• ×

قائمة

دور المسيحيين المشرقيين في الإستقلال

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اليوم الثالث تتميّز هذه الفترة بالتغييرات السريعة التي كانت تتحضّر في ظلّ الإنتداب خلال الفترة الممتدّة ما بين الحربين العالميتين: تغيّرات سياسية، وعسكرية، وإجتماعية، وإقتصادية. ويمكن تقسيم هذه الفترة إلى قسمين: فترة التغييرات الأوّلية 1945 – 1955، وفترة التغييرات السريعة والمكثّفة 1955 – 1975. هنا القسم الثاني من دراسة الدكتور بطرس لبكي عن التاريخ الحديث للمسيحيين المشرقيين



فترة التغييرات الأوليّة : 1945- 1955

في هذه الفترة بدأ النظام السياسي، والإجتماعي، والإقتصادي يتعرّض لأولى الخضّات.



الحرب الإسرائيلية العربية الأولى

إنّ هذه الحرب التي أسفرت عن قيام دولة اسرائيل وهجرة غالبية الفلسطينيين من أرضهم، قد هزّت شرعية الأنظمة البرلمانية التي يقودها الوجهاء (خصوصاً في سوريا ومصر)، وقد عزّزت الحركات القومية العربية وسوريا الكبرى. بيد أنّ موقف الإتّحاد السوفيتي في هذه الحرب أضعف الحركات الشيوعية في المنطقة.



الإنقلابات وبداية التغييرات الإجتماعية وظهور الولايات المتحدة والإتّحاد السوفييتي كقوى إقليمية

إنّ اهتزاز الأنظمة السياسية الذي تحدّثنا عنه سابقاً وتصاعد نفوذ الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي، سرعان ما تُرجِمَ تدريجياً في سلسلة من الإنقلابات داخل سوريا ومصر. ونتَجَ عن هذه الإنقلابات إضعافٌ تدريجيٌّ للمجموعة الحاكمة القديمة وظهور نخب جديدة في الطبقات الوسطى من سكان المدن والريف. وكذلك تُرجِمَت هذه التحوّلات بتغيّرات على المستوى الإجتماعي والإقتصادي. في هذا الحين، كان العرب المسيحيون الملتزمون في الحركات السياسية والإجتماعية يتفاعلون أكثر ممّا يبادرون وكانوا متواجدين على جانبيّ الصراع. إنّ الظاهرة الجديدة الوحيدة حيث لعب المفكّرون المسيحيون دوراً هامّاً كانت تطوّر حركة القوميين العرب والتي كان أبويها الروحيين المفكّر السوري "قسطنطين زريق" والزعيم السياسي الطبيب الفلسطيني "جورج حبش".







إلتزام المسيحيين وفترة التغييرات السريعة والمكثّفة : 1955-1975

تميّزت هذه الفترة بصعود وتراجع الناصرية، وبالصراعات السياسية الداخلية والخارجية التي رافقتها في الشرق العربي، والتغيّرات الإقتصادية والإجتماعية السريعة التي كانت قد بدأت تظهر في وقت سابق. وقد إنطبعت الأوضاع الإقليمية آنذاك بمجموعة من الصراعات والتغيّرات التي سنهتمّ برسم ملامحها الأساسية لاحقاً.



تحقيق الإستقلالات السياسية في المشرق العربي

خلال هذه الفترة تحرّرت مصر، وليبيا، والعراق من الوجود العسكري الغربي. ووضع الأردن حدّاً لعلاقاته التفضيلية مع بريطانيا العظمى. كما أنّ البريطانيون غادروا عَدَن ودول الخليج، وحصل السودان على استقلاله السياسي.



النضال من أجل الإستقلال الإقتصادي

بدأت هذه الصراعات مع تأميم قناة السويس في عام 1956 ومع نشوء الإسثمارات الأوروبية في مصر. سلكت سوريا الطريق ذاته في عام 1960.

في النصف الثاني من الستينيات، وصلت هذه الموجة إلى العراق على صعيد قطاع النفط خصوصاً، ومن ثم امتدّت إلى ليبيا ودول الخليج في بداية السبعينيات. في عام 1975، أمسك بلدان المشرق العربي بزمام الأمور فيما يتعلق بمحاورٍ مهّمة من حياتهم الإقتصادية.



"الإشتراكية العربية"

إنّ أنظمة الحكم الجديدة التي أُنشِئَت في مصر، وسوريا، والعراق، وليبيا، واليمن، وضعت قيد التطبيق نظاماً إقتصادياً لعب فيه القطاع العام دوراً مهيمناً، كما أنها أجرت إصلاحات للأراضي قضت على القاعدة الإقتصادية والإجتماعية للوجهاء التقليديين. وسمح النظام الذي تديره الدولة بترسيخ قوّة النخب الحاكمة الجديدة عن طريق إيلائهم التحكّم بالحياة الإقتصادية.



النكسات الأولى

بدأ هذا التوجّه العام نحو الإستقلال السياسي والإقتصادي وتعزيز سلطة النخب الجديدة بالإنعكاس جزئياً. كان انفصال الوحدة السورية-المصرية في عام 1961 أولى علامات هذه النكسة. كما أنّ الصعوبات اعترضت هذا التوجّه مع اندلاع حرب اليمن في عام 1962. وشكّلت الهزيمة العربية في عام 1967 نكسةً خطيرةً في هذه المسيرة نحو الإستقلال، ممّا أسفر إبتداءً من العام 1970 عن تراجعٍ نسبيّ للوجود الإقتصادي الغربي، وبداية التوجّه نحو توسيع القطاع الخاص في مصر وسوريا.



الحركة الفلسطينية وتقلّباتها

هذه الحركة التي ولدت في الخفاء في نهاية الخمسنيات لم تتطور إلّا بعد النكسة العربية في عام 1967، وكانت ردّة فعلٍ لما اعتبره الفلسطينيون هزيمة "معالجة القومية العربية" للقضية الفلسطينية. تمركزت المنظمات المسلحة التابعة للحركة الفلسطينية بمساعدة عدد من الدول العربية في الأردن ولبنان، حيث بدأت تدريجياً بمحاولة الإستيلاء على السلطة في بعض المناطق. لم تتأخّر ردّة فعل السلطة والمجتمع المدنيّ في شرق الأردن بالظهور، فتم القضاء على الوجود العسكري الفلسطيني هناك في عام 1970 – 1971. نتيجةً لذلك، أسرعت المنظمات المسلّحة الفلسطينية بالتمركز في لبنان ممّا سببّ ردّة فعلٍ للدولة اللبنانية والشعب اللبناني في العديد من القطاعات المتنامية. وإنّ ردّة الفعل الشعبية المولودة في الأوساط المسيحية ما لبثت أن امتدّت تدريجياً إلى الطوائف الأُخرى وخصوصاً الطائفة الشيعية.

أدّى هذا الوضع إلى الحروب والدمار التدريجي في لبنان وطبعاً إلى إضعاف الحركات الفلسطينية لاحقاً.

الجدير بالذكر، وجود الكثير من المفكّرين المسيحيين على رأس مختلف الحركات الفلسطينية: "جورج حبش" و"نايف حواتمة" هما من أهمّ الأسماء على رأس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. ويمكن إضافة أسماء "كمال ناصر"، و"ناجي علّوش"، و"منير شفيق عسل"، و"أوجين مخلوف"، و"بشارة خضر" وغيرهم من حركة فتح وحركات أخرى. كما نذكر إسم "حنّا بطحيش" من الصاعقة، "إميل توما"، و"إميل حبيب" و"توفيق طوبي" من الحركة الشيوعية الفلسطينية، والقياديين المستقلّين مثل "حنا ناصر"، و"أنطوان عطالله" و"الياس فريجي"، إضافةً إلى قياديين آخرين من الضفة الغربية.



الوضع اللبناني

شهد لبنان في هذه الفترة إزدهاراً إقتصادياً غير مسبوق في تاريخه المعاصر، إضافةً إلى تحديثٍ للمجتمع. وقد تميّزت هذه الحالة بتغييرات رافقتها تعديلات سريعة على الصعيديين الديموغرافي والثقافي.



الإزدهار الإقتصادي وعصرنة المجتمع 1955-1958

أدّت الأوضاع الإقتصادية في تلك الفترة (أي مع بداية إستخراج النفط في دول الخليج وهجرة الرأسمالات وأصحاب الإختصاصات من فلسطين، ثمّ من مصر وسوريا الى لبنان)، والنظام الإقتصادي الليبرالي الموجود في لبنان، إلى تعزيز النموّ الإقتصادي الذي يركّز بشكلٍ أساسي على القطاع الثالث وتصدير السلع والخدمات إلى دول المشرق العربي.

بدأ المجتمع اللبناني يَشهَدُ أيضاً نموّاً مدينيّاً متسارعاً، وتوسّعاً في النظام التعليمي وتحديثاً في أجهزة الدولة.

إنقطع هذا النمو أثناء ثورة 1958 ويعود ذلك لسببين: أوّلاً التطوّرات السياسية الإقليمية ( ظهور الناصرية، وأزمة السويس، والوحدة السورية المصرية)، وثانياً الوضع السياسي في لبنان (الصراعات بين الرئيس الوسطيّ التوجّه كميل شمعون الذي كان يميل إلى الغرب ويسعى إلى تحديث الدولة، وبين والمعارضة المؤلفة من أكثرية من الوجهاء الناصريين التقليديين الذين شعروا بالتهديد بوجه التعزيز التي شهدته سلطات الدولة).



تجربة الإصلاح من الأعلى وتعزيز الدولية العصرية: الشهابية

أسفرت الثورة والثورة المضادة عام 1958، والأوضاع الإقليميّة عامّةً (التقرّب الناصريّ-الأميركي والمساندة الديغولية) عن إنشاء سلطة تتشارك فيها جميع القوى السياسية، ممّا سرع عملية إصلاح وتحديث الدولة، فنشأت الشهابية (على إسم رئيس الجمهوريّة الإصلاحيّ فؤاد شهاب). إتّخذت السلطة شعارين أساسيّين في المرحلة ما بين 1958 و1964 ألا وهما "الوحدة الوطنيّة" و"العدالة الإجتماعية"، وقد عبّر هذين الشعارين عن اهتمام السلطة بإدماج جميع الطوائف، والمناطق، والطبقات الإجتماعية في عملية تحديث الدولة والمجتمع، وتنمية الإقتصاد.





الجوانب الإقتصادية والإجتماعية للشهابية

تُرجِمَ اهتمام السلطة المنهجيّ بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية منذ البداية بالدور الذي أُعطِيَ لبعثة المركز العالمي للأبحاث والتدريب والتعليم والتنمية، بإدارة الأب الدومينيكي لويس جوزف لوبريه الذي وضع جدولاً للإحتياجات والإمكانيات من أجل تطوير لبنان وصياغة خطط عمل وسياسات في هذا المجال.

أظهرت أعمال البعثة لأوّل مرّة وبشكل منهجي التشوّهات الإقتصادية والإجتماعية للنظام اللبناني، كما أنها أثّرت بشكل ملحوظ على الرأي العام وخصوصاً على المفكرين اللبنانيين.

طبعت أزمة بنك انترا (أول مجموعة مالية لبنانية ذات تشعّبات دولية) المرحلة الثانية من الستينيات التي كانت امتداداً معدّلاً للشهابية.

تسببّت هذه الأزمة المرتبطة بأولى الصعوبات المالية الدولية وبإدارة مصرفية غير حذرة، بتسارعِ عملية التراجع الإقتصادي في لبنان، كما انعكست تداعيات حرب 1967 والأزمات السياسية والإقتصادية التي تلتها حتى عام 1970، على الوضع اللبناني العام.



الحركات السياسية والإجتماعية 1958-1967

ظهرت في هذه الفترة حركات سياسية عدّة، غالبيتها طائفية. فتطوّرت في الأوساط السّنية مجموعة من الحركات ذات الوحي الناصري، كما بدأ الإمام موسى الصدر تدريجياً بإنشاء وتنظيم حركة لتوحيد وتحديث المجتمع الشيعي.

أمّا في الأوساط المسيحية، وفي النصف الثاني من الستينيات تحديداً، ظهرت ردّات فعل ضدّ الناحية الإستبدادية للشاهبية والناصرية، مما أدّى إلى ولادة التحالف الثلاثي بين الأحزاب الطائفية المسيحية الثلاث الأساسية. كما تشكّلت لنفس الهدف تحالفات بين كبار القياديين التقليديين من الطوائف المارونية، والشيعية، والسنّية. وفي الجهة الأخرى من الساحة الإجتماعية والسياسية، تطوّرت الحركات اليسارية الماركسية والقومية العربية بين الأوساط الطلابية، وبين المفكرين، وفي بعض الفئات الشعبية.
بواسطة : ADONAI
 0  0  44
التعليقات ( 0 )