولمّا رأى الجموع صعد إلى الجبل، فلمّا جلس تقدّم إليه تلاميذه. ففتح فاه وعلّمهم قائلاً: طوبى للمساكين بالرّوح، لأنّ لهم ملكوت السماوات"(متى 3،2،1:5)/ "وأما موسى فصعد إلى الله. فناداه الرّب من الجبل قائلاً: هكذا تقول لبيت يعقوب، وتخبر بني إسرائيل: أنتم رأيتم ما صنعت بالمصريّين. وأنا حملتكم على أجنحة النّسور وجئت بكم إليّ." (خروج 4،3:19).
يختلف موسى عن المسيح، فموسى صعد ليتلقّى الشّريعة من الله، بينما المسيح يصعد ليعلّم بسلطانه شريعة السّماء. (فتح فاه وعلّمهم). لكنّ الجزء الثّاني من الآية الرّابعة من سفر الخروج يبيّن اجتذاب الله لشعبه. (حملتكم/ جئت بكم إليّ). ما يدلّ على أنّ الله ومنذ البدء يحمل شعبه إليه، يتنازل بطرقه الخاصّة ومنطقه الخاص ليرفع الإنسان إلى مستوى الكلمة الإلهيّة. ما بيّنه المسيح بوضوح في موعظة الجبل. لقد حمل الرّبّ الجموع إليه رافعاً إيّاها إلى مستوى كلمته حتّى يتبيّنوا مفاهيم السّماء. أعطيت لموسى الشّريعة الإنسانيّة الإلهيّة. أيّ أنّ الله منح الإنسان ما يقوّم سلوكه البشريّ ولكن انطلاقاً من الله. فكانت الوصيّة الأولى: "أنا هو الربّ إلهك الّذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبوديّة. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي." (تثنية 7،6:5). فكانت هذه الوصيّة أساساً لكلّ الوصايا الباقية دلالة على أنّ السّلوك الإنسانيّ القويم مرتبط بشكل وثيق بالله. وأمّا المسيح في موعظة الجبل فيمنح الإنسان الشّريعة الإلهيّة الّتي تعرّف الإنسان على وطنه الحقيقيّ (السّماء) وتبلّغه إنسانيّته الكاملة الّتي ستتمجّد مع الرّبّ. فأتت التّطويبات التّسع وصايا تهيّئ الإنسان ليحيا السّماء وهو ما برح في العالم. ولمّا كانت الطّوبى الأولى مرتبطة بالرّوح واشتياقها الدّائم إلى الله، لزمنا أن نعيَ أنّ التّطويبات اللّاحقة ترتبط بالإلهيّات. "طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات" (متى 3:5). ذاك لا يعني أنّنا نتخيّل عالم الغيب، أو نتحدّث عمّا هو مجهول، أم أنّ المسيح يكلّمنا عن أمور مبهمة. وإنّما هذه التّطويبات تقودنا إلى ما قاله بولس الرّسول في رسالته إلى فيليبي: "فليكن فيكم هذا الفكر الّذي في المسيح يسوع". والمسيح المعلّم بعظته على الجبل يمنحنا فكره الّذي ينبغي أن نصطبغ به. كما أنّه يرشدنا إلى الحياة الأبديّة الّتي فينا فتظهر به وتنكشف لنا. يقول لنا الرّبّ إنّ ملامح السّماء تتبيّن لنا هنا، في العالم، وإنّه إذا لم نتعرّف عليها الآن فلن نتعرّف عليها حتّى ولو وصلنا إليها. لذلك المتعطّشون إلى الله، الفقراء أبداً إليه لهم ملكوت السّماوات منذ الآن. فلا تدلّ الآية بأيّ شكل من الأشكال على تعويض وإنّما على حقيقة قائمة ألا وهي ملكوت السّماوات، قلب الله. ومن له قلب الله فأنّى له ألّا يحيا السّماء على الأرض؟ وأنّى له ألّا يتتطلّع إلى فوق؟ لقد خلق الله الإنسان مرفوع الرّأس ليتطلّع دائماً إلى موطنه الحقيقيّ. وخلّصه بالمسيح يسوع لسير بخطىً ثابتة نحو هذا الموطن.
الرّبّ الإله الّذي أخرج بني إسرائيل من أرض مصر وحملهم إليه وأعتقهم من أغلال العبوديّة الأرضيّة، يخرج الإنسان اليوم وكلّ يوم من عبوديّة ذاته ويحمله إلى فوق ليحيا في قلبه المشتاق إلى الإنسانيّة، ويعيش معه إلى الأبد.
 0  0  309
التعليقات ( 0 )