بدر شاكر السيّاب.. سبق.. أم عملقة

بدر شاكر السيّاب.. سبق.. أم عملقة

مشاركةبواسطة أميرة نصري » 01 يناير 2009 15:16

بدر شاكر السيّاب.. سبق.. أم عملقة

ففضياء الجنابي: قبل الحديث عن بدر شاكر السياب كشاعر رائد ومجدد وعبقرية إبداعية في حركة الشعر العربي الحديث، يتوجب علينا أن نسلط حزمة من الضوء على مفهوم الحداثة، وهل إن هذا المفهوم في الإبداع يعد تحريراً من الداخل للذات المبدعة أم مجرد كسر للطوق الخارجي لها؟ ومن زاوية أخرى، هل هو مفهوم مطلق، أي بتعبير آخر خارج حدود الزمان و المكان؟ ومن ثم ما هو المطلب الأساسي منه فكريا وجماليا؟ وبعد ذلك كيف تعامل الشاعر العربي مع الحداثة؟ وهل تعامل معها من خلال إيمان حقيقي مطلق وعميق بها؟ وهل إن هذا الإيمان هو في ذاته استيعاب واعي وحي للجديد؟ أم أنه كان لا يعدو عن كونه فورة من الحماس المؤقت يمكن أن تزول بزوال المسببات؟
وأبعد من هذا هل استطاع الشاعر العربي المحدث أن يحكم التعامل مع طرفي معادلة جدلية جناحاها العصر والتراث؟ أو بعبارة أخرى التجديد والأصالة. ومن ثم هل أن التجديد يمثل استجابة حقيقية للواقع تنبع من حاجة ماسة وملحة لابد للمجتمع من تحقيقها؟ فيما يقف سؤال في الطرف الثاني من المعادلة هو هل أن الأصالة تعني التشبث المطلق بكل ما هو قديم؟ أو في أفضل صوره استخلاص الجيد من القديم و إجراء بعض الإضافات والتحويرات عليه؟ أم أن الأمر يتحتم إجراء حالة موازنة دقيقة بين دعامتي الإبداع؟ وأعني بذلك التجديد والأصالة ومراعاة عدم طغيان أحدهما على الأخرى.
وقبل التشعب في الإجابة على كل هذه التساؤلات المتعددة التي قد ترتطم مع بعضها في الذهن والتي ليس من اليسير استبدالها بإجابات سهلة وسريعة، لأنها بحاجة إلى بحوث مستفيضة قد لايتسع المجال لسبر أغوارها وربما ستكون مفاتيح لمدارات بحث لاحقة، تتراءى لنا ضرورة التساءل عن السياب كشاعر رائد، هل كان قد حقق قصب السبق (زمنياً) في ريادته لحركة الشعر العربي الحديث أو ما يصطلح عليه بالشعر الحر (شعر التفعيلة)؟ أم أنه شكّل ثورة حقيقية جريئة وتمرد شجاع على ركام كبير وكم هائل من الموروث؟
ولا نخطأ إذا ما قلنا إن هذا الموروث يحمل في طياته ما هو غث إلى جانب ما هو سمين، سيما أنه ظل لقرون طويلة يرزح تحت طائلة قيود ومحددات وكوابح لم تتح له المجال في الانطلاق في مدارات التحديث و التجديد سوى بعض التمظهرات ذات الأشكال النظامية كالموشحات و البند وبعض قوالب النظم المعروفة الأخرى.
ولابد من الإشارة إلى أن مسألة السبق الزمني في الريادة لم تحسم بشكل قاطع بين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة. وقد أدلى الكثيرون بدلوهم في هذا المجال وكل يستعين بأدلته. كما أن هذه المسألة تتعدى هذا المقطع الزمني المحدد بعام 1947م موضع الخلاف بين بدر ونازك إلى الثلاثينات من القرن الماضي بل تتعداه إلى العشرينات منه، فلايمكن إغماض العين بحال من الأحوال عن تجارب أحمد باكثير وعزيز أباضة وأبي شادي وجماعة أبولو في مصر وكذلك تجارب شعراء آخرين في العراق والبلدان العربية الأخرى. ومن المفيد أن نستشهد بنص من قصيدة نشرتها جريدة العراق الصادرة في بغداد مطلع القرن الماضي تحديدا عام 1921م تحت عنوان الشعر الطليق مع الإشارة إلى أن شاعر هذه القصيدة لم يجرؤ على إعلان اسمه الصريح لأسباب تتعلق بتقديراته آنذاك فوقعها باسم مستعار (ب.ن) وهذا مقطع منها..
"إتركوه لجناحيه حفيف مطرب
لغرامي
وهو دائي ودوائي
وهو إكسير شفائي
وله قلب يجافي الصب غنجا لا لكي
يملأ الاحساس آلاما وكي
فاتركوه
إن عيشي لشبابي معطب
وحياتي بعد موتي"
من جانب آخر إذا استدللنا على موضوع الأسبقية في كتابة الشعر الحر من خلال كتابات الشاعرة الرائدة المغفور لها نازك الملائكة نفسها نجد أنها وقعت في تناقض واضح عندما أصرت على تقدمها وأسبقيتها في هذا المضمار على كل زملائها الرواد وبالذات السياب عندما ذكرت في كتابها (قضايا الشعر المعاصر) بأنها أول من قال قصيدة الشعر الحر الأدب العربي، وهي قصيدة "الكوليرا" المنشورة في مجلة العروبة اللبنانية عام 1947 م التي تراصفت بها مع الوضع المأساوي الذي ألقى بظلاله بعد استفحال وباء الكوليرا في مصر الشقيقة في نفس العام والتي تقول في أحد مقاطعها..
"طلع الفجر
اصغ إلى خطى الماشين
في صمت الفجر
اصغ، انظر ركب الباكين
عشرة أموات، عشرونا
لاتحص، اصغ للباكينا
اسمع صوت الطفل المسكين
موتى، موتى، ضاع العدد
موتى، موتى، لم يبق غد
في كل مكان جسد يندبه محزون"
وقد ذكرت الملائكة في نفس المصدر أن الشاعر الثاني الذي تلاها في كتابة الشعر الحر ـ حسب رأيهاـ هو بدر شاكر السياب في ديوانه "أزاهير ذابلة" الذي نشر في كانون الثاني من السنة نفسها والمتضمن لقصيدة "هل كان حبا" والتي مطلعها..
هل تسمين الذي ألقى هياما؟
أم جنونا بالأماني؟ أم غراما؟
مايكون الحب؟ نوحا وابتساما؟
أم خفوق الأضلع الحرى، إذا حان التلاقي
بين عينينا، فأطرقت، فرارا باشتياقي
عن سماء ليس تسقيني، إذا ما؟
جئتها مستسقيا، إلا أواما
و التناقض الذي أعنيه حصل عندها عندما اعترفت في مكان آخر (أن القصائد التي نظمت قبل سنة 1947م كانت كلها أرهاصات تتنبأ بقرب ظهور حركة الشعر الحر)
وعززت ذلك بوضع اشتراطات محددة لريادة الحركة لم تتوفر بمن سبقها على حد قولها، وهذا ينفي بشكل ضمني إصرارها على البعد الزمني للريادة، كما أنها نست أو ربما تناست شاعرتنا الرائدة المغفور لها نازك الملائكة رغم احترامي البالغ لمكانتها في عالم الشعر والثقافة واعتزازي الكبير بآثارها، إن الأمر يتعدى حدود الأسبقية في التوقيت الزمني إلى رحبة أوسع تتمثل في غنى التجربة الذاتية للشاعر ومن ثم إغناء حركة الشعر من خلال معطيات هذه التجربة. ولا شك أن الشاعر الكبير بدر شاكر السياب يعد من الأوائل والسباقين والعمالقة المبرزين الذين أغنوا القصيدة الحديثة إن لم يكن المتقدم عليهم، بصرف النظر عن كونه الأول أو الثاني في التسلسل الزمني في مجال ابتداع الشكل الجديد للقصيدة العربية. لأن مسألة التراتب الزمني قد تعود إلى سبب معين يخص ظروف الشاعر الحياتية أو أسباب أخرى خارج نطاق لحظة إبداع القصيدة نفسها. فقد يكون هناك خلل معين أو قصد ما في دور النشر على سبيل المثال يتسبب في التقديم والتأخير بنشر عمل إبداعي مهم.
لذا فالريادة عند السياب من وجهة نظري تأخذ محتواها من التجربة العملاقة لعبقريته وليس إلى موعد نشر أول قصيدة شعر حر له، الأمر الذي قد تدخل أو تتدخل أو قد تتداخل به عوامل ومؤثرات ليست ذات صلة بالمرة بالشاعر و إبداعه ومستوى خلاّقيته إذا جاز التعبير.
بعد هذا العرض البسيط، يحق لنا أن نتسائل أين يكمن السر في عبقرية وعملقة السياب؟ وسأوفر لنفسي فرصة الإستفادة من آراء الكاتب والناقد الكبير المغفور له جبرا ابراهيم جبرا للإجابة على هذا السؤال، يقول جبرا في مقاله "من شباك وفيقة إلى المعبد الغريق" ضمن كتاب السياب في ذكراه السادسة الذي نشر عام 1971. مانصه "ذلك السر الذي يغرينا و سيغري الأجيال القادمة بالبحث والتقول والتأويل في اتجاهات كثيرة. إنه السر الذي يلازم الكتابات العظيمة فيجعلها في توهج دائم، وهو السر الذي يجمع بين أناس غدو بعد موتهم أشبه بالأساطير".
إن غنى تجربة السياب الشعرية ربما يكون مستمدا من غنى تجربته الحياتية الحافلة بالألم والمعاناة والمأساة والتجارب. لقد كان في سيرة حياة السياب من الدراما الشيء الكثير ـ كما يذكر جبرا إبراهيم جبرا ـ "دراسته، صباه في جيكور، فقره، سياسياته، غرامياته، اعتقاله، خيباته، فدائياته، عذابه الأيوي الأخير كلها دراما متصاعدة يحتل هو فيها بؤرة ملتهبة".
ويذهب جبرا إبراهيم جبرا أبعد من ذلك مستطردا في تحليله لعبقرية السياب مشيرا إلى أن قصائده قد تؤخذ كلها معا كمأساة درامية متكاملة تسترسل وتنمو وتتصاعد نحو ذروة من ذرى التجربة الإنسانية الرامزة إلى الحياة البشرية. في ظرف مكثف من التاريخ هو ربع قرن من زمان مفعم بالأحداث الكبرى و التفجرات الهائلة.
إن الحداثة عند بدر شاكر السياب لم تكن مجرد نظرة إلى القصيدة الحديثة على إنها بديل شكلي للقصيدة العمودية، دون أن توفر هذه القصيدة الجديدة حداثة في الرؤيا الشعرية تفضي في مسعاها إلى تأسيس فهم حديث للشعر نفسه.
هذه الحداثة تعدت في تجربته تعديل الشكل العروضي للقصيدة إلى السعي الحثيث لتوفير حرية داخلية في الرؤيا الشعرية تنعكس بشكل انسيابي هادئ ورصين في آن معا على الفعل الإبداعي ذاته متخطية الشكل إلى مستوى المضمون والموقف الشعري.
إن النقلة التي أحدثتها تجربة السياب الشعرية في القصيدة العربية تمثلت في العديد من التغيرات و التجديدات التي تقف على قدر بالغ الأهمية من النضج والرسوخ تتجاوز فكرة تحقيق نسبة معينة من الحرية العروضية للشاعر العربي إلى رحبة أوسع تتيح له مرونة عملية، ديناميكية الحركة قد ترفع عن كاهله بعض القيود في الحرفة والعمل وتزجه في الحمى المطهرة والتحريضية التي تحث الشعر لكي يلحق بالعصر ويحلق في مدارات سامية و يكون مؤهلا للتعبير عن مقتضيات العصر وقضاياه بنبرة جديدة تشكل ثورة و تمرد جريء داخل الحياة الجديدة، وفي مضمار اللغة الشعرية، وعلى ثوابت عديدة كذلك يمكن اعتبار إحداها ثوابت الموروث العروضي.
من هنا أخذ هذا العملاق على عاتقه جنبا إلى جنب مع زملائه الرواد بل متصدرا إياهم تدشين شوط جديد من أشواط النهضة الأدبية في محاولة لخلق مفاهيم شعرية معاصرة تتجاوز المعاني الراكدة والصور المتكررة و الأسفار المطروقة، تستجيب للعصر بنفس القدر الذي ترسخ فيه ملامح أدب عربي حديث متميز ورفيع المستوى.
نقلا عن "المرايا الثقافية"
ايلاف
صورة
صورة العضو الشخصية
أميرة نصري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
مشاركات: 9817
اشترك في: 21 يوليو 2006 02:02

العودة إلى مواضيع فنية وأخبار الفنانين

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron