• ×

قائمة

ُخلقنا خرافاً للذبح...؟ بقلم المحامي نوري إيشوع

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 منذ سنواتٍ طويلة تعدت المائة وفي قرى بعيدة قابعة في ظلال طور عبدين ودياربكر والرها وماردين...كانت الناس تعيش في فرح ومرح، مطمئنين آمنين، حرثوا الأرض وفتحوا الأقنية، زرعوا الكروم وجميع انواع الفواكه وحتى العنب والتين، يخرجون منذ الفجر كل يوم وكل حين ليعملوا بالأرض، فيحرثوا ويزرعوا ويجمعوا محاصيلهم بالأغاني والهتافات والضحكات ويشكرون ربهم بالدعوات ويختمونها بكلمة آمين. حياتهم سعادة ومحبة وعيش مشترك دون آهات ولا حتى آلام وأنين، عاشوا بسطاء، أحرار دون ان يحسبوا يوماً حساباً لغدر الذئب ووحشية الغول والتنين!!
أما الأطفال، فكانوا يلهون كفراشات ملونة، بريئة تتنقل من زهرة الى أخرى، حياتهم مليئة باللهو والفرح والسعادة الروحية الرقيقة، يحملون قلوباً يافعة وعيوناً حنونة بريقة، لا يعرفون الخوف ولا الفزع ولا يخافون من الأزقة المعتمة ولا من الحارات المظلمة العتيقة، مرفوعي الرؤوس فخورين لظنهم بانهم يعيشون بامنٍ وسلامٍ، لقربهم من والديهم وأخوتهم ومن كل أهل القرية العامرة المحصنة البديعة، يلعبون وهم يملؤون الأزقة حركة و ضجيج وأريج وابتسامات صادقة صادرة عن قلوب طاهرة ونقية بريئة.
الذي لم يكن في الحسبان، في ليلة حالكة السواد والناس نيام، جمع القاتل جد أردوغان، كل أعوانه ومريديه وكل جنود ابليس وعّباديه ونقل لهم رسالته الأبليسية وقرر ان يحاسب هؤلاء الكفرة ساكني القرى الطورعبدينية، فنزلوا اليها كغمامةٍ سوداء قاتمة، سواد وقتامةَ افكارهم الشريرة، فاباحوا كل شيء، قتلوا، إغتصبوا، سلبوا، سرقوا، هدموا، سبوا، بقروا، حرقوا ومارسوا ابشع الجرائم وأفظعها.
في خضم نزيف الدماء والصرخات والإستغاثات والعويل والبكاء والحريق والدخان والتكبير والتهليل و النعيق والنباح والمواء، استطاع أحد الأطفال الضحايا ان يختبىء بين الأحراش والكروم بعيداً عن أعين الذئب والوحش الملعون.
بداْ هذا الطفل البرعمة الذي لا يتجاوز 6 سنوات من العمر، يسير هائماً على وجهه في تلك الليلة الدموية المظلمة، (ظلمة افكار القتلة وقساواة قلوبهم الحجرية التي لم تعرف الرحمة والشفقة والقديمة قِدم تعاليمهم الفاسدة)، تائه، جائع، عطشان، خائف من الليل ووحوشه، أستمر هذا الطفل البرعمة، العدوَ والركض دون ان ينظر الى الوراء، يختبئ في النهار بين الحقول والأحراش ويقتات منها ويتابع سيره في الليل تحت غطاء العتمة، الى أن ساقته الأقدارالى عائلة سورية كريمة، إحتضنته واعتنت به عناية الوالدين للأبن وشملته برعاية فائقة، لكن هذا الطفل اليتيم، يذهب الى فراشه كل ليلة ويبكي بحرقة وعويل، على عائلته المفجوعة مع مئات لا بل آلاف العائلات الضحايا، ينوح على أمه االسبية مع عشرات السبايا، اما في النهار فكان يراقب وينظر الى الأفق البعيد، ينتظر والدته لعل وعسى يحمل له قادماً من بعيد أي خبرعنها بعد ان رآها آخر مرة وهي تُجر من شعرها وراء الأغا الذي أركبها خلفه على الفرس عنوةً بعد أن قتلوا والده و كل أفراد عائلته.
أما القاتل، عاد الى مملكته بعد ان نفذ رسالته وأكمل نذره أمام الهه الدموي، تلك الرسالة التي اثقلت كاهله منذ إن كان طفلاً والذي رضع حليبه من ثديي الضباع، فوسع أملاكه وزاد من عدد جواريه وملكات يمينه!
كَبُر الطفل وتزوج وأصبح ربّ أسرة ولكن لم تغب صورة والدته عن مخيلته، ظل يبكي عليها بحرقة كلما ذهب الى فراشه وينتظرها في النهار! لانه بقيّ ذك الطفل البريء المتعطش لحنان الأم وحبها وعطفها وحضنها الدافئ .
أما القاتل، عاش في حبور وفرح وسعادة لا متناهية لانه طبق تعاليم وأوامر ربه ورسالته الشيطانية وفاز بدون شك بجناتٍ وبحورِ عين، أغا في هذه الأرض وحور عين وأولاد مخلدون وأنهار من الخمر والعسل في جنات عدن بعد أن ذبح الكافر اللعين ونفذ قرارات إلهه الدموي، الجبار الذي من عباده يستمد القوة والجبروت لأنهم أولاد أبليس اللعين؟
مرت الأيام والسنين، أصبح ذاك الطفل عجوزاً طاعناً في السن، بعد أن أنهكت قواه، آلام واوجاع الظلم الوحشي والذكريات القادمة من الماضي، الحاضر الأليم، فجاءت اللحظة التي أنتظرها منذ زمنٍ بعيد بعد سنوات الألم والغربة، سنوات فقدان حب وحنان الأم.
في لحظةٍ صمتٍ رهيبة، نزل ملاك السلام بثياب ناصعة البياض وبوجهٍ طفولي من الأعالي، ليأخذ الأمانة وعند أقتراب الملاك منه، تمتم الطفل االبريء (العجوز) ببعض الكلمات وهو يبتسم ابتسامة لقاء الحبيب، قائلاً وهامساً : أهلي، عائلتي، أمي، رفاق الطفولة، أنتظرتُ كثيراً هذه الساعة وها أنذا قادماً للقياكم، فأسلم الروح وعانقت روحه روح والدته التي كانت قريبة منه وترفرف فوقه لانها كانت تنتظر هي بدورها هذه اللحظة الحبيبة، فأتحدت روحيهما اتحاداً ابدياً لا يستطيع فصلهما اي قاتل محترف ولا حتى إله هذا الدهر، ليعيشا الى الأبد كملائكة في ملكوت السموات وفي حضرة الرب الإله.
أما القاتل، الذي كان ينتظر على أحرٍ من الجمر الحور العين والولدان المخلدون وأنهار الخمر والعسل، بعد أن قتل أطفال أبرياء، أغتصب، سلب وسبا وأرتكب كل أنواع الجرائم. أقتربت ساعة الصفر وجاء عزرائيل (ملاك الموت) وبيده مطرقةٍ من نارٍ وحديد لينزع عن هذا القاتل روحه الشريرة بعد أن لوثها و دنسها باعماله المناقضة لتعاليم الإله الحقيقي الذي يدعو للمحبة والمسامحة والعدل. و قال له الملاك :
ايها القاتل : لقد نفذتَ تعاليم ربك إله هذا الدهر وكنتَ لهُ العبد الأمين، فاذهب اليه وانزل الى الأرض السابعة وانعم معه ببركٍ من نارٍ و كبريت وإلى جهنم و بئس المصير!
((لأنهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ. مت30:22))
بواسطة : a3az elnas
 0  0  76
التعليقات ( 0 )