• ×

قائمة

البطريرك صبّاح يكتب عن رسالة بطاركة الشرق: مخاوف مسيحيي الشرق وآمالهم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ابونا أصدر مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك رسالة راعوية رقم 11، موجهة إلى رعاياهم وإلىى جميع الناس. عنوانها: مسيحو الشرق اليوم، مخاوف وآمال. الرسالة قصيرة، تقع في 30 صفحة وفي ثلاثة فصول. تتحدث في الفصل الأول عن الوضع الداخلي للمسيحيين، وفي الفصل الثاني عن مجتمعاتنا العربية بصورة عامة، وفي الثالث عن علاقات الشرق الأوسط بالسياسة الغربية ودورها الهدام في الشرق الأوسط.

بدأوا فقالوا: "إنّنا نرى الكثير من بلداننا تتعرَّض للدمار والموت، بسبب سياسات عالميّة، لها رؤيتها السّياسيّة والاقتصاديّة والإستراتيجيّة لخلق «شرق أوسط جديد. كلُّنا، مسيحيّين ومسلمين، نُقتَل ونُهَجَّر، في العراق وسوريا وفلسطين وليبيا واليمن. ولم يبق بلد عربيّ يعرف السلام أو الاستقرار." وأضافوا: "يراهن الكثيرون اليوم على زوالنا أو على تقلُّص أعدادنا بصورة كبيرة. ولكنّنا نؤمن أنه سوف يبقى في الشّرق مسيحيّون"

لرعاياهم يقولون: "نعيش في زمن موت واستشهاد. وننظر إلى صلاح الله، ونسأله تعالى القوّة لقبول نعمته. نسأله أن يرافقنا، سواء حضرت ساعة شهادة الدم، أم بقينا في بيوتنا وكنائسنا المهدَّمة، أم تشتَّتْنا في أنحاء العالم". ويضيفون: "رسالة كنائسنا ورسالة كلّ مؤمن فيها اليوم رسالة صعبة، دامية. رسالتنا هي أن نعيد الحياة إلى أهل الموت، ونعيد صلاح الله إلى من حرم نفسه من صلاح الله، ونعيد البصر إلى من أفقد نفسه البصر فأصبح عاجزًا عن رؤية محبّة الله ومحبّة أبناء الله". - بل يرون رجاء جديدا في دم الشهداء، فيقولون : "دم شهدائنا يبشِّر بحياة جديدة، بولادة جديدة للإنسان العربيّ المسيحيّ والمسلم والدرزيّ".

في الفصل الثاني، الكلمة موجهة "لمواطنينا ولحكامنا". يبدأون بكلمة شكر لجميع حكامنا ثم يصفون الواقع وينهون الوصف بقولهم: "ما زال فينا فقر وفساد وتقييد حرّيّات وطائفيّة وحروب. كلّ ذلك، يجب ألاّ يكون".

ثم يوجهون كلمة إرشاد أولا للعمل على استئصال الفقر من مجتمعاتنا. يقولون للحكام: "اسمعوا صوت الفقراء" واعملوا على إزالة الفقر. ثم يتكلمون على الحرية وكيفية التعامل مع حرية المواطنين، مهما كانت مواقفهم السياسية، ويقولون: "من واجب الحاكم أن يثبّت الحكم ويوفّر الأمن والاطمئنان للجميع. ولكن لا يجوز له، أيًّا كان نوع الحكم، أن يستبدّ، فيُذِلّ إنسانًا أو يقتله بسبب حرّيّته. ...السلطة الصالحة لا تخاف الحرّيّة ولا المعارضة بل تستند عليها وتجد فيها هاديًا إلى مصلحة الشعب". ويضيفون: "الحاكم الصالح لا يملأ السجون بمفكِّري الشعب وأحراره، أو فقط لأنّهم معارضون له". وفي وجه السياسات العالمية، يقولون لحكامنا أن تكون مواقفهم مستقلة فيقدموا مصالح شعوبهم على كل مصلحة أخرى مهما كانت الضغوطات العالمية. يقولون: "نريد حكّامًا يقفون في وجه أقوى الأقوياء في العالم، قادرين على ذلك لأنّ كلّ شعبهم معهم. فيتعاملون مع كلّ دول العالم معاملة الندّ للندّ، مهما كان تهديد الأقوياء بقوّة السلاح أو المال".

وفي الحروب الأهلية في المنطقة، يقولون: "المنطقة بحاجة إلى قيادات تبني السلام لنفسها وللبلدان المجاورة. تقف في وجه كلّ تحريض على الحرب يأتيها من الخارج، وترفض الأحلاف ضد مصلحة شعوبها أو البلدان المجاورة".

ويقترحون تأسيس الدولة المدنية التي تحقق المساواة بين جميع المواطنين: "نريد من حكّامنا أخيرًا أن يبنوا لنا الدولة المدنيّة التي تساوي بين جميع مواطنيها، لا يفرّق شيء بين مواطن ومواطن، لا الديانة ولا أيّ سبب آخر. دولة يشعر فيها كلّ مواطن أنّه في وطنه وأنّه مساوٍ لجميع مواطنيه" ويضيفون: "الدولة المدنيّة تفصل بين الدين والدولة، ولكنّها تحترم كلّ الأديان والحرّيّات. ولهذا تسعى إلى مزيد من التفهُّم للواقع الدينيّ في بلداننا، المكوَّن من الإسلام والمسيحيّة والدروز، وتسهر على عدم تحوّل الدين إلى طائفيّات دينيّة أو سياسيّة". ولذلك يتكلمون أخيرا على تربية جديدة ضرورية في مجتمعاتنا تربية مواطنين "قادرين على معانقة إخوتهم وأخواتهم جميعًا، والعالمَ كلّه".

ويوجهون كلمة إلى القيادات الدينية: "القيادات الدينيّة هي أيضًا خادمة للناس لا لنفسها. وهي المسؤولة لهَديِ المؤمنين في طُرُق الله، أي طُرُق الرحمة والمحبّة، ولتكوين إنسان جديد قويّ رحيم ومحِبّ لكلّ إنسان في كلّ الديانات". ... "قيادات دينيّة قادرة على مقاومة كلّ قوى التفرقة والموت الّتي ما زالت فاعلة في مجتمعاتنا، سواء أتت ممَّا في أنفسنا أم من قوى خارجيّة وتيّارات ذات قدرة مدمّرة".

ثم يطرحون السؤال: "من يربّي؟ من يلد الإنسان الجديد؟" ويجيبون: الدولة ورجل الدين والمدارس والجامعات. يقولون: "نربي تربية دينيّة ومدنيّة جديدة تربّي المؤمن فتقول له إنّك أوّلاً إنسان وخليقة ربّك، وكلّ إنسان آخر هو مثلك خليقة الله. كلُّنا بالخلق إخوة، وكلُّنا في الوطن سواء". ويضيفون: "يجب أن يحدث تبديل في الذهنيّات والمواقف في المجتمع كلّه. المجازر والحروب الأهليّة ووحشيّة الأخ تجاه أخيه في هذه السنوات الماضية، التي لم تنتهِ بعد، تقتضي تنقية وتبديلاً وانتقالاً من الموت إلى الحياة".

ويطرحون سؤالا آخر: "أيَّ نوع من المؤمنين نريد؟" ويجيبون: "نريد مؤمنين ومواطنين، محبِّين وأقوياء، لا يستقوون على أحد بأحد، ولا يسمحون أن يستضعفهم أحد، قوّتهم في مقدرتهم على المحبّة، وعلى إيقاف كلّ اعتداء عليهم أو على غيرهم".

الفصل الثالث من الرسالة موجه إلى صانعي السياسة في الغرب. يبدأون فيميزون في الغرب بين الشعوب "الطيبة" وبين صانعي السياسة "القتلة". يقولون: "في الغرب شعوب صديقة وطيّبة، وحضارات عريقة، وإنجازات إنسانيّة عالميّة كثيرة، ومنظَّمات خير وتطوير لا تُعَدّ ولا تُحصى. وكذلك في الغرب كنائس صديقة" ثم يضيفون: "ولكن في الغرب نفسه (في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية) أهل سياسة، وصانعو القرار السياسيّ للشّرق الأوسط ولكلّ بلداننا. والموجِّه لهذه السياسة الغربيّة هي مصالحهم الاقتصاديّة والإستراتيجيّة في المنطقة، على حساب مصالح بلادنا. ... حصل في بلداننا دمار بسبب التدخُّلات الأجنبيّة. لقد تمّت التضحية بالإنسان وبشعوب المنطقة في سبيل مصالح أجنبيّة. ومرَّت معظم بلداننا بمرحلة دمار أحدثتها قوى داخليّة، تسندها أو خطَّطت لها قوى خارجيّة". ويضيفون: "سياسة الدمار الغربيّة هذه في الشّرق هي نفسها التي تسبَّبت بقتل وتهجير الملايين من بلداننا، بمن فيهم المسيحيّون" ويضيفون: "وبهذه السياسة نفسها ظهر الإرهاب واستقرّ في بلداننا وارتدّ على الغرب نفسه الذي ولَّده".
وفي هذا الدمار، يقولون "إن القاتل الحقيقيّ هم أصحاب القرار في الغرب وحلفاؤهم في المنطقة الذين يريدون خلق شرق أوسط جديد، بحسب رؤاهم ومصالحهم".

ويختمون بنداء إلى إسرائل من أجل السلام في المنطقة؟ يقولون: "لا يمكن أن يكون بقاؤكم على حساب بقاء الشعب الفلسطينيّ. ونؤكّد أنّ صداقة الشعب الفلسطينيّ هي باب الخلاص الوحيد لإسرائيل، وشرط ضروري لسلام حقيقيّ في المنطقة كلّها. وصداقة الشعب الفلسطينيّ ليست بالأمر الصعب. إنّها تعني التعامل معه على أساس العدل والمساواة والقرارات الدوليّة، والأخذ بالثوابت الفلسطينيّة"، وعلى أن تكون القدس "مدينة مقدّسة للديانات الثلاث وعاصمة للشعبَين".

وينهون بتحديد هوية المسيحين اليوم: فيقولون: "المسيحيّون في الشّرق هم مكوِّن أصيل وجزء لا يتجزّأ من الشّرق مع كلّ مكوّنات الشّرق. لسنا شعوبًا أو بقايا شعوب يُفَرَّق بيننا في بلداننا. نحن اليوم كما صاغنا التاريخ، مدّة 15 قرنًا، منذ القرن الثامن وحتّى اليوم. هُوّيّتنا اليوم هي هُوّيّة بلداننا. نحن عرب وحضارات متعدِّدة عريقة، أشوريّة وكلدانيّة وسريانيّة وقبطيّة وأرمنيّة وبيزنطيّة. عشنا وما زلنا نعيش في أوطان عربيّة. ومع المسلمين والدروز نحن وطن واحد ومجتمع واحد". ويضيفون: "القضيّة المسيحيّة، أو مستقبل المسيحيّين، ليست فقط قضيّة مسيحيّة، بل هي قضيّة المنطقة كلِّها بما فيها من مسيحيِّين ومسلمين ودروز".

وكلمة قوة أخيرة للمسيحيين: "أمام الموت كيف نتصرّف؟ شهداؤنا بذلوا حياتهم لمجد الله، ولمزيد من المحبّة والإنسانيّة في هذه الأرض التي تحوَّلت إلى أرض قتلة. بذلوا دماءهم ليعود القتلة، القريبون أو البعيدون والمقنَّعون، بقوّة دم الشهداء إلى إنسانيّتهم، كما خلقهم الله، قادرين على الحبّ، لا على القتل".

وللجميع يقولون: "ولأنفسنا، مسيحيّين ومسلمين ودروزًا، نكرِّر ونؤكّد أنّ مشيئة الله علينا هي أن نعيش معًا وأن نبقى جادِّين في البحث عن أفضل الطُرُق للعيش معًا، عالمين أنَّنا ما زلنا نبحث، وما زلنا على الطريق، والطريق أمامنا طويل".

وينهون بكلمة في الشرق الأوسط الجديد يقولون: "نحن بحاجة إلى شرق أوسط جديد لا يصنعه غيرنا، بل نصنعه نحن أهله، ولا يكون بتبديل حدوده وجغرافيّته وشعوبه، بل بتبديل القلوب. الشّرق بكلّ أهله هو الذي يصنع الشّرق، ولا يمليه عليهم الغرب. شرق يصنعه أبناؤه أسيادًا في بلدانهم، مسلمين ومسيحيّين ودروزًا. كلّ إنسان مساوٍ لكلّ إنسان، ولا أحد يفرض سيطرته على أحد، لا من حيث الدّين ولا من حيث السياسة ولا من حيث القوّة العسكريّة. والمسيحيّون في هذا المشروع، مسهمون في الخلق الجديد، خلق عالم يفيض بالخير والتعقّل والمحبّة والتعاون في ما بين جميع أبنائه، ومع العالم كلّه".
بواسطة : ADONAI
 0  0  26
التعليقات ( 0 )