• ×

قائمة

أسبوع في الأبد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 من قال إنّه ينبغي علينا أن نبحث عن الحقيقة بمنهجيّة فكريّة محدّدة، أو نظريّات أيديولوجيّة ومعرفيّة؟ لِمَ لا يشكّل القلب مبدأ الانطلاق نحو البحث عنها قبل الفكر؟ ولِمَ لا يكون البحث عن الحقيقة عبثيّاً بعيداً عن الاستنارة الرّوحيّة؟ وكيف يمكن للعقل منفرداً أن يبحث عن الحقيقة وهو المأسور بالمحدوديّة والتبدّل الفكريّ في حين أنّ الحقيقة تحتاج لأبعاد الانفتاح واللّامحدوديّة. كما يعوزها أن تلقى حرّيّة فكريّة وروحيّة حتّى إذا ما تجلّت تمكّن الإنسان من تلمّسها. لقد قال سقراط إنّه لا نقترب من الحقيقة إلّا بقدر ما نبتعد عن الدّنيا. وفي الاتّجاه نفسه قال أفلاطون إنّه يجب أن تذهب إلى الحقيقة بكلّ روحك. كذلك يقول طه حسين إنّ كلّ عقل يرى الحقيقة من جانب ويكشف منها أجزاء. ما يعني أنّه من العسير على العقل الإنساني أن يحيط بالحقيقة من كلّ جوانبها. بل يستحيل عليه إدراكها ما لم يتّضع العقل النّاقص أمام حرّيّة الرّوح وانفتاحها على المطلق.
يذكر القدّيس بطرس في رسالته الأولى (7:4): "وإنّما نهاية كلّ شيء قد اقتربت، فتعقلّوا واصحوا للصّلوات." ونهاية الأشياء تعني تفلّتها من الأهمّيّة القصوى الّتي يمنحها إيّاها الإنسان. كما أنّه يقصد بالنّهاية أنّه أمام تجلّي الحقيقة لا يعود لأيّ شيء عظمته الخاصّة. فالحقيقة هي النّور الّذي يظهر تلاشي الأشياء واضمحلالها وظلاميّتها. ويكمل القدّيس بطرس ليحثّ النّاس على التّعقّل والصّحو للصّلوات. فيترادف التّعقّل مع الصّلاة ليخلص بنا إلى فهم خاص مفاده أنّ الحقيقة تتجلّى لنا من خلال امتلاك الوعي والتّنبّه (تعقّلوا، اصحوا) اللّذين نحصل عليهما بالصّلاة، الانفتاح على الحوار الإلهيّ الإنسانيّ. فيستنير العقل، وتتلألأ الرّوح فيعاين الإنسان الحقيقة.
ذاك ما يقودنا إليه الأسبوع العظيم، المسيرة الممتدّة من يومه الأوّل وحتّى فجر القيامة. ستّة أيّام من الصّلوات المكثّفة الّتي تحتلّ الجزء الأكبر من يومنا. نتخلّى من خلالها عن الكثير من الأمور الّتي لا طائل منها، ونعانق تدريجيّاً البعد الآخر لإنساننا حتّى ينتصر على كلّ أبعادنا الهشّة. فدور الصّلاة في هذا الأسبوع العظيم تحريرنا من العالم تدريجيّاً حتّى نصل إلى اعتلاء قمّة العالم لنعاين الحقيقة. إذ لا يمكن معاينتها وسط ضجيج النّفس، وصخب العقل، واضطراب الرّوح.
في لحظة ما من كلّ يوم يبلغ المؤمن أقصى درجات إنسانيّته، ألا وهي اللّحظة الّتي لا يعود فيها يفكّر بأيّ شيء. عقل صامت، نفس مقصيّة عن كلّ تناقضاتها، وروح تحلّق في السّماء. هي لحظة خاصّة تعلو فوق الزّمان والمكان، تفوق قدرة الإنسان على الشّرح والتّفسير. ولكن يكفي القول إنّها لحظة عناق الإنسان لله. لحظة التّجرّد والتّفلّت من المحيط، والأعباء والأفكار، والشّكوك، والصّراعات... صلوات تعزلك عن أناك المرتبكة وتربّي أناك الّتي على صورة الله، فتندفع بكلّك نحو النّور. لحظة يسجد فيها العقل والنّفس والروح، وتتّحد هذه العناصر الثّلاث لتجعلك ترى إنسانك الأوّل ولتكشف لك قدرتك على رؤية ما لا يُرى.
تلك اللّحظة تعلّمك أنّ الصّلاة ليست صفقة مع الله، ولا طقوس ظاهريّة، ولا تضرّع لطلبات خاصّة. وإنّما الصّلاة هيام بالله السّاكن في عمق أعماقك. عشق خاصّ لإله هو العشق بذاته. وبقدر ما تقترب منه ينكشف نوره لك. وتتبيّن لك مفاهيم تاهت عنك وأنت تقرأ كلمة الله. فتتيقّن المعنى العميق لها، وتفهم أنّ الأسبوع العظيم يختصر مسيرة الإنسان نحو الله بكاملها. فترى جليّاً الخطيئة الّتي أدّت إلى موتك، والخلاص الّذي من أجله أتى المسيح إلى العالم متّخذاً صورتك.
تحيا في الأسبوع العظيم حياتك مع الله مندفعاً نحوه حتّى تبلغ الذّروة يوم الجمعة العظيمة . تتحرّر من العالم وأنت مصلوب معه. تنظر معه إلى العالم من فوق. تدرك هشاشته وسخافته. تحدّق إلى جهلك وحماقتك، فتشكره وتعشق موتك معه، وتندفع أكثر، وتصمت أكثر لتصغي إلى هبوب رياح الحقيقة.

نهاية الأسبوع العظيم بداية مشرّعة على الحقيقة الآتية إليك مع الفجر. فالحقيقة تتجلّى لك بقدر ما تسمح لها. وهي الّتي تقبل إليك في حين أنّك تظنّ أنّك أنت الباحث عنها. الحقيقة قريبة منك قرب ذاتك من ذاتك، لكنّك لن تدركها ما دمت بعيداً عن ذاتك. وفي الأسبوع العظيم المفعم بالصّلوات تقترب من ذاتك ومن الله، بل تلج عمقه ليتجلّى فجر القيامة لك حقيقة لا لبس فيها. وتلك هي الحقيقة، وهي أنّك اليوم، الآن تعاين الحياة وتفهم سبب وجودك وغايته. وتتبصّر أنّ ما بينهما مسيرة مع الإله الرّفيق والصّديق. وتعي أنّك كنت تحيا حياة بالقوّة فتلج وهج القيامة لتنتقل إلى الحياة بالفعل. وتلك هي الحقيقة، وهي أنّك اليوم والآن إنسان فاعل في حقل الرّبّ ليصير العالم أجمل وأنقى مملوءاً فرحاً ومضمّخاً بالعشق.
 0  0  56
التعليقات ( 0 )