• ×

قائمة

"صادقة هي الكلمة" (1)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 لقد أعطانا الله كلمته حتّى لا يستعبدنا أحد بكلمته. فالكلمة تفعل في الإنسان فعل السّحر، وقد تأسره وتسيطر عليه. وقد يذوب فيها ويخدمها دون أن يعي أنّها أفقدته حرّيّة الاختيار وتكوين الرّأي والقناعات الشّخصيّة. كلمة، قد تجرح أو تبلسم، تفرح القلب أو تؤلمه، تشجّع أو تحبط، تقتل أو تحيي. وفي شتّى الحالات تتأرجح الكلمة بين الحقيقة والضّلال، فإمّا ترتقي بالإنسان وإمّا تنحدر به إلى ما دون مستوى إنسانيّته. إنّ الشّعوب عبر التّاريخ قادتها كلمة إلى الحروب والثّورات، كما قادتها إلى السّلام. فكيف نميّز؟ وكيف نصيب الاختيار؟ وكيف نتبيّن خير الكلمة من شرّها؟

لعلّ شجرة معرفة الخير والشّر في سفر التّكوين (9:2) ترمز إلى كلمة العالم الّتي أوصى الرّبّ الإنسان ألّا يأكل منها وإلّا موتاً يموت (تكوين 17،16:2). والوصيّة تبلّغنا عدم قدرة الإنسان على التّمييز بين الخير والشّر، على عكس ما يظنّ كثيرون خطأً، أنّ الله منع الإنسان من معرفة الخير والشّرّ. فالمنع هنا غير منطقيّ إذا ارتبط بالمعرفة لكنّه جليّ إذا فهمنا أنّه يعسر على الإنسان التّمييز المطلق بين الخير والشّرّ. فالأمر نسبيّ وما هو خير لواحد قد يكون شرّاً لآخر، وما هو خير لي قد يكون شرّاً لغيري والعكس صحيح. وما بُني من خير على أساس خبرات حياتيّة قد يكون شرّاً نسبة لخبرات أخرى. ويعبّر القدّيس بولس بقوّة عن هذا النّقص الإنسانيّ حينما يقول في الرّسالة إلى روما: "الخير الّذي أريده لا أعمله، والشّر الّذي لا أريده إيّاه أعمل." (روما 19:7). وإن دلّت هذه الآية على صراع الذّات الإنسانيّة، فهي تدلّ أيضاً على القدرة الضّئيلة في معرفة الخير والشّرّ.

يكفي أن نتأمّل من حولنا كيف تجذب الكلمة النّاس وتسيطر على عقولهم. فأيّ شيء يُقال ينال التّرحيب ويُردّد بجهل مقيت دون تبيان ما بين السّطور ودون تحكيم العقل والبحث والتّدقيق. ويكفي أن نلاحظ انجرار الإنسان بشكل عام وراء كلمة الزّعماء والسّياسيّين، وكيف أنّها تستعبدهم حتّى أنّهم ينصّبون من ينتمون إليه إلهاً منزّهاً. فينقادون بعبوديّةٍ تامّة وينسحقون ويذلّلون أنفسهم في سبيل ما لا يعرفونه. ناهيك عن الكلمة الّتي تقتل في الإنسان تواضعه فيحسب نفسه الأفضل ويستهزئ ويستهتر وينتقد ليبيّن أنّه الأكمل. إنّها العبوديّة المدمّرة الّتي تنزع عن الإنسان قيمته لتحوّله إلى عبد يظنّ نفسه حرّاً.

"صادقة هي الكلمة ومستحقّة كلّ قبول: إنّ المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلّص الخطأة الّذين أوّلهم أنا." (1 ثيموتاوس 15:1). صادقة هي الكلمة لأنّها كلمة الحياة. تنقل الإنسان من الظّلمة إلى النّور ومن الموت إلى الحياة. والكلمة صادقة لأنّها لم تستعبد الإنسان. فالمسيح الكلمة الّذي صار جسداً وأتى إلى الإنسان ليخلّصه لم يستعبده بل حرّره من إنسانه العتيق وخلقه من جديد. ما لم ولن تتمكّن أيّة كلمة، أو نظريّة علميّة، أو أيديولوجية أن تفعله. ولو أنّه أراد أن يستعبده ما أتى ولا اتّخذ صورته.

"الكلمة صار جسداً وحلّ بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من الآب، مملوءاً نعمة وحقّاً." (يوحنّا 14:1). أُعطينا الكلمة يسوع المسيح لنحفظها ونقولها ونلتصق بها وليكون هو وحده محور حياتنا لنكون أحراراً ولكي لا تحملنا لغة العالم إلى العبوديّة.
 0  0  124
التعليقات ( 0 )