• ×

قائمة

المصالحة الوطنية السورية والدور المسيحي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ميرنا داوود اليوم نسمع الكثير عن المصالحة الوطنية وبأنها حاجة ملحة لدرء الصدع داخل النسيج السوري واعادة اللحمة الوطنية، لكن عن أي مصالحة نتحدث؟ بالطبع هذه المصالحات تلجأ إلى تسويات وسطية تحقق من خلالها بعض أهدافها وتعترف للطرف الأخر ببعض أهدافه، مقابل خروجها من دائرة العنف العبثي وتقليص المخاطر الوجودية على بيئتها.

ويُشترط في تحقيق هذا الأمر توجه جميع الأطراف بنية صادقة وغير مخادعة نحو المصالحة على إعتبار أنا مشروع وطني حيوي، ومن أهم شروطه الاعتراف بتعددية المصالح المجتمعية وتعددية تمثيلياتها الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية.



أبعاد المصالحة السورية وأهميتها

مما لا شك فيه أن الشعور بعدم الأمن قد تطور بين المسيحيين في سوريا في ظل الحرب وتداعياتها، إذ كان مستقبلهم في المنطقة بأكملها تحت التهديد. أضف الى ذلك أن إضعاف الحركات العلمانية، والتخلي عن التجارب الديمقراطية، وفشل محاولات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وزيادة الحركات التكفيرية المتطرفة، هي عوامل أخافت المسيحيين في سوريا كما مجمل المواطنين.

فهل تعيد المصالحة الاجتماعية المنشودة بناء النسيج الوطني، وأيّ دور للمسيحيين في المرحلة المقبلة؟ ينظر إلى المصالحة على أنها تسعى إلى إلغاء عوائق الماضي وتصحيح ما ترتب عنها من آلام ومآسي وأخطاء وانتهاكات وجرائم جسيمة والنظر بتفاؤل إلى المستقبل، من خلال التأسيس في الحاضر لبنيان متين غير مزيف أو كاذب حول الديموقراطية والمشاركة المتساوية.

إن المصالحة كمشروع مجتمعي يصب في مصلحة جميع مكونات المجتمع السوري وليس فقط المسيحيين، وهي تعني إنجاز توافق وطني بين مختلف مكونات الإطار الحضاري للمجتمع حول خطة شمولية ومتكاملة، محددة، ودقيقة، تسترشد بالمبادئ الأساسية المستخلصة من تجارب فض النزاعات بالطرق السلمية وتخضع لمعايير وشروط يتم التوافق عليها لمصلحة جميع المكونات في المجتمع .



شروط نجاح المصالحة

بطبيعة الحال لن يتمكن هكذا مشروع نبيل من النجاح إلا إذا توفّرت له شروط معينة، واعني بها وجود حكماء، عقلاء، أكفاء، عادلين، مقبولين من قبل معظم أطراف المجتمع والتوافق على بنود ومعايير مهمة للتأسيس لمرحلة مقبلة، تأخذ بعين الإعتبار جميع مكونات المجتمع والابتعاد عن تسمية حقوق الاقليات والاستعاضة عنها بالمواطنة الصحيحة وقبول الأطراف المتنازعة الجلوس إلى بعضهم من الند للند وإظهار القابلية الحقيقية للإصغاء الجاد للآخر.

ليست تجربة المصالحات الوطنية بالجديدة، فجميع البلدان التي مرّت بظروف منازعات داخلية كما في أميركا الجنوبية وآسيا وأفريقيا، شهدت تجارب وأنماط من المصالحات الوطنية إستطاعت من خلالها تلك المجتمعات التأسيس لمرحلة جديدة وطي صفحة الماضي بكل آلامه، واذكر هنا محاكمات نورمبرغ الشهيرة بعد الحرب العالمية الثانية حيث اتخذت هذه المصالحات تسمية "العدالة الإنتقالية".

بالطبع فإن العدالة مفهوم فضفاض ومعقد في أوقات الحرب ومراجعة الحسابات عندما تضع الحرب أوزارها تصبح أصعب فيصمت السلاح ويبدأ الألم. لذلك لا بدّ لنخبة ما أن تتصدى لمسؤولية زرع بذورها للغد كي تنتعش الحياة، العدالة الانتقالية لا تصح من دون الإمساك بالماضي وتشريحه تحت الأضواء الكاشفة كي يُصار إلى فهمه والتعامل معه، بل والقطيعة معه بما يسمح لعجلة الحياة أن تسير، فعلينا الا نهرب من واقعنا.

أشدد دوماً على النخبة وأبحث في زوايا عقلي عن هذه النخبة وأين يمكن أن تكون، وخصوصاً بين المسيحيين في بلدي. فالنخب الحالية معظمها جرفتها الحرب إلى خارج البلاد كما جرفت الجميغ. ولقد ساهم البعض للأسف الشديد من هذه النخب وانا لا أعمم، ربما عن جهل، في صياغة وعي جمعي مشوش ومغلوط عن واقعهم وواقع البلد، وكلما كانت تشتد الحرب كان الشرخ يزداد عمقًا وتشعبا. وانكفأ الناس، بعد انقسامهم، على مصادر بعض المحطات الاخبارية وإعلامها فقط، منها يستقون الخبر ومن الصور والمشاهد التي يقدمها يرسمون صورة الواقع، ومن خلال المحللين الذين تسوقهم الفضائيات والمواقع فيكوّنون الرأي والموقف حيال ما يحدث، بينما الصدور تزداد غلاًّ والعودة الى القبيلة أو العشيرة أو الطائفة أو المذهب تزداد إلحاحًا، ومع كل هذا يتصاعد الإيمان باحتكار الحقيقة وامتلاك الوطن والوطنية، بينما الحقيقة في مكان آخر والعالم مجتمعًا يشترك في صياغة مصير سوريا المنكوبة.

أتمنى أن يلعب المسيحيين اليوم دوراً فعالاً وبنّاءً في سوريا المستقبل وان يكون لهم دور ريادي كما كان لهم في مراحل سابقة.

أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة

اليوم الثالث
بواسطة : ADONAI
 0  0  32
التعليقات ( 0 )