"حياتنا المسيحية.. بين الواقع والطموح" (رابـــــــــــــي )

"حياتنا المسيحية.. بين الواقع والطموح" (رابـــــــــــــي )

مشاركةبواسطة Rabi » 01 فبراير 2010 14:07

حياتنا المسيحية.. بين الواقع والطموح
==========================
يعيش الإنسان الآن في زمن ممتلئ بالمتناقضات ويغصّ بالآراء والاتجاهات والتوجهات حتى أصبح إنساننا المعاصر يرى نفسه في متاهة تسلب منه وقته وراحته وتعطيه تعباً وضياعاً وتشتتاً, وكلّ ذلك دون أيّة فائدة ترجى.. لذلك نراه كغيره ممن يسيرون في هذه الحياة دون أيّ هدف واضح وكأنّه يحيا لأنه مجبر على الحياة وبالتالي فقد أضاع هدفه وغابت عن عينيه غاية وجوده الأسمى ومعنى حياته, نراه متخبطاً هنا وهناك يبحث دون أن يعرف أين؟ ولماذا؟ وعن ماذا؟!!!.. يركض ولكن دون أن يعرف إلى أين؟!!.. وكأنه فقط وجد نفسه في موكب السائرين فسار معهم, إلى أين؟؟.. لا يعلم!!.. يردد مع شاعر المهجر إيليا أبو ماضي:
جئت لا اعلم من أين ولكنـي أتـيــت
ولقد ابصرت قدامـي طريـقا فمشيــت
وسأبـقى ماشيـا إن شئت هذا أم أبيــت
كيف جئـت كيـف أبصرت طريـــقي
لست أدري
وانطلاقاً من هذا الواقع الذي نراه منتشرا في الكثير من المجتمعات ندرك أنّ حياتنا المسيحية أصبحت في الظل وأنها قد تغيّبت وراء دائرة الاهتمام إمّا لانشغالنا بما نعتقده أكثر أهميةً وضرورةً كمستلزمات الحياة وغيرها أو لعدم إدراكنا لأهمية الحياة ومعناها مسيحياً ولجهل الإنسان لنفسه ولقيمة وجوده, وقد يكون السبب في كلّ هذا عدم وضوح الرؤية التي من خلالها يناقش الإنسان نفسه ليبحث عن سبب حياته ووجوده ومستقبله, وعدم الوضوح هذا هو الذي قاد إلى الاختلاف في تحديد معنى وغاية الحياة عموماً وماهية الإنسان وغاية وجوده بشكلٍ أخص.
واختلاف النظرة إلى الإنسان والحياة يعود إلى اختلاف الثقافات والفلسفات.. فمنذ ظهور أولى الأفكار والمدارس الفلسفية نرى هناك اختلافاً بل وحتى اختلاطاً في هذه الرؤى, ففي حين كانت الفلسفة الأبيقورية مثلاً والتي كانت تمثّل تياراً يدعى بفلسفة اللّذة ترى في الحياة فرصةً للّهو والمتعة وانفلاتاً من الضوابط نرى الفلسفة الرواقية تسعى بطريقة ما إلى بناءٍ أخلاقي للإنسان، وعندما نتابع مسيرة هذه النظريات وغيرها نخلص وخصوصاً في العصر الحديث إلى آراء قد تكون متطرفة إلى حدّ ما وهذا ما يمكن أن نشاهده في الفلسفة الوجودية مثلاً التي لا ترى في منظارها إلى الحياة إلاّ الوجود الإنساني فتلغي وجود الماورائيات وبالتالي فهي ترفض وجود الله الذي تنادي به الأديان وتكرّر مقولتها: (من الأفضل ألاّ يوجد الله لكي أوجد أنا) وكأنّها ترى في وجود الله نفياً لوجود الإنسان وتحجيماً له وهي بالتالي تدعو لأن يكون الإنسان في مركز الدائرة وكلّ ما في هذا الكون يدور حول محوره.
وكثيرةٌ هي الآراء - إيجابيةً كانت أم سلبية - إن أردنا أن نتكلم عنها وفي كلّ الأحوال فإنّ اختلاف النظريات إنما يعود إلى الاختلاف في النظرة إلى الإنسان والحياة بشكل عام. وتبقى نظرة المسيحية إلى الإنسان هي الأسمى ليس لمجرد أنها تدعوه للخلاص فقط بل لأنها تنظر إلى هذا الكائن على أنه أكثر من كائن.. إنه نسمةُ روحٍ خرجت من فم الله, ليس هو عبدٌ لتراب الأرض بل هو ابنٌ للسماء, ليس الإنسان – مسيحياً - مجرّد مخلوق إنما هو ابن لله قد تغرّب بعيداً عن أبيه بسبب خطيئته وهو مدعوٌ لأن يعود إلى بيت أبيه الذي ينتظره بشوقٍ كبير ليحتضنه ويلبسه حلّةً جديدة ويجعل في يده خاتماً ويذبح له العجل المسمّن, , واستناداً إلى هذا المفهوم نرى الكتاب المقدّس في مجمل تعليمه وآياته يذكّر الإنسان بنفسه وببنوّته لله, ¬فالرب يسوع له المجد يكرّر دوماً ويشدّد على أنّ الله الآب هو أبٌ لنا جميعاً فنسمعه يقول مثلاً:" فكونوا كاملين كما أنّ أباكم الذي في السماوات هو كامل" (متى48:5), "فإنّه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي" (متى 14:6).. وكثيرةٌ هي الآيات والعبارات التي قالها له المجد مذكّراً لنا ومنبهاً إلى مكانتنا عند الله الآب كبنين. وإدراك الإنسان لهذه المكانة السامية التي له عند الله تجعل منه شخصاً عزيزاً في عينيّ نفسه يأنف من الخطيئة و من كلّ ما يمكن أن يشوّه علاقته بأبيه السماوي. وعلى هذا المنوال يقدّم لنا القدّيس بولس الرسول تعليمه المشبع بروح المسيح في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس فيقول:"أما تعلمون أنّكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم" (1كو 3:16), فبهذه الكلمات يلفت القدّيس بولس النظر إلى المكانة التي يمكن للإنسان المؤمن أن يحوزها كهيكل لله وكمسكن للروح القدس. وبنفس الرّوح الممتلئة من الرب يخاطب بولس الرسول أيضاً أهل أفسس قائلاً:"مبنين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية الذي فيه كلّ البناء مركباً معاً هيكلاً مقدّساً في الرب الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الرّوح" (أف 2:20-22).
ولكن يبقى السؤال الأهم: هل أدرك الإنسان حقيقة ذاته تحت المظلّة المسيحية؟!!.. فليست المسألة فقط في كيف ينظر الإيمان المسيحي للإنسان وحياته, بل الأهم الآن هو هل أدرك هذا الإنسان قدر نفسه ووعى قيمته وعرف أنّ حياته ليست مجرد نزهة؟!!.. للأسف الشديد ونتيجة الملاحظة نرى أنّ إنساننا الآن لا يحيا وفقاً لهذا المعايير وحسب هذه الرؤية إنما يتعامل مع الله كمفهومٍ جامد تبنّاه منذ صغره دون أن يعطي الفرصة لنفسه أن يدخل في علاقته مع الله إلى العمق بل لم يعطي لنفسه الفرصة ليدرك حقيقة وجود الله في حياته وتفاعله معها, وهذا هو السبب في أننا نحيا حياة ندعوها حياتنا المسيحية وفي نفس الوقت نعجب لعدم وجود ثمارها داخلنا.
في الحقيقة هذه المسألة أكبر من أن تلخّص بهذه الأسطر القليلة ولكنّها بكلّ تأكيد جديرة بأن يسلّط عليها الضوء لعلنا نستفيق من هذه الغفوة التي طال أمدها لدرجة أنها أصبحت تهدد وجودنا, وأقول "وجودنا" إيماناً بأنّ حياتنا الأرضية طالت أم قصرت ما هي إلا تحضير وتجهيز وامتحان نثبت من خلاله أهليتنا لأن نكون من أبناء الملكوت السماوي ونثبت فيها أيضا أحقيتنا بأن ندعى أبناء لله, فكلّما عشنا حياتنا بعلاقة حميمة مع الله كلّما ازداد تقديرنا لكلّ لحظة تمرّ من حياتنا, عندها ندرك أنّنا لا نحيا لمجرد الحياة إنما نحيا لنمتلئ من فيض سلام الله وغناه.. نحيا لله ومع الله وفي الله. وكلّما ازداد ضياء الوجود الإلهي في حياتنا لمعاناً نستطيع وقتها أن نردّد مع الملفان مار غريغوريوس بولس بهنام الذي أجاب على قصيدة الشاعر إيليا أبو ماضي قائلاً:
أنا في الدنيـا وأدري كيف للدنيـا أتيـت
قد رأيت الدرب قدا مي ضيـاء فمشيـت
وسأبقى ماشيا في النـ ـور هـذه ما رأيت
أنا أبصرت بعين الـ ـعقل والقلب طريقي
أنا أدري


" رابــــــــــــي "
يريدون صلب وطني..
ألا يعلمون أن بعد الصلب قيامة مجيدة

" رابــــــــي "
صورة العضو الشخصية
Rabi
رائد نشيط
رائد نشيط
 
مشاركات: 143
اشترك في: 05 نوفمبر 2009 23:14

Re: "حياتنا المسيحية.. بين الواقع والطموح" (رابـــــــــــــي )

مشاركةبواسطة تيودورا افرام » 01 فبراير 2010 14:44

والطموح هو جزء من طبيعة الإنسان بدونه يفقد الانسان الدافع للتوجه نحو تحقيق الهدف الذي خلقه الله من اجله.
فلم يخلق الله الإنسان بحالة ساكنة أو راكدة ومحدودة لكنه عندما خلقه أعطاه القدرة عل النمو والأثمار والتكاثر..كما في تكوين 1: 28

شكرا رابي موضوع قيم دمت بخير
:smile-love4: :smile-love4: :smile-love4:
محبتي ام جوني
لم اتمنى البكاء يوما ولكن هم الزمان أبكاني
تمنيت العيش كما تريد نفسي ولكن عاشت نفسي كما يريد زماني
صورة العضو الشخصية
تيودورا افرام
Team Member
Team Member
 
مشاركات: 5876
اشترك في: 09 ديسمبر 2006 13:24
مكان: بلاد الله الواسعة


العودة إلى مواضيع دينية وروحية

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار

cron