• ×

قائمة

حكاية من القامشلي زالي... موتور المي وبقجة عمو فرحان البنيبلي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
سمير شمعون. عندما كنا صغار عام ١٩٧٢م ، كنا نستهزء من أن ابو زكي صديقي ،بمدرسة غزالة الحرورية املاك الارمن كاتوليك، فهو جاء من تركيا وهو بعمر عشرين سنة ، ولا يعرف يتكلم العربية، كان يتكلم فقط السريانية و الكردية فقط.
وكان بيتهم عند بيت صديقنا كميل مالول وكنت اذهب لعند زكي ، عادة يوم الخميس، لكي نصيد العصافير ، كنت اضع الجطل (النقيفة باللهجة الشامية ) ذا اللاستيك(الجوتات) الاحمر او الاسود ،وطبعا البلاستيك ،هذا كنا نشتريه من دكاكين السمانة.
وكنا نقطع نهر الجقجق ، إلى الطرف الثاني ،حيث تكون البقج كثيرة، ومزروع فيها حسب الموسم، خس او لفت لهانا او جزر او فجل ، كنا نحفر الأرض ونخرج الفجل والجزر ، ونذهب إلى بئر عمو فرحان البنيبلي (توفي في شيكاغو امريكا(٦_٥_٢٠١٨) ، ونغسل الخضروات ونأكلهم ، واحيانا كنا نأكلها بدون غسيل ، وكانت هناك عدة شجرات توت كبير، فوق البئر ومجرى الساقية وكنا نصتاد العصافير والتيتيات من على هذه الشجر ، ونشويها على النار ، حيث كنا نجمع الخشب ،ونضعها بحفرة في الأرض، ونشعل النار بها ونشوي العصافير ونأكلهم ، وكان كل اهل حارة البشيرية ، ينتظروا عمو فرحان ،كي يشغل الموتو ليعبوا بالماء، وكانت المشاوير مع ساقية المي في العصرونية حتى اخر البستان ، ومن الطرف الاخر للجغجغ كان شارع الحب مثل القوتلي ، اي شارع الحمام .
وبالنسبة لحدائق عمو فرحان البنيبلي ابو جان ، كانت من اجمل الحدائق وأغناها، حيث قضت اجيال كاملة ،اغلب طفولتها، بجانب ترعة الموتور، الذي كانت موسيقى صوته، تضفي جوا رائعا ، وضجيجا شاعريا، حفر في ذاكرة تلك الاجيال ،التي كانت تلعب وتختبيئ وتدرس ، بين تلك الحدائق الغناء ،وأما بقجة الخضرا ،كان الكل يأكلون منها حين يجوعون ،وكانوا الاطفال دوما ، يتمرجحون على تلك الاراجيح المعلقة، في اشجار التوت العملاقة وبالاخص بعيد الصعود ،حيث كان اطفال ونساء ورجال وشباب وبنات الحي، يتسابقون على التمرجح، وفي عيد الرشيش ،كانت الساحة وموتور الماء يكونون ملعب العيد ، وكم اكل كل سكان الحي من التوت الابيض الحلو المذاق، وكم كان الكل ، ينزلون بساقية الماء ليشربون الماء الرقراق، بالقرب من الموتور.
ولا زلت أذكر ، الخالة ام جان خالة خانم المرأة الفاضلة ، كانت يد بيد تساعد زوجها، إن ذلك المشهد يمثل ، استمرار لحضارة اشور وارام العظيمتين ، ويلخص تلك الثقافة ، التي بنت روح وفكر الإنسان البناء ، فكانت زالين ،آخر المدن التي بناها ذلك الإنسان، ورحل .
اما حي البشيرية، تم تسمية الحي بهذا الأسم ،نسبة الى من نزح من منطقة البشيرية، في الجزء السورياني المحتل، من قبل تركيا ، وكانت العائلات الارمنية والسريانية البشيراوية التي نزحت من البشيرية، اول من سكن الحي، فتم تسميته حي البشيرية ، وموقع ثانوية الكرامة ، كان ملعب كرة قدم لفريق بابل ، فريق حارة البشيرية وكانت ظلال اشجار عمو فرحان، مكان استراحة واجتماعات الفريق، في الصيف وفي الليل.
لقد كانت تلك الاشجار وموتور المي وساقية الماء، تمثل للكثير من الاجيال، أجمل الذكريات التي لن تمحى من ذاكرتنا ،ونحن على قيد الحياة، وايضا ستكون رموز تشبه الخيال وتلهبه ،للاجيال اللاحقة التي سمعت، حكايات جميلة كثيرة عن البئر والساقية والاشحار التي كان يملكها عمو فرحان البيبلي الذي كانت ثقافته علمته حب زراعة الشج والحفاظ عليها وعلى اللون الأخضر ، ولقد كان البئر والساقية والاشجار ،أجمل منظر طبيعي ، عند شروق شمس القامشلي زالين وأجمل منظر عند غروبها.
.على اسم ساقية المي ، تذكرت بذالك الزمان ،كانت هناك ساقية ماء مجانية، تاتي من تركيا ،وتمر بحي قدور بك ،وتمر بحي الاشوريين ،بجانب المسلخ القديم ،وتمر باراضي ال جرموكلي على الدنك ،وكان اسمها سكر بيت جرموكلي ،ومن ثم تمر ببقجة عمو فرحان البنيبلي ،من الجهة الشرقية ،وكانت تصب في الجغجغ ،بالقرب من بيت طمبي، وكانت كبيرة ،ومثل هذه الساقية، كانت هناك سواقي بالعشرات ، تاتي من تركيا، وكان يحيط عادة هذه السواقي شجر الصفصاف ، من الطرفين من تركيا حتى نهاية القامشلي ، وكانت جميلة جدا في ذاك الزمن وخاصة بموسم الربيع ، وكنا تصطاد العصافير عليها وهذه السواقي كانت موجودة منذ بداية نشوء القامشلي.
ونهاية الستينات انقطعت، لان الاتراك بدأوا بالزراعة، وكلها كانت عيون ماء، تنبع من اراضينا في طور عابدين، ونحن كنا نستثمر المياه بالزراعة بالقامشلي .وأذكر أن أحدها كان يمر على الطاحونة ،التي كانت قرب المسبح ، ويدعها تعمل، وكان يصب في نهر الحغجغ بعد المسبح البلدي (ملك بيت عمو ايشوع).
، كل تلك الذكريات الجميلة هي ملكي اتذكرها كلها ، لقد سرقوا الجغرافيا مني ، ولكن لن أسمح لأحد أن يسرق مني تاريخي و ذكرياتي .
ومنزلي هو بالوسطى شارع الجزيرة او شارع الوكالات عند كنيسة العذراء مريم للسريان الارثوذوكس بين كافيتريا لافيولا ولالونا، وبظهر منزلنا ، كان منزل بيت عمو توماس العربانجي، وكان عمو توماس يجلب لنا تراب لكي نرمم (نسيع ))) اسطح منازلنا في نهاية الصيف وبداية الخريف، وايضا عمو توماس لم يكن يتكلم سوى الأرمني والكردي، وكنا أطفال الحارة بين بعضنا نتهكم عليه، كونه لا يتكلم العربية، وايضا بضهر بيتنا عمو سركيس ، كان لا يتكلم إلا الأرمنية.
وكان شائعا في الجيل الأول ،الذي بنى القامشلي زالين ،أن يكونوا يتكلمون ، فقط اللغة الأم لتلك المناطق ، في تركيا العصملية ، التي كانوا يتكلمونها قسرا في مدنهم ،بعد سلسلة من الابادات ،في تركيا العصملية الآبائنا واجدادنا وتطول السلسلة الزمنية لقرون طويلة.
نعم والآن نحن الجيل الثالث أو الاخير ، حدث معنا بعد رحيلنا للقارة الاوربية او للعالم كله ، نفس ما حدثا مع أجدادنا،اللذين هاجروا من تركيا العصملية إلى القامشلي زالين ، من اننا نجد صعوبة في التكلم بلغة أهل البلاد التي هاجرنا لها،وأخشى أن يأتي يوم، وتصبح هنا ايضا الاجيال التي ولدت اوستولد ، في اوطاننا الجديدة، تتهكم منا لأننا لا نعرف نتكلم لغتهم اي لغة ديارنا الجديدة ،كم الزمن يعيد نفسه معنا نحن خراف المسيح ، واتمنى مثلما تمنا آبائنا واجدادنا ،أن تكون هذه الهجرة ، آخر هجراتنا .
، وكم أتمنى من الزمن أن لا يعيد نفسه ثانية .
المانيا ٩_٩_٢٠١٧

image
image
بواسطة : ADONAI
 0  0  743
التعليقات ( 0 )