• ×

قائمة

"صادقة هي الكلمة" (3)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 "كلّ الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتّعليم والتّوبيخ، للتّقويم والتّأديب في البرّ" (2 تيم 16:3)


يتوغّل القدّيس بولس في رسالته إلى تلميذه ثيموتاوس في المعنى العميق والكونيّ الشّامل للكتاب المقدّس. وإذ يقول إنّ كلّ الكتاب موحىً به من الله، فهو لا يعطي رأياً وإنّما قوله يشابه قول القدّيس بطرس حينما قال للرّبّ: "أنت بالحقيقة المسيح ابن الله الحيّ" (متى 16:16). بمعنى آخر أنّ من كشف لبولس أنّ كلّ الكتاب موحىً به من الله هو الله ذاته، ولم يكشف له ذلك لحم ودم. فعبارة (كلّ الكتاب موحى به من الله) لا تعني فقط أنّ مضمون الكتاب إلهيّ، بل يتّسع المعنى ليُفهم منه أنّ الكتاب المقدّس، "الكتاب"، يجمع في مضمونه كلّ الكتب وعمق أفكارها، سواء أكانت تربويّة أو اجتماعيّة أو نفسيّة أو تاريخيّة أو إنسانيّة بشكل عامّ. ولسنا بصدد القول إنّ الكتاب المقدّس كتاب علميّ وإنّما المقصود أنّ الله هو سيّد التّاريخ وسيّد الكون والكلّ تحت نظره. وكلّ حقيقة تصبّ حتماً فيه. ومن قرأ الكتاب المقدّس بحسب الفكر الّذي في المسيح يسوع يكتشف أنّ كلّ ما قرأه من كتب، وكلّ ما حفظه من نظريّات وأيديولوجيّات تخدم الإنسانيّة حاضرة بشكل أو بآخر في الكتاب المقدّس، لكنّه يتلمّسها بالرّوح وليس بالمعادلات العلميّة. وذاك يحتاج إلى اختبار شخصيّ عميق يتبيّن من خلاله للمؤمن أنّه ومن خلال قراءته المستمرّة للكتاب يرافق الكلمة الشّخص، يسوع المسيح، ويتصادق معها ويرتقي إلى مستوى الفكر الإلهيّ. يقول القدّيس باسيليوس الكبير: "من يقرأ الكتاب المقدّس فإنّما هو يتحدّث مع المسيح شخصيّاً". لذلك نفهم بوضوح قول القدّيس بولس "كلّ الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتّعليم والتّوبيخ، للتّقويم والتّأديب في البرّ". فالكتاب نافع للتّعليم الإنسانيّ الشّامل، لأنّ الكلمة تتغلغل في قلبه وروحه فتتدرّج معرفته حتّى يبلغ الاستنارة. وهو نافع للتّوبيخ لأنّه أشبه بمرآة يقف الإنسان أمامها ليدقّق في تفاصيله السّلوكيّة والقيميّة والفكريّة والنّفسيّة والرّوحيّة. إنّه مرآة الإنسانيّة الّتي تقوّم ضمير الإيمان الإنسانيّ. لذلك قال بولس (التّقويم والتّأديب في البرّ). وقراءة الكتاب تتخطّى المعنى الظّاهريّ للحرف لتسبر أغوار الفكر الإلهيّ ومقاصده. فإن لم نرتقِ ونرتفع إلى مستوى الفكر الإلهيّ فمن العسير أن نفهم عمق الكلمة. وسنبقى عند الشّاطئ نعاين الجمال السّطحيّ مهملين جمال الأعماق.

الكتاب المقدّس قاموس الحياة الإنسانيّة الشّاملة. ولا يقتصر على مجموعة شرائع ينتهجها الإنسان ليستقيم سلوكه في العالم. وإنّما الكتاب المقدّس كلمة حياة للقابعين في الموت، وكلمة نورانيّة للسّاكنين في الظّلمة، ودليل الإنسان الّذي يرافقه إلى بعده الآخر وجماله الّذي على صورة الله ومثاله. إنّه الرّفيق إلى السّماء "لكي يكون إنسان الله كاملاً، متأهًباً لكلّ عمل صالح." (2 ثيم 17،16:3)
 0  0  74
التعليقات ( 0 )