• ×

قائمة

لِمَاذا يتَّجِهُ الأقباطُ لاعادة انتخاب السيسي؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اليوم الثالث الأقباط الذين يُمثِّلونَ رُمَّانةَ الميزان لقيم المجتمع العلمانية، وحجرَ الزاوية للحفاظ على مدنية الدولة المصرية وحفظِ هُويَّتها ووجهها الحضاري من التلاشي أو الذوبان، هؤلاءِ -المصريون الأصلاء -كما وصفهم الرئيس المصري في مؤتمر "حكاية وطن"- يُشكّلون -أيضًا- كتلةً تصويتيةً وانتخابيةً لا يُستهان بها، قادرةً على ترجيح كَفَّةِ أيِّ مُرشحٍ رئاسيٍّ مصري مُحتمَلٍ، وقد فعلوها في انتخابات 2014 وأعطَوْا صوتهم للمرشح عبد الفتاح السيسي كتفويضٍ له منهم لتأسيس دولة مدنية حديثة تحل محل دولة الإخوان الفاشية.

أيضًا الأقباط الذين حافظوا على كيان الدولة وتماسكها من الانهيار، والتاريخ، قديمُهُ وحديثُهُ شاهدٌ على ذلك، وليست مقولة البابا تواضروس الخالدة التي يفوح منها أريجُ وطنيةٍ خالصةٍ، بعد فضِّ اعتصاميّ رابعة والنهضة المُسلحَيْن وحرق وهدم أكثر من مئتيّ كنيسةٍ، "وطنٌ بلا كنائسَ أفضلُ من كنائسَ بلا وطنٍ"، ليست نهاية مطاف وطنية الأقباط، ولكنها شاهدةٌ لها ودالَّةٌ عليها.

وامتدادًا لهذا الدور التاريخ المُشرّف، فالأقباط مَدعوون الآن لاستكمال هذا الدور الوطني -وأغلبيتهم يَعَوْنَ ذلك- فقد جائتهم الفرصة لتوجيه صوتهم الإنتخابي في الاستحقاق الرئاسي القادم في 26 مارس/آذار 2018، توجيهُهُ بما يحفظ كيان الدولة وهيبة مؤوسساتها، ويحافظ على استقرار البلد وتوازنها، في ظل ظرفٍ تاريخيّ أثّر بالسلب على استقرار كثير من دول الإقليم في محيطنا العربي.

وبكلِّ تجردٍ ووضوحٍ، أقول إن مسيحيّي مصرَ، رغم المآسي التي مرّوا بها، ورغم معاناتهم واهدار كثيرٍ من حقوقهم، سيُغلِّبونَ المصلحةَ الوطنيةَ -كعادتهم- على أيِّ حقوقٍ خاصةٍ مُستحقةٍ لهم ومنقوصةٍ في آنٍ، قصّرتْ الدولة في إيفائها. ولذلك، ولكل ما سبق، أجدني بكل أريحيةٍ أقول وفي جملةٍ مُقتضبةٍ -سيُفَصِّلُها هذا المقال لاحقًا إن الأقباط يسيرون بخُطىً حثيثةً نحو إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي لفترةٍ رئاسيةٍ ثانيةٍ.



المشهد السياسي بعد انتفاضة 25 يناير

لقد تغير المشهد السياسي في مصر كلياً بعد 25 يناير/كانون الثاني، وانقلبت المعادلة السيساسية التي ظلت حاكمة عموم المصريين لعقودٍ رأسًا على عقب، ولم تعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم كما كانت بعد أن استرد الشعب موقعَهُ كمُبادرٍ فاعلٍ بعد أن كان مجردَ مُتَلَقٍّ مفعولاً به. إذن غيّرتْ 25 يناير/كانون الثاني، في الشخصية المصرية، ولم يكن الأقباط -وفي القلب منهم الشباب- بمنأَىً عن هذا التغيير، ويشمل ذلك متغيرين:

خروج الشبان الأقباط إلى "الشارع" للتعبير عن غضبهم جنبا إلى جنب مع شركائهم في الوطن، بعد حبسهم -بفعل فاعلٍ- داخل أسوار الكنيسة لسنينٍ هذا عددُها.
"تمردهم" على أيِّ لجامٍ أَسكتَ أفواهَهُم، أو قيدٍ غَلَّ أيديَهُم عن التحرك، سواءَ كان هذا القيد أو ذاك اللجام من جانب الدولة أو بمعرفة رجال الدين.


اتجاهات الناخب القبطي

الأقباط ككتلة انتخابية تصويتية ليسوا كلها رأيًا واحدًا، فهذا ضد طبيعة الأشياء من جهةٍ، وضد وعي الأقباط من جهةٍ آخرى، فهم ليسوا أغنامًا تُساق إلى حيث لا يدرون، ولكنهم يتابعون خيوطَ المشهد السياسي والوطني معا، ليُقاربون -في اللحظة الراهنة- بين مواقفَ واتجاهاتٍ، وهواجسَ عاشوها في الماضي ويخشَوْنَ أن تزاحم تطلعاتهم نحوَ غدٍ أفضلَ لهم ولوطنهم.

كما أن استطلاعات الرأي تستنتج أن أغلبية الأقباط تميل نحو إعادة انتخاب -أو اختيار إن كان مرشحًا وحيدًا- الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهذا التوجه يمكن استيعابه وتفسيره في ضوء المُعطَيات التالية:

الأقباط طوال تاريخهم دائما ما ينحازون إلى مصالح الدولة المصرية إذا ما تقاطعت مع مصالحهم الخاصة، ويضعون سلامة بلادهم ووحدتهم الوطنية فوق كل اعتبار، وقد هذا الاعتبار هو تأجيل مطالبهم المشروعة لأجلٍ مُسَمَّىً، إذا ما كان التأجيل يفوّت الفرصة على المتربصين في الداخل أو الخارج.
عموم الأقباط ورغم زيادة وتيرة العمليات الإرهابية ضدهم، واستهدافهم من قِبَل جماعات متطرفة، لاحظوا "لُغةً جديدةً" غير معهودة يتكلم بها الرئيس عنهم وعن حقوقهم كشركاء في الوطن، أي عبر مبدأ المواطنة، وعن كفالة حرياتهم الدينية وبناء دور عباداتهم (تمثَّلَ ذلك في صدور "قانون تنظيم بناء الكنائس" في عهد السيسي، وفي المادة الثالثة من دستور 2014).
لم يقتصر الأمر على "اللغة الجديدة" بل ترجم الرئيسُ الأقوالَ إلى أفعالٍ، وقد ثمَّنَتْ جموعُ الأقباط زياراتِ رأس الدولة -ولم يفعل ذلك تاريخيًا إلا الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر- إلى الكاتدرائية في الأعياد، وتهنئته للبابا ولهم من داخلها، بل وجّه بإنشاء أكبر كاتدرائية في العاصمة الإدارية الجديدة، ولذلك هم يَرَوْنَهُ مسؤولاً قد أثبت أنه رئيسٌ لكل المصريين، ومن واجب المصريين أن يردّوا الجميلَ ويُعيدونَ انتخابه لاستكال ما بدأه.
إذا عَرجنا إلى النخب القبطية والناشطين الذين لهم توجهات سياسية معينة، فالأمر يختلف قليلاً. فالسيسي بالنسبة لهم -وإن لم يكن "أفضلَ حالٍ" بالنظر إلى خلفيته العسكرية وغلقه المجال العام في وجه الأحزاب السياسية من وجهة نظرهم- فهو قطعًا "أقلُ سوءًا" من أن يأتي رئيسٌ، انتماؤُه الأيديولوجي لجماعته يسبق انتماءَه الوطني.


الأقباط مِصريون أُصَلاء

الأقباط الذين وصفهم الرئيس السيسي في مؤتمر "حكاية وطن" بأنهم "مصريون أُصَلاء" وقال إن تعامل الدولة معهم بهذا المعنى "مش سياسة" -على حد تعبيره بالعامية المصرية- وكأنه يقدم تعهدًا لهم وميثاقَ شرفٍ وطنيٍ، بأن هذا موقفًا مبدئيًّا، وتوجهًا ثابتًا لا يتأثر بتقلبات السياسة. الأقباط الذين ثَمّنوا هذا الموقف غاليا، هم ومنذ أن اشتبكوا في الشأن العام المصري الحديث مع ثورة 1919 التي رفعت شعار "الدين لله والوطن للجميع" وانخرطوا مع شركاءهم في الوطن كنسيجٍ واحدٍ لأمةٍ واحدةٍ، تشغلهم نفس الهموم الوطنية، بعد استبعادٍ وعزلةٍ -خارجة عن ارادتهم- دامت لمئات السنين.

الأقباط الذين، "باباهم" الراحل "شنوده الثالث" لُقب بـ "بابا العرب" من أجل مساهمته ليس فقط في قضايا وطنه ولكن أجل القضايا العربية وفي القلب منها فلسطين، وخرج بالكنيسة إلى اتساع الوطن ورحابة القومية العربية. هؤلاءِ، استمر عطاؤهم لوطنهم بالرغم من المحاولات الخبيثة التي يقوم بها المتطرفون بالاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم ودور عباداتهم، وهم يريدون بهذا انسحابهم من الشأن العام إلى عزلتهم، أو نقمتهم على وطنهم، أو تهجيرهم إلى خارج الوطن.



ناصر والسيسي والصورة الذهنية للأقباط المتدينيين

ونحن نحاول أن نستجليَ كُنْهَ هذا السؤال الهام، لماذا يميل الأقباط لانتخاب السيسي لفترة رئاسية ثانية، لا يجدر بنا أن نغفل الصورة الذهنية للسيسي لدى مُتديِّني الأقباط الذين مازالت تُبهرهم وتثير شجونهم تلك العلاقة التاريخية الوطيدة والحميمة، التي كانت بين عبد الناصر والبابا كيرلس السادس البابا الـ 116 في ستينيات القرن الماضي، وهذه الصورة الذهنية -بكل تأكيد- لن تكون بعيدةً في توجيههم وقتَ الاستحقاق الانتخابي.

وهناك مقاربات سياسية وأوجه شبه بين السيسي وناصر -ليس هنا مَقامُها- استرعت انتباه محللين سياسيين، وكثيرٍ من جموع المصريين المُحبين لعبد الناصر، المتدينين منهم وغير المتدينيين.

أول وجه للشبه هو وضع السيسي لحجر أساس كاتدرائية جديدة في العاصمة الإدارية 2016، مثلما كان عبد الناصر قد وضع أساس الكاتدرائية الحالية في 1965.
السيسي هو أول رئيس مصري -بعد عبد الناصر- يزور الكاتدرائية في الأعياد لتهنئة البابا وجموع الأقباط.
اللغة المشتركة الواضحة والقاطعة -التي لا تحتمل التأويل، والتي تتحدث عن قيم التسامح الديني والعيش المشترك والمواطنة بين الزعيمين، وتفعيل ذلك على أرض الواقع.


موقف البابا المؤيد

خلال افتتاحه معرض "الأهرام تاريخ وطن" بمقر جريدة "الأهرام" يوم الخميس 25 يناير/كانون الثاني، صرّح البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أن "الأقباط لم يحصلوا على حقوقهم إلا في آخر سنوات"، في تلميحٍ إلى فترة حكم الرئيس السيسي، وأشار إلى أن هناك دلائل على ذلك أولها إصرار الدولة على إصدار قانون بناء الكنائس.

لذلك عزيزي القاريء، لا ينبغي أن تستغرب إن وجدتَ بابا الكنيسة وأساقفتها يعلنون على الملأ تأييدهم للرئيس السيسي بكلماتٍ لا تحتمل التأويل. فهل سيحقق الرئيس السيسي -باعتبار فوزه بالانتخابات الرئاسية القادمة تحصيلاً حاصلاً- آمالَ كل المصريين بغدٍ يسوده "العيش والحرية والكرامة الإنسانية" التي كانت الشعار الحاكم لانتفاضة الشعب المصري في 25 يناير/كانون الثاني 2011، والتي احتفلنا بذكراها السابعة منذ أيامٍ.
بواسطة : ADONAI
 0  0  94
التعليقات ( 0 )