• ×

قائمة

المادة الثانية من الدستور المصري وأزمة الهوية الوطنية للأقباط

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اليوم الثالث يدّعي الكثيرون أن المادة الثانية من الدستور المصري، التي تقر الإسلام ديناً للدولة ومبادئ شريعته المصدر الرئيسي للتشريع، لا تشكل أي ضرر على قيم الوطنية والمواطنة داخل الدولة المصرية تجاه الأقباط، حيث أن هؤلاء يزعمون مدنية الدولة الخاضعة لحكم الدين الإسلامي، ولا أعرف كيف وصلوا إلى هذا الاستنتاج المرتبك علميًا وسياسيًا، وغير المتسق مع المنطق، بل وغير المتسق مع الواقع والتاريخ الذي كتبه المؤرخون المسلمون أنفسهم. فأي إنسان يرجع إلى التاريخ الإسلامي يوقن تمام الإيقان بأزمة الخلط بين الشريعة الإسلامية باعتبارها شريعة إلهية لا تقبل التشكيك والمراجعة لدى المؤمنين بها من جانب، وبين الدولة التي تحتاج إلى النقد، والتطوير، والتغيير على مر العصور من جانب آخر.



دين لله وليس للدولة

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نصف أي دين بـ "الدين والدولة" فإما أن يكون ديناً لله أو يكون دولة للبشر، لأن طبيعة الدين الذي يتكون من وصايا إلهية بحسب ما يعتقد المؤمنون به تختلف عن طبيعة الدولة ذات السلطات الأرضية محدودة الزمن ومحدودة القدرات، ومحدودة الرؤية، المحتاجة للتطور العلمي والتكنولوجي بشكل دائم، المحتاجة للنقد البناء بلا توقف، غير العالمة بكافة ما يحويه فكر الله وقدرته، لذلك فالدين لا يمكن وضعه محل القواعد القانونية الحاكمة للبشر، ليس لنقص في الدين إنما لنقص في البشر، فهؤلاء البشر يختلفون في الدين الواحد في مجالات كثيرة وفي أدق النقاط وأقرب التفاصيل، إذن فكيف سيجتمعون على مبادئ وقواعد دينية واحدة مقدسة يضعونها قانوناً شاملاً حاكماً لهم؟



على سبيل المثال، إذا دققنا النظر في مسألة حجاب المرأة في المجتمع المصري، نجد من يعتبر الحجاب الملون غير شرعي مقابل من يعتبره رداءً شرعياً، ونجد من يعتبر الحجاب الشرعي الصحيح هو النقاب مقابل من يعتبره رداء بدوياً صحراوياً غير شرعي، كما نجد من يرى أن الحجاب لا بد أن يغطي كامل الشعر مقابل من يكتفي بإخفاءه جزءاً من الشعر، بينما نجد من يرى أن الحجاب من الأصل ليس من القواعد الرئيسية في تدين المرأة المسلمة مقابل من يعتبر ذلك خروجاً بائناً عن الدين. وهكذا تتعدد الآراء والرؤى الدينية بين المسلمين في كافة المجالات الحياتية من أصغرها إلى أكبرها، إذن فمن نأخذ منه قواعد الدين الإسلامي الحاكمة للدولة؟ ومن نعتبر فتواه الفتوى الإسلامية المقدسة التي لا شائبة فيها؟



تداعيات إدخال الدين في الدولة

إقحام الدين في إدارة الدولة حتماً يدعو إلى التناحر، والتنابذ، والشجار، والعداء لأن كل متدين يرى في اعتقاداته الدينية مقدسات لابد أن تطبق لكي يشعر أن دولته تسير في الطريق الصحيح، واعتقاداته حتما ستكون مختلفة مع غيره من الأديان الأخرى ومختلفة مع غيره من المتدينين من نفس دينه أيضًا. والدليل على ذلك تشعب مذاهب كثيرة في الدين الإسلامي الواحد، وتشعب المذهب الديني الواحد إلى مذاهب فقهية مختلفة في الرؤية، وعلى سبيل المثال المذاهب الفقهية الأربعة في المذهب الإسلامي السني، وهي المالكية والشافعية والحنبلية والحنفية، هذه المذاهب تختلف في مجالات كثيرة في الشرع الإسلامي فكيف يؤخذ منها قانون موحد لا يختلف عليه المسلمون؟ وكيف تصاغ منها قوانين لا يختلف عليها غير المسلمين أيضاً؟!



عودة الديني إلى الخاص

الحل الحقيقي الجذري لهذه المسألة الخلافية هو وضع كل مجال في موضعه الصحيح فيوضع الدين في المجال الديني فقط، ولا يخرج عن إطار المعابد والعلاقة بين الإنسان ومعبوده. وهنا يحتفظ القانون بحقه في حكم مواطنين متعددين الأديان، والعقائد، والمذاهب، والقناعات، ووجهات النظر من خلال قواعد قانونية تقدس العدالة العمياء لا العدالة المزيفة التي تعطي أولوية لدين عن الآخر أو تمنح رفعة لمذهب عن الآخر.



علاج التمييز القانوني بالمسكنات الكلامية أو الظاهرية لن يجدي شيئاً، كما أن علاج التمييز القانوني من خلال نفي وجوده على غير الواقع لن يجدي شيئا أيضاً، فطالما أقحمت منهجاً دينياً في القانون لابد أن تجني تمييزاً أكيداً بين المواطنين على حسب الانتماء إلى هذا المنهج الديني، وهذا يؤدي بدوره إلى ضياع الهوية الوطنية في سبيل استعلائية الهوية الدينية ومن ثم تنهار العدالة، وتذوب القيم الإنسانية، وتتبخر النظرة الصائبة لبناء وطن متقدم خالي من الطائفية والانقسامات.

فهل من أحد يستوعب ويغير الواقع الأليم؟

كاتب صحفي مصري
بواسطة : ADONAI
 0  0  89
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 00:14 الجمعة 26 أبريل 2019.