جدتي مرشحة الختيارية إلى البرلمان

المناقشة والحوار في المواضيع العامة

جدتي مرشحة الختيارية إلى البرلمان

مشاركةبواسطة مرام » 10 إبريل 2012 00:25

بأمان الله وتحت أشعة الشمس الدافئة التي اشتقت إليها بعد أيام من الهواء الشرقي البارد والقارس جلست عند الظهيرة على البلكون أستمتع بكأس المتة مداعبا جهازي الخليوي الجديد متنقلا بين نغمة وأخرى متشوقا إلى أركيلة يمنعني عنها يمين جدتي بأنها إذا ما رأتني ( أتضربها ) فسوف تقوم بشنقي ( بالخرطوم ) غير ما آسفة .. هكذا بأمان الله جلست بهذا الجو الشاعري الجميل وإذا بجدتي وكأنها في حيص بيص تتقدم باتجاهي تارة ثم ما تلبث أن تعود أدراجها لم يكن الأمر صعبا علي لأستنتج أن في فمها جوزين كلام وعلى الفور قمت بضبضبة جهاز الخليوي حتى لا ينتهي مصيره مكسورا على جمجمتي وتصنعت ابتسامة دبلوماسية وهممت بدعوتها لمشاركتي المتة لكنها ما أن رأتني التفت صوبها حتى بادرتني الكلام قائلة : " اسمع .. أريد أن أبوح لك بشيء يغلي في بالي ولكني أحذرك بأنك إذا ما ضحكت مما سأقوله فسينتهي المطاف بك مرميا من على البلكون مع كل خرابيطك" .


أحسست بالماء الدافئ ينزل إلى صدري كأنه قطع من صخور الصوان لكنني لم أجرؤ على القحة أو النحنحة فلا بد أن الأمر من الخطورة بمكان لدرجة أن جدتي قد تضحي بي بهذه الطريقة إذا لم آخذ الأمر على محمل الجد ، ثم أخذت جدتي مكانها على كرسي بقربي وسألتني : "سمعتكم البارحة تتحدثون عن انتخابات برلمانية بعد عدة أشهر أليس كذلك "؟ وبالطبع أكدت لها ذلك وعندما سألتها عن السبب أجابتني بسرعة البرق وكأنها تريد امتصاص ردة فعلي : "لقد قررت ترشيح نفسي بالانتخابات " .
كان هذا الخبر أشبه بتسونامي وقد وقع على رأسي مترافقا مع ضربة استباقية على رقبتي لذلك حصنت رقبتي بكلتا يداي تلافيا لأي زلزال قادم وصرخت : " شو تفضلت ست أنديرا " ؟


وللأمانة العلمية لم أتلق أي صفعة جديدة ولا حتى لكمة أو وكزة وإنما عدّلت جدتي من جلستها وقالت بهدوء وتروي : " بدي أترشح ع البرلمان وأريدك أن تساعدني "
سألتها ممازحا : " وهل توظفيني مرافقا عندك " ؟


أجابت بلغة دبلوماسية : " الأمر ليس عرض عضلات لكن الأمر برمته إنساني بحت ولا نية عندي لأي منفعة أو مظاهر كاذبة " .
علقت على كلامها قائلا : جميعهم يقولون ذلك والقلة القليلة التي تصدق "
أجابت : " لا أريد أن أشكك بأحد ، أنا عندي غرض معين أريد تحقيقه وليس عندي طمعة بسيارة ولا بإذونات سفر ولا بأي شيء " .
سألتها : يعني عندك مشروع محدد ؟.


انفرجت أساريرها لهذا التعبير الذي دخل مشطها وهزت برأسها مسرورة لهذا التناغم معها ولهذا التعبير الذي راق لها كثيرا : " نعم عندي هادا اللي أسمو مشروع محدد " .
وعندما سألتها عن مشروعها استنفرت جميع ملكاتها وأجابت : " أنت تعرف يا تيتا أنه وبكل الانتخابات يبدأ المرشحون بعرض صورهم على الحيطان وقد دلغموها بالماكياج وبالابتسامات فهذا مرشح الشباب وهذا مرشح الطبقة العاملة وآخر مرشح الفلاحين وفلان مرشح الفنانين وتلك الغندورة مرشحة الصبايا وذلك مرشح عن لقمة الشعب وآخرون غيرهم كثيرون يتفننون بعرض مواهبهم الخطابية ، يعني باختصار ألا نستحق نحن ( الختيارية ) من يمثلنا بالبرلمان ويسعى لستر آخرتنا ومنعنا من الشنططة والبهدلة بآخر العمر ؟ ألسنا الجيل الذي ربّى وكدح وتعب وناضل وشقي من أجل الجميع ألا يحق لنا أن نرتاح ونعيش حياة مستقرة قبل موتنا أم أننا كالآلات مجرد أن تعطل ترمى بالمستودعات أو بالمكبات " ؟.


أجبتها وقد أخذ كلامها بنفسي : " نعم والله معك حق " .


ثم تابعت وقد تشكلت بعينيها سحب من الدموع : " انظر إلى ( شكرية ) إنها مقعدة من سنين ولا أهل لها ولا ولد والناس يحسنون عليها بالطعام وإذا ما نساها أحدهم فستقضي يومها بلا أكل ولا شراب ثم أنها بحاجة إلى من يغير لها ملابسها وأنا أقوم بذلك يوميا ولكن وعلى فرض أنني لم أستطع ذلك لسبب ما فماذا سيحل بها ؟ أليس من الأجدر لها أن تكون بدار للرعاية تعنى بها وتحميها

ضعفها وإعاقتها ؟ ثم انظر إلى أبو مصطفى .. لقد مات وشبع موت قبل أن يستفقده أحد ولولا رائحة الجثة لم يعرف أحد بموته كل ذلك لأنه يعيش وحيدا فولده قد هاجر منذ زمن بعيد ولا أحد يعرف عنه شيء ، وماذا عن عبيدو فلقد ناهز السبعين وما يزال يعمل ( بالفاعل ) وقد أصبح عبارة عن جلد وعظم ومع ذلك فأنه إذا لم يعمل فإنه سيموت من الجوع ، أليس من حقه أن ينستر بأخر عمره ولقد رأيته عند بناء المدرسة في البلدة يحمل الأسمنت والحجارة على كتفه حتى خرج الدم منها دون أن يأخذ أي مقابل ولقد تخرج من تلك المدرسة بعض الذين مروا على البرلمان دون أن يذكروه ! وآخرون غيرهم كثيرون كل منهم يمر بظروف مأساوية تقطع ( نياط ) القلب " ثم تنهدت وأردفت قائلة : " يا تيتا .. الموظف يأخذ راتبا تقاعديا يكفيه بعون الله العوز والفاقة لكن ماذا عن غير الموظف والذي لا يملك من متاع الدنيا شيء يسد به رمقه أليس من واجب الدولة العناية به " ؟
أجبتها : معك حق .


ثم تابعت كلامها " من فترة صدرت مكرمة تفيد بإعطاء راتبا شهريا للمصابين بشلل دماغي
فتصور لو أن هذه المكرمة تمتد لتشمل ( الختيارية ) الذين تجاوزوا سنا معينا ولا يستفيدون من أي راتب أو معاش ؟ أعتقد انه من حقنا بعد هذا العمر أن نركن إلى الراحة وإن كنت ممن حباهم الله عائلة تحتضنها فإن الكثيرين غيري لا عائلة لهم أفنتركهم للحاجة تتقاذفهم ؟ لذلك إذا فزت بمقعد برلمانيا سأسعى لضمان الشيخوخة بكل جهد وإخلاص " .


ثم طلبت مني أن أتابع الأمر والأوراق المطلوبة ثم نهضت عن كرسيها باتجاه غرفتها وهي تتمتم : الله يرحمو لجدك ، لو كان عايش كنت حطيتو سترتيرة عندي

م ن

.
مرام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
مشاركات: 3578
اشترك في: 04 سبتمبر 2007 23:32

العودة إلى آراء , مناقشات , حوار

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار