• ×

قائمة

مارونيا وجرأة الخيارات الصعبة...

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اليوم الثالث غريب أمر مارونيا... فهي ليست هذه الجماعة الوازنة ديمغرافيًّا، ولا هي تسيطر على منطقة استراتيجية من حيث البعد العسكري أو الاقتصادي، ولا هي تتوزّع على إقليم غني بثرواته الطبيعيَّة. فما هو هذا اللغز الذي جعل منها جماعة فاعلة في التاريخ المعاصر؟ وما هو السبب الذي جعلها في حالة من السطوع رغم كل ما يشوبها من انتكاسات وخلافات وانقسامات داخلية؟ وكيف لهذه الجماعة الصغيرة في العدد وفي التوزّع الجغرافي أن تلعب دورًا نوعيًّا في هذا الجانب من البحر المتوسّط؟



مشروع التعايش

إن كان قد أطلق البطريرك الماروني اسطفان الدويهي على الجماعة المارونية إسم "مارونيا"، فلأنه كان يرى فيها أمَّة، على تواضعها، متكاملة الهويَّة رغم كلّ الانقسامات الداخلية التي كانت ولا تزال تطالها. أهمّ ما ميّز هذه الجماعة والذي يمكن له أن يجيب على بعض من الأسئلة التي طرحناها أعلاه هو جرأتها.

لن أغوص في كلّ التاريخ الماروني لضخامته وتعقيده ولكنني سأحاول أن أقرأ بشكل وجيز مسيرة هذه الجماعة منذ القرن السادس عشر وحتى يومنا هذا.

قد يكون كتاب البطريرك اسطفان الدويهي التعبير الأول والأبرز عن هذه الجرأة في تاريخ هذه الجماعة الحديث. يعترف غالبيَّة مؤرخو هذه الحقبة على أنَّ "تاريخ الأزمنة" هو المحاولة التأريخية الأولى لما سيُعرف بعدذاك بلبنان. إذ أرّخ البطريرك الدويهي لجبل لبنان ليس فقط ببُعده الماروني، بل ببعده التعايشي بين الموارنة والدروز. ولا ضير من التذكير أنَّ البطريرك الدويهي، عندما اضطر للهرب من مقرّ البطاركة في لبنان الشمالي ليحتمي بالأمير أحمد المعني أواخر القرن السابع عشر بسبب الخلافات المارونية الداخلية، كانت الجماعة المارونية قد امتدّت إلى كسروان والشوف وعاليه وفق مشروع مشترك أرساه الأمير فخر الدين الثاني للتحرّر من ربقة السلطنة العثمانية. كانت الجماعتان الدرزية والمارونية آنذاك قد أنجزتا اجتماعًا سياسيًّا فريدًا من نوعه في العالم حيث تتلاقى جماعتان دينيتان وثقافيتان مختلفتان على مشروع تعايش. في هذا الوقت بالذات كان الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا يتقاتلون غير قادرين على العيش معًا بسبب الخلافات الدينية والسياسية فيما بينهم، وكان المشرق تحت سيطرة سلطنة عثمانية كلُّ من يخالف فيها عقيدة الخليفة الرسميَّة يُعتبر "أشدّ كفرًا من الكفّار".



كانت الجماعتان من الجرأة أن ذهبتا إلى مغامرة استمرّت ما يقارب القرنين ونيّف قبل أن تعصف بها تطورات المداخلات الدوليَّة والإقليمية معطوفة على اختلال التوازن في البنى الفكرية والاجتماعية والطبقية بين الجماعتين. واتت أحداث سبعينيات وثمانينات القرن الماضي لتقضي بشكل كبير على تجربة رائدة في العيش معًا.

كان الموارنة قبل هذه المغامرة مع الدروز قد وعوا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر أزمتهم الثقافية، فكان قرار هم الجريء بالانفتاح على الغرب وعلى روما بالذات؛ قرار تزامن مع استعداد لتبني أسلوب حياة جديد ونمط فكر جديد متطور، فكانت المدرسة المارونية في روما في العام 1584 ومجمع العام 1.... ومدرسة عين ورقة في العام .....، ليلي ذلك تعميم المدارس على مناطق جبل لبنان كافَّة. بهذا كان الموارنة أوّل من أطلق النهضة الفكريَّة في المشرق وفي الفضاء العربي ذات الغالبية المسلمة، ولا تزال أسماء اعلام هذه النهضة الموارنة تذكرنا حتى اليوم بالدور المحوري والنوعي الذي لعبهوه لنهضة الفكر العربي وتطوير منظومته. الأخطر من ذلك أن هذه المغامرة الجريئة للموارنة سمحت لهم بأن يكونوا سفراء الغرب في الفضاء العربي وسفراء هذا الفضاء أيضًا في الغرب. فعلموا الفرنسية والإنكليزية والإيطاليَّة في سوريا ولبنان وفلسطين ومصر، وعلّموا السريانية والآرامية والعربية في عواصم أوروبا ومن ثم أميركا.

كانت ثورة الموارنة الفكرية والاجتماعية والسياسية في القرن التاسع عشر العنوان الثالث لجرأتهم. ففي هذا القرن كان التغيّر الكبير في البنى الفكرية للموارنة والذي تمّ ترجمته اجتماعيًّا بثورة الفلاحين في كسروان العام 1858 عندما قال الثوار بالمساواة وبالعدالة الضريبية وبإلغاء امتيازات الإقطاع وبالحرية وبالكرامة الإنسانيَّة، وكان ذلك كله تحت عنوان "جمهورية الفلاحين". أمَّا سياسيًّا فقد تُرجمت هذه الثورة بنظام المتصرفيَّة الذي كان نهاية لنظام الإقطاع القديم وبداية لنظام التمثيل الشعبي (على الأساس الطائفي). كما شكّل هذا النظام التجسيد القانوني والسياسي الأول للهويَّة اللبنانيَّة والمشروع اللبناني الذي قاده الموارنة والذي وجد ذروته في إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيول 1920.



لبنان المشروع

وإذا كان تاريخ الأوَّل من أيلول 1920 يعدّ إنجازًا تاريخيًّا بنظر الموارنة فإنَّ عنوان جرأتهم الرابع إنما كان ميثاق العام 1943 عندما قرّروا بالتكاتف مع المسلمين، على رغم كل التباينات والتصورات والخلفيات التاريخية والثقافية والحضارية، خوض غمار تجربة تعايش إسلامي-مسيحي كان في وقته مشروع نموذج فريد من نوعه في العالم. كثيرون حكموا على هذه التجربة بالفشل. آخرون رأوا فيها تجربة لا تزال قيد التحقّق. منهم من قال باستحالتها، وأنّ ما حصل في العام 1920 وما تبعه كان خطأ تاريخيًّا. غير أن الكثيرين لا يزالوا يقولون بأنَّ لبنان المشروع لا يزال يستحقّ التجربة والمحاولة. قد تكون الخيبات التي شابت هذه التجربة كثيرة، ومنها ما لا يزال يتمظهر في كل تفاصيل حياتنا اليوميَّة من مثل الفوضى وعدم الاستقرار والفساد المستشري والقلق ما بين الجماعات اللبنانيَّة، ومظاهر الما قبل دولتيَّة التي تعبّر عنها مجموعات واسعة من الشعب اللبناني، وفشل الدولة وضعف إدارتها.

لكنّ يأتيك الردّ على التشكيك بلبنان من هؤلاء الذي يقولون: كيف لهذا اللبنان الكبير - لهذه المغامرة الجريئة - أن يصمد أكثر من تسعين عامًا لو لم يكن يحتضن قوة تمكّنه من الاستمرار. لماذا لم يستطع أحد في لبنان أن يجد بديلًا عن هذا اللبنان-المغامرة، ولماذا لم يجد العالم بديلًا عن لبنان لشعوبه؟

حتى اليوم، يبدو أن لبنان لا يزال حاجة ليس فقط لشعوبه وجماعاته بل أيضًا للعالم. لأنه ربما مغامرة تستحق الخوض، ولأن هذه المغامرة الجريئة يمكن لها أن تنجح لو تضافرت الإرادات اللبنانية لذلك.



الخطوة المارونية الجريئة!

إن ما ينقصّ لبنان اليوم، هو قفزة جديدة. قفزة فيها من الجرأة ما يجعل لبنان يخطو في مسيرة بناء الدولة الحديثة على أساس المواطنة والنهج العلماني والانفتاح على القيم العالميَّة والإنسانيَّة. وعلى الموارنة هنا مسؤوليَّة كبيرة. فهم أكثر من عليه مسؤولية القيام بالخطوة الجريئة لنقل لبنان باتجاه مجتمع الحداثة وما بعدها. وهذا الأمر لا يكون إلا بأن يطوّر الموارنة بالشراكة مع اللبنانيين الآخرين مشروعًا علمانيًّا عابرًا للطوائف حيث تتمّ فيه المصالحة بين الفرد الحرّ المرمَّم الكرامة وبين الجماعة الروحيَّة التي لا تتعدّى سلطتها وصلاحياتها البعد الروحي. فلبنان المستقبل لا يمكن ان يستمرّ ضمن نظام طائفي زبائني حيث يكرّس هيمنة تحالف الإقطاع-الطائفي وسلطة رجال الدين الطائفية وبعض حيتان المال والذي يستهلك شباب لبنان ومستقبله.



متى المشروع الإنساني؟

في عيد ما مارون، نطلق صرخة من على منبر "اليوم الثالث" لموارنة لبنان والعالم بأن يكونوا كأسلافهم جريئين وحداثويين ونوعيّين وأنْ يجرأوا على خوض المشروع الإنساني العلماني العابر للطوائف. بغير هذا يكون الموارنة قد بدأوا بفقدان بريقهم، هذا البريق الذي ميّزهم وجعلهم نوعًا لا كمًّا، وقيمة لا عددًا. فهل سيكون موارنة اليوم على قدر التحدي؟

أستاذ جامعي لبناني متخصص في التاريخ وكاتب في موقع "اليوم الثالث"

أمين الياس ، 2/9/2018
بواسطة : ADONAI
 0  0  151
التعليقات ( 0 )