• ×

قائمة

لماذا تدفن سوريا حلم العلمانية وتحيي التشدد الديني؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ميرنا داوود اليوم الثالث العلمانية تعني فصل سلطة المؤسسات الدينية عن المؤسسات المدنية، وسورية اليوم تحاول الوصول للعلمانية لتطبيق مبدأ المواطنة، فكيف يسمح في هذه الحال إعطاء مزيد من الصلاحيات لمؤسسة دينية، على ما يفصج النقاش الكبير الدائر اليوم في البلاد ؟ وما الهدف من جعلها تتدخل بالمؤسسات التربوية والتعليمية والإجتماعية كافة بدلاً من فصلها تماماً عن الدولة وعن المجتمع ومؤسساته؟! وهل يمكن ان نستمر في هذا "الإنفصام العلماني" ونحن نحارب للوصول الى مجتمع مدني وهو الغاية المنشودة لمرحلة ما بعد الحرب المفترض أنها مرحلة الوعي والمزيد من الحريات والديموقراطية؟!



مخاطر توسيع السلطة الدينية في المجال العام السوري

ما يحدث اليوم سوف يعطل، إن لم نقل يهدم ويدمر، سعينا إلى الديمقراطية وتعزيز ثقافة المواطنة. فهذه قضايا متداخلة ويتوقف احدها على الآخر وكلها تتعارض مع سلطة الدين ولا تتم إلا في مناخٍ منفتح. والانفتاح والديمقراطية لا تستويان وسط سيطرة الدين على الدولة وعلى مؤسسات المجتمع.. ان حرية الاعتقاد واعتناق الدين والمذهب التي يشاؤها الفرد شيء، وزج المجتمع ومؤسساته في متاهات إيديولوجية شيء آخر، بل ان هذا الاتجاه يزيد الطين بلة ويؤجج العداوات التي كنا نسعى للقضاء عليها بعد الحرب.

ومن الطبيعي، كنتيجة للحروب والإضطرابات والأزمات، أن يحدث شكل من التقوقع والارتداد الى الانتماءات الدينية، حيث تسقط حينها كل دعوات الانفتاح وقبول الاخر والتعدد والشراكة، ويزداد التعصب والتطرف من الأطراف جميعها. لكن كما ذكرت فإن هذا الواقع مؤقت ولا بد بعده من صحوة عارمة لتحقيق استقلال المؤسسات الاجتماعية وفصلها عن سلطة الدين لأن التعددية هي النواة في المجتمع المدني.



إعادة التأسيس السوري

إن المجتمع المدني هو المجتمع الذي يحترم التنوع والإختلاف، ولن ننجو من حروبنا وانقساماتنا ان لم نناضل سوياً في سبيل تعليم مختلط حيث تكون المواده التعليمية علمية لا إيديولوجية، وصولاً الى جامعات محايدة تكون المرتبة العلمية فيها جديرة بالإحترام ولا تُمنَح الا لكلّ مستحق، بالاضافة الى التعددية الحزبية التي تؤسس للحالة الصحية. نحن جميعنا اليوم أصحاب مصلحة في عملية البناء، وأول المتضررين من استمرار الهدم الذي طال البنى التحتية والنفسية.



مخاطر المشروع الجديد للأوقاف

ومن هذا المنطلق، فإن المشروع الجديد لوزارة الأوقاف كارثة الكوارث في حال سمحت الحكومة السورية بتفعيله على الارض. فسورية التي تدعو اليوم للتطوير والتحديث ومكافحة الإرهاب كيف يُمكنها أن تكرّس وزارة الأوقاف كمؤسسة مستقلة عن الحكومة، وهذا يعني بطبيعة الحال مضاعفة صلاحيات وزيرها فيغدو أكبر من وزارته وهذا لا يستقيم في دولة مثل سورية لها خصوصيتها من حيث التعددية.

هذا القانون من شأنه أن يعطي الضوء الأخضر لوزارة الأوقاف للتحكم بالمؤسسات المالية والتربوية عدا عن التحكم بالإنتاج الفني والثقافي وتأميم النشاط الديني، ويُشرعن عمل الجماعات الدينية، خلافاً لما ينص عليه الدستور السوري

هذا القانون الجديد إن نُفذ على أرض الواقع يعني مُضاعفة المدارس والمعاهد والجامعات الشرعية على غرار النظام المعمول به في المملكة السعودية وهذه سابقة خطيرة في سورية لأنه يعني الإنقلاب على الدولة العلمانية وضرب التعددية والعيش المشترك وسوف يكون له نتائج كارثية.



دفن العلمانية في سوريا

ما هو إذاً شكل الدولة القادمة في سورية؟

ينص مشروع القانون على تحجيم دور مفتي البلاد لصالح وزير الأوقاف الذي يقترح تغيير المفتي كل ثلاث سنوات، بعدما كان المفتي يُعين من طرف الرئيس السوري كما يتضمن المشروع تشكيل مجلس ضمن الوزارة بإسم مجلس الأوقاف الأعلى على أن تتولى وزارة الأوقاف مُمارسة الشؤون المتعلقة بالتوجيه والإرشاد الديني الإسلامي والأوقاف.

والمثير للدهشة انه تم تعيين عدد من خريجي كلية الشريعة مُؤخراً ضمن كادر وزارة الإعلام للقيام بأعمال رقابية وهذا يحدث للمرة الأولى في تاريخ سورية. فيما تقول المعلومات المُتداولة أن وزارة الأوقاف، بحسب المشروع الجديد ستمتلك سلطات ونفوذاً على وزارتي التربية والتعليم العالي أيضاً وهذه مصيبة المصائب في بلد المفروض انه يحترم التعددية وثقافة العيش المُشترك حيث لا اقليات ولا اكثرية بل مجتمع قائم على موزاييك ذات طبيعة خاصة.

وتتمحور المخاوف من انتشار الاسلام السياسي وعودته من الباب الواسع بعد ان تم القضاء على المنظمات المتشددة عسكرياً، وكأن اسفين الموت يدق في نعش العلمانية ويقضي عليها في المهد لأن هذا القانون يناقض العلمانية، باعتبار ان "الفقه الإسلامي" هو المصدر الرئيس للتشريع، وهذا من شانه ان يتحكم في قانون الأحوال الشخصية ويقضي على اي قانون مدني في المهد.



مخاوف المستقبل

لقد كان الأمل كبيراً وما زال في سورية العلمانية وطناً للجميع لأنها ليست حكراً على طائفة او دين او مذهب. هكذا يشهد التاريخ، كما تشهد الاثمان الباهظة التي دُفعت في هذه الحرب القذرة فكان الحلم بالعلمانية التي وحدها تستطيع بلسمة الجراح. فما الذي حصل ويحصل، ولماذا في هكذا وقت حرج يُمرر هكذا قرار ولصالح من؟

نحن لم نكن يوماً دولة دينية، كما اننا لسنا دولة علمانية مدنية بالمعنى الدقيق ولكننا نتمسك ونطبّق بعضاً من العلمانيّة ولو على نطاق ضيّق بخلاف بقية دول المنطقة.

أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"
بواسطة : ADONAI
 0  0  117
التعليقات ( 0 )