• ×

قائمة

مسيحيو المشرق في مواجهة الصهيونية ومقولة "صراع الحضارات"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اليوم الثالث منذ فجر التاريخ وبخاصة عند نشوء الدولة المدينة "Cite-Etat"، بدأ الصراع للسيطرة على العالم وبدأت الإمبراطوريات بالظهور وآخرها الولايات المتحدة الأميركية التي ورثت التركة الثقيلة للإمبراطورية البريطانية.



صراع القوى العالمية

وغالباً ما يولّد طغيان الإمبراطوريات ممانعة لدى الشعوب المستغَلة، تتمظهر بالطرق العنفية بما يسمّى بتناحر الثنائيات المتعارضة والأمثلة كثيرة نذكر منها: الفرس ضد الإغريق ، الرومان ضد الفينيقيين، أوروبا الكاثوليكية ضد المسلمين العرب ومن بعدهم العثمانيين الأتراك، أميركا ضد الشرق الأقصى الذي كان يوصف بالخطر الأصفر، حلف شمال الأطلسي ضد المحور الشيوعي. ودائماً ما تأخذ هذه الصراعات تسمياتٍ مغلوطة لا تعبّر عن واقع وحقيقة الصراع الذي هو السيطرة أو إقتسام السيطرة على الموارد الأولية والطرق التجارية حول العالم. فبالرغم من محاولة الولايات المتحدة الأميركية ايهام العالم بأنّ الحروب التي تخوضها في منطقة الشرق الأوسط هي نتيجة صراع الثقافات التي سوّق لها في البدأ الأستاذ في جامعة هارفرد:"صموئيل هانتغتون" في مقال نشر في مجلة Foreign Affairs العام 1993 تحول بعدها إلى كتاب تحت عنوان "صدام الحضارات"، نجد في الواقع أنّ هذا الصراع بالرغم من استخدامه إصطلاحات دينية وثقافية، يبقى سياسياً توسعياً بامتياز وهذا الإستخدام يهدف من ورائه الحصول على تأييد الشرائح الشعبية " populaire masse" المعروف بأنها الأكثر عرضة للتضليل، لأنه ما من حركة بهذا الحجم في عصرنا تملك القدرة على تجنيد هذه الشريحة الكبرى من المجتمع في سبيل خدمتها، إلا وكان جوهرها الروح الدينية.



مهد المشرقية مستهدف بالحروب

السبب الرئيسي في اعتقادنا لاستهداف هذه المنطقة بالذات هو ضرب هذا التنوع الثقافي لإثبات مقولة صدام الحضارات، وبالتالي إغراق العالم بالحروب والمآسي تحضيراً لظهور المسيح بحسب التفسيرات التلمودية للتوراة وإعادة بناء هيكل سليمان الذي لا يمكن رفعه إلا على أساسات المسجد الأقصى، وعند تحقيق هذا المخطط يقيم اليهود عرشاً لداوود يتبوّءه أمير من نسله في أورشليم. فاليهود إذاً هم في صلب المعادلة بالنسبة لمراكز القرار في الدول الغربية وهم شعب ينبغي توطينه في فلسطين لإنشاء دولة قومية يهودية إستناداً الى نبوءات التوراة المتعدّدة عن العودة إلى أرض الميعاد والقدس هي العمود الفقري لكل المشاريع السياسية التي خططت لها اليهودية العالمية منذ مئات السنين. وإنطلاقاً من هنا نتفهّم هذا التحيز الغربي لإسرائيل في الصراع العربي الإسرائيلي منذ احتلال فلسطين في العام 1948 وحتى يومنا هذا.

وقد استغلّ أصحاب هذه التفسيرات أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 لتسريع تنفيذ هذا المخطط الذي بدأ في فلسطين الذي يراد له أن ينتهي بالسيطرة الكاملة على هذا المشرق العربي، مستخدماً إياه كنقطة إنطلاق في تحقيق مشروعه الأكبر الذي يشمل العالم بأسره.



تفكيك المشرق هدف الصهيونية الرئيسي

الصهيونية تقوم بدور ستار خلفي محجوب، من ورائه خُطط منذ آماد وآماد لفعلِ تخريب يتناول شعوب الأرض كلها. ومن رواد هذا الرأي الفيلسوف الدكتور كمال الحاج الذي كان من الأوائل الذين حذروا من الخطر الصهيوني القادم على لبنان بعد قضمه لفلسطين. وعلى الرغم من ظهور قادة بارزين في العالم العربي منذ بداية القرن العشرين، وعلى رأسهم الزعيم انطون سعادة وميشال شيحا حذرت من الخطر القادم، وقبل تسلل العصابات الصهيونية إلى داخل فلسطين لطرد السكان الأصليين منها، لم تُؤخَذ الإجراءات اللازمة لمواجهته. فعانت بنتيجته الأنظمة العربية من الهزائم في جميع الحروب التي شنّت عليها منذ إحتلال فلسطين مروراً بحرب ال 1956 وال 1967 وال 1973 وصولاً إلى حرب الخليج في العام 1991 ولا تنتهي السلسلة بحرب الخليج الثانية في العام 2003.

إلا أنّ هذه الخيبات المتلاحقة وضعت المقاومة اللبنانية حداً لها من خلال تحرير الجنوب اللبناني في العام 2000 وانتصارها في حرب تموز ال 2006 الذي يُبنى عليه لحماية لبنان في أي حرب جديدة. ومهما حاول الحكام العرب تسخيف ما يحمله انتصار المقاومة من رمزية، إلاّ أنهم لن يتمكنوا من محو صوره المشرّفة التي انطبعت في وجدان الشعوب العربية . والعبرة هنا في أنّ المقاومة العسكرية الظافرة تفرض دوماً الإحترام، ما دفع الدول الغربية مرغمة إلى تغيير مقاربتها للأمور في الشرق الأوسط، بخاصة بعد فشل مشروعها بإقامة شرق أوسط جديد يعيد تقسيم المنطقة بشكلٍ يتلائم مع مصالح إسرائيل والغرب. لذلك اتبعوا أسلوب آخر في الصراع المستمر بفصوله الجديدة يقوم على مبدأ الفوضى الخلاقة، هدفه زعزعة الإستقرار في الدول العربية وخاصة في الدول الممانعة التي أفشلت هذا المشروع.

وهذا الضغط الممارس اليوم على لبنان بحجة العقوبات على حزب الله ، ليس إلا حلقة لما سبقه بهدف منع المقاومة من تثمير الإنتصار. وزاد على انتصار تموز، انخراط حزب الله في الحرب السورية ولعبها دورا مركزيا ومفصليا في انتصار سوريا على الارهاب التكفيري، اداة اسرائيل واميركا. ومن جهة أخرى تسعى واشنطن وتل ابيب، الى إكمال مخطط القضاء على تعددية لبنان أي تنوّعه الذي يشكل معنى وجوده "لبنان الرسالة" بحسب الإرشاد الرسولي، لأنه فقط بإفشال التجربة الحضارية النموذجية التي يعيشها المجتمع اللبناني يمكن لإسرائيل تبرير وجودها كدولة يهودية عنصرية تفرض نفسها بين الأمم.



الصراع اليوم على زعامة العالم لا بين الحضارات

الصراع الدائر حالياً ليس بين غربٍ مسيحي في مواجهة شرقٍ مسلم، إنما هو صراع على زعامة العالم، وما السياسة المتبعة من قبل الدول المؤثرة في المنطقة إلا الدليل على نية هذه الدول جعل منطقة المشرق العربي تجسيداً للعقد التي يعاني منها الغرب بغية تأجيل الإنفجار الإجتماعي الذي بدأت عوامله بالتكون. وهذا القلق البنيوي لدى شعوب أوروبا وأميركا يدفعهم إلى تصديره باتجاه المصدر المسؤول بنظرهم عن هذا القلق وهو المشرق العربي، لذلك يعملون اليوم على تحويله إلى مكان شبيه بتركيبتهم الأحادية، أي إلى وضع مناقض لتاريخه المتنوع وفلسفته القائمة على تقبّل الإختلاف، ويتحقق ذلك بنظرهم من خلال صبغه باللون الواحد بإفراغه من مسيحييه بواسطة إشعال نيران الفتنة المذهبية، وهو اللون السلفي المتحالف مع أميركا وإسرائيل.



دور مسيحيي لبنان وسياسة الرئيس عون

وما يحصل في العراق وفي سوريا يثبت المخاوف. ومن هنا تكمن أهمية مسيحيي لبنان والمنطقة في التنبّه لما يخطط لهم، ممّا يستوجب منهم التمركز في المحور الصحيح، وبإمكانهم تحديد موقعهم الإستراتيجي في الصراع الدائر في المنطقة والعالم بناءً على الشواهد من حولهم من خلال سلوك سياسة الإنفتاح على محيطهم والتضامن مع مجتمعهم.

وهذا المشروع أطلقه الرئيس العماد ميشال عون منذ العام 2010، بزيارته لسوريا وتصحيح العلاقات بين البلدين، وهو بذلك عمل على تصحيح المسار الذي سلكه المسيحيون خاصة في لبنان وذلك بوصل ما انقطع مع تاريخهم. فهو في كلمته في براد- سوريا بتاريخ 10 شباط 2010 بمناسبة إحتفال الطائفة المارونية بذكرى ألف وستماية عام على وفاة مار مارون قال: "وإن غبنا طويلا عن منابعنا وجذورنا فإنها لحظة قصيرة أمام الخلود الذي تجسده عظمة هذا المكان، فالمسيحيون المشرقيون هم رواد المسيحية في العالم، حملوا مسيحيتهم الزاخرة بالروحانية إلى الغرب وبشروا العالم برسالة السيد المسيح، وقد أبرزت هذه المناسبة معالم تراثنا المشرقي العظيم وقدمته إرثاً للإنسانية جمعاء".

وكان سبق العماد ميشال عون قارئاً في التاريخ، رؤيويّاً للمستقبل، هو المفكر أنطون سعادة الذي كتب في إحدى مقالاته:" الموارنة هم ثقافةً ودماً... وأدبهم الديني والإجتماعي هو بعض الأدب السوري السرياني عامة... إنّهم الذين يحفظون بقية التقاليد السورية القديمة التي عمّت سورية كلّها... وتاريخ طائفتهم مندمج في تاريخ سورية كلّها، ومنهم تُنتظر المساهمة في حفظ هذا التراث، وكل فكرة تقصد عزلهم عن مجرى هذا التاريخ هي فكرة مقوِّضة لأساسهم معطِّلة لمستقبلهم." وكان الإرشاد الرسولي بدوره قد شدّد في توصياته على دعوة مسيحيي لبنان والمنطقة إلى التعامل مع محيطهم على قاعدة أنّ مصيرهم مرتبط نهائياً بمصير الجوار الذي يعيشون فيه، فيما بعض المسيحيين في لبنان ما زالوا يتنكرون لمسيحيتهم المشرقية العربية.



المسيحيون ودورهم الريادي في المشرق

هو الدور الريادي لمسيحيي هذه المنطقة إبتداءاً من العراق مروراً بفلسطين ومصر ولبنان وصولاً إلى سوريا، الذي يشكل المساحة المشتركة الجامعة القادرة على توحيد هذا المشرق وحمايته من المؤامرات التي تهدف إلى تغيير جوهره وإلغاء دوره الحضاري.

في كتابه "دفاعاً عن مقولة الحضارة الإسلامية- المسيحية يتوصّل ريتشارد بوليت (أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا-الولايات المتحدة) إلى خلاصة تناقض تماماً ما يسوّق له مدّعي الإنتماء إلى الحضارة اليهودية- المسيحية بمحاولة الإيهام بأنّ هاتين الديانتين تشكلان ثقافة موحدة. فيقول إنّ القبول الأعمى لمصطلح "الحضارة اليهودية- المسيحية كمرادف للحضارة الغربية ليس له أي إثبات تاريخي بل بالعكس، فإذا نظرنا إلى العالم الإسلامي- المسيحي كوحدة واحدة ومن ضمن سياق تاريخي، فإنّ ما يجمعه أكثر ممّا يفرّقه ، ماضي الغرب ومستقبله لا يمكن فهمهما بشكل كامل دون تقدير العلاقة التوأميّة التي ربطته بالإسلام طوال أربعة عشر قرناً، والملاحظة نفسها تنطبق على العالم الإسلامي. ويضيف بوليت أنّ الحضارة الإسلامية- المسيحية هي مفهوم نحتاجه بشدّة إذا كنا سنحوّل يوم 11 أيلول 2001 المشؤوم، إلى لحظة تاريخيّة للاستيعاب والتكامل الإجتماعي والديني.

صحافي وباحث سياسي لبناني
بواسطة : ADONAI
 0  0  58
التعليقات ( 0 )