• ×

قائمة

"صادقة هي الكلمة" (2)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 "الكلمة قريبة منك جدّاً، في فمك وفي قلبك لتعمل بها." (تثنية 14:30)/ (روما 8:10)

إنّ الصّدق ليس صفة للكلمة، وإنّما هو جوهرها. الكلمة هي الصّدق لأنّها تخرج من الله. وإن نسبنا إليها هذه الصّفة أي الصّدق، فكأنّنا نقيّمها من خارج. بَيْدَ أنّ الكلمة الإلهيّة هي منبع الصّدق ومصدره. ولئن كان الصّدق جوهر الكلمة فهذا يعني أنّ الكلمة الّتي خرجت من عند الله هي الحقيقة. ولعلّها تأخذ معنى الصّداقة الإلهيّة في سفر تثنية الاشتراع (6،5،4:30): "إن يكن قد بدّدك إلى أقصاء السّماوات، فمن هناك يجمعك الرّب إلهك، ومن هناك يأخذك، ويأتي بك الرّب إلهك إلى الأرض الّتي امتلكها آباؤك فتمتلكها، ويحسن إليك ويكثرك أكثر من آبائك. ويختن الرّب إلهك قلبك وقلب نسلك، لكي تحبّ الرّب إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك لتحيا." والختان يتّخذ هنا معنى الحضور الإلهيّ في قلب الإنسان لكي يحبّ الإنسان الله بكلّ كيانه. إذ لا يمكن للإنسان أن يحبّ الله من تلقاء نفسه أو بمعنى أصح، حتّى وإن أحبّ الإنسان الله فسيكون حبّه ملتبساً لأنّ مشاعره تجاهه تبقى ناقصة لأنّها لا تتساوى والحبّ الإلهيّ. لذلك بادر الله أوّلاً فختن قلب الإنسان ليحبّه كما ينبغي أن يكون الحبّ لله. ولو أنّ الله لم يكن صديق الإنسان لما حضر فيه. وستدلّنا الآيات (10،9،8) من ذات الفصل على دائريّة العلاقة بين الله والإنسان. "وأمّا أنت فتعود تسمع لصوت الرّب، وتعمل بجميع وصاياه الّتي أنا أوصيك بها اليوم، فيزيدك الرّب إلهك خيراً في كلّ عمل يدك، في ثمرة بطنك وثمرة بهائمك وثمرة أرضك. لأنّ الرّب يرجع ليفرح لك بالخير كما فرح لآبائك، إذا سمعت لصوت الرّب إلهك لتحفظ وصاياه وفرائضه المكتوبة في سفر الشّريعة هذا. إذا رجعت إلى الرّبّ إلهك بكلّ قلبك وبكلّ نفسك." والمقصود بالعلاقة الدّائريّة علاقة الصّداقة المتبادلة بين الله والإنسان. الله يبادر بدفق الحبّ، يتفاعل الإنسان معه فينسكب عليه الحبّ الإلهيّ بذات الدّفق لأنّ الله يفرح لخير صديقه الإنسان. وهنا تكمن حقيقة الكلمة من حيث الحضور القويّ والقريب. فلو كان الرّبّ بعيداً عن الإنسان بالمعنى العلائقيّ فكيف يمكن للحبّ أن يتغلغل في قلب الإنسان؟ وكيف للإنسان أن يحبّ الله إن لم يكن حضوراً حقيقيّاً؟ لذلك "ليست هي في السّماء حتّى تقول: من يصعد لأجلنا إلى السّماء ويأخذها لنا ويسمعنا إيّاها لنعمل بها؟ ولا هي في عبر البحر حتّى تقول: من يعبر لأجلنا البحر ويأخذها لنا ويسمعنا إيّاها لنعمل بها؟ بل الكلمة قريبة منك جدّاً، في فمك وفي قلبك لتعمل بها." (تثنية 14،13،12:30) الكلمة الحاضرة في الإنسان تشعل فيه الحبّ الإلهيّ فيسمع صوته ويعاين حضوره ويفهم ماهيّة هذا الحبّ ويستنير. تلك هي الحقيقة وهي أنّ الكلمة الإلهيّة ومنذ البدء كانت متماهية مع الإنسان حتّى ولم يكن الإنسان مدركاً لهذه الحقيقة.
يتبلور المعنى أكثر مع القدّيس بولس في رسالته إلى روما، فيتجلّى جليّاً في إعادة قراءة لسفر التّثنية على ضوء يسوع المسيح ليبلّغنا الحقيقة: "لأنّ غاية النّاموس هي: المسيح الّذي به يتبرّر من يؤمن" (روما 4:10). ولو قرأنا الآيات الأولى لهذه الرّسالة سنتبيّن أنّ معرفة الحقيقة تحتّم اللّقاء بالكلمة/ المسيح. فالكلمة هي ما يربطنا بالله. أمام عالم إلهيّ وآخر إنسانيّ أين تكمن الصّلة، وما الّذي يربط العالم الإنسانيّ بالعالم الإلهيّ ما لم تكن الكلمة شخصاً إلهيّاً إنسانيّاً. "الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الّذي هو في حضن الآب هو خبر." (يوحنا 18:1). وإذا كان الله لم يره أحد قط، فكيف يُستطاع اللّقاء به وإدراك دفق الحبّ ما لم يخبّر عنه بنفسه. "والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من الآب، مملوءاً نعمة وحقّاً." (يوحنّا 14:1).


صادقة هي الكلمة لأنّها شخص وليست وهماً أو حرفاً أو موروثاً محمّلاً بالخرافات كما يقول البعض. وصادقة هي الكلمة لأنّها متّحدة بالإنسان غير بعيدة عنه. ملتصقة بقلبه وروحه وفكره وفمه. أيّ أنّها كلمة الإيمان، كلمة الحبّ. فمن اختبر الاتّحاد بالمسيح صار والحبّ واحداً. يستنير به ويتبرّر وينطق به.
 0  0  173
التعليقات ( 0 )