البطريرك مار اغناطيوس الياس الثالث

أعياد ومناسبات دينية

البطريرك مار اغناطيوس الياس الثالث

مشاركةبواسطة Assyriska » 14 أغسطس 2008 00:34

البطريرك مار اغناطيوس الياس الثالث
صورة

1917 – 1932




يعتبر اللاهوتيون ومعلمو الحق الملافنة ذخائر القديسين هي مصدر مواهب وشفاءات وآيات وعجائب وبفيضها الله على المؤمنين بسخاء ومجاناً.


ويقصد ولاية كيرالا في جنوب الهند العديد من المؤمنين لينالوا بشفاعة القديس الياس الثالث هذه المنح السماوية والبركات من عظام وذخائر القديسين الراقدين في تلك الأرض المباركة، التي قدسها الآباء والمبشرين والمجاهدين السريان عبر العصور، وسجلوا بحروف من الروح والنور تاريخاً مجيداً خالداً. وغدت أضرحة الراقدين هناك مزارات ومراكز روحية مقدسة.

وأصبح يوم الثالث عشر من شباط، وهو ذكرى رقاد البطريرك الياس الثالث شاكر يوماً تاريخياً في حياة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية حيث أعلن هذا البطريرك قديساً فينال الزائرون والحجاج والمؤمنون عطاءات الروح ومواهب السماء.

هو ابن الخوري إبراهيم شاكر، ولد في ماردين في 30 تشرين الاول عام 1867 ودعي في المعمودية نصري. ونشأ على تربية صالحة متهذباً في مدرسة الأربعين الابتدائية وفي مدارس منطقته وأحب صناعة الصياغة، وأصيب وهو بعد فتى بمرض جلدي مزعج لم يشفَ منه إلا بعد أدعية ونذورا من قبل والديه المؤمنين، وقد نذره أبوه إذا هو شفي أن يقدماه للرب.

وقد شفي فعلاً وكانت نفسه تتوق إلى خدمة بيت الله، التحق بدير الزعفران القريب من بلدته العريقة عام 1887 وأحب حياة الرهبنة التي التحف بمسوحها عام 1889 وفيها رسمه بطرس الرابع اتخذ اسم الياس ورُسم كاهناً عام 1892، وعيّن رئيساً لدير مار قرياقس في البشيرية، ومن ثم لمدة سنة لرئاسة دير الزعفران فقام بأعبائها متفانيا في صوالح الدير وعمرانه.
وقد أظهرت سنوات الضيقات والجوع تلك، مدى غيرته وعنايته بالمحتاجين ولا سيما الأيتام الذين تجاوز عددهم المئة والذين كانوا قد لجأوا إلى دير الزعفران خلال مذابح عام 1895 وبعدها، نزولاً عند رغبة البطريرك عبد المسيح الثاني وكان هذا الدير التاريخي الذي أصبح مقراً للكرسي الرسولي الإنطاكي لأكثر من سبعة قرون، بمثابة سفينة نوح يستقبل المنكوبين والمضطهدين والمطاردين من قبل الظالمين، فيمنحهم حياة الطمأنينة والهدوء ويوفر لهم كل وسائل العيش الكريم، لا سيما بالنسبة إلى القرى القريبة منه والتي كان يقطنها السريان المنكود حظهم والذين تعرضوا مرّات للقتل والتشريد.

وفي العام 1899 أوفدته الرئاسة زائراً رسولياً إلى مذيات وكانت في تلك الأيام تغص بالسريان وفيها الكنائس والمزارات، وكانت الكتلكة وسائر الشيَع تحاول اقتحام قلعتها فتصدى لهم هذا الأب الغيور ودافع عن حق الأرثوذكسية فيها وصالح المتخالفين والزعامات الفارغة. وتمكن بحكمته وثباته من توفيق الأحزاب وإرجاع الشعب إلى الكنيسة.
وانتقل من ثم إلى النيابة في ديار بكر حيث درس اللغة التركية فأجادها، ونال إعجاب الذين يتحدثون بها بالولادة، كونه ولد في مدينة لغة أهلها العربية، وكان يدافع عن المظلومين ويساعد ذوي الحاجة.

وفي هذه الفترة، بنى جانباً من كنيسة العذراء في ميافرقين المهدمة فصلى المؤمنون في هذا الجزء. وصرف عنايته إلى دعوى دير مار حورا في الهتاخ وتعزيزه أوقاف كنيسة قطربل بغرس بستان توت كبير.

وفي العام 1908 انتخبته أبرشية ديار بكر ليصير مطراناً عليها، وقدمت بذلك طلباً رسمياً إلى البطريرك عبد الله الذي رسم الربان الياس شاكر مطراناً وذلك في 2/3/1908 باسم مار ايوانيس، فتضاعفت همته في مصالحها وكان يفتقد أبرشية قرياقس لخلائها من أسقف، وأنشأ في بعض قراها مدرسة ومعبدين. وقد وصلت عصا اليد التي كانت في حينه وهي من خشب الأبنوس الأسود وبرأس فضية أنيقة. وقد نقش تحت الرأس بيت من الشعر لإبن العبري.

وقد سلمت هذه العصا إلى البطريركية الجليلة مع بعض المناشير القديمة، وقد طلب من الاخوة الأحبار في أحد المجامع أن يفعلوا الشيء ذاته، حتى يجتمع في البطريركية مع الأيام الأشياء القديمة العائدة إلى الكنيسة فتصير خميرة لمتحف المستقبل.

وفي عام 1911 أوفد إلى طور عبدين كقاصد رسولي وذلك لإصلاح أحوالها، فتفقد كنائسها وأسس سبع مدارس ابتدائية في قراها. وعني بإنشاء مدرسة للإناث في ديار بكر أتت بنجاح باهر. وفي آذار من عام 1912 نقلت خدماته إلى مطرانية الموصل فحل عند أهلها محلاً عزيزاً لمكان مكارمه وغيرته الروحية ومن ذلك أنهم تفانوا في خدمته أثناء سقطة أصابته كسرت فيها ساقه، فكان يحتمل الآلام صابراً حتى شفاه الله. وفي سنة 1914 حضر في ماردين المجلس المختلط لوضع النظامنة المالية..صورة
ولدى وفاة البطريرك عبد الله عام 1915 اختير كقائمقام للكنيسة في 27 شباط سنة 1916، فانتقل على الأثر إلى دير الزعفران في ماردين في 17 تشرين الأول، وكانت الحرب العالمية الأولى في أوجها، ودعا أحبار الكنيسة للانتخاب البطريركي فانتخبوه بطريركاً ورسمه الآباء في احتفال كبير باسم الياس الثالث وذلك في 12/2/1917. ووضع عليه اليد المطران اياونيس الياس وصدرت له البراءة الشاهانية ونال الوسام المجيدي الأول. وهو الحبر الخطير المحبوب الذي أشربت النفوس احترامه والتقت عليه القلوب وقد وجدت به الطائفة السريانية ضالتها لما عرف به من المناقب لا سيما التقوى والغيرة الرسولية وعلو الهمة.

وقد شارك في الانتخاب الربان أفرام اسطفان برصوم ممثلاً أبرشية القدس والأراضي المقدسة والذي رقّاه البطريرك الجديد لدرجة الأسقفية السامية ورسمه في 20 أيار 1918 لأبرشية سوريا ودعاه سويريوس.

وفي السنة التالية رافق المطران أفرام البطريرك في بعض زياراته وفي مقدمتها اسطمبول حيث نال البطريرك الجديد براءة السلطان وحيد الدين آخر سلاطين بني عثمان والنيشان المجيدي من الدرجة الأولى، وأوفد من ثم المطران برصوم إلى مؤتمر السلام في باريس عام 1919 حيث قدّم مذكرة خطية دقيقة ومدروسة تنطوي على الخسائر في الأرواح والممتلكات التي لحقت بالطائفة السريانية الأرثوذكسية. وتبين من المذكرة بأن ثلث الطائفة السريانية الأرثوذكسية أبيدوا (136000 تقريباً) إلى جانب الكنائس والأديرة القديمة التي هدمت.
وتظاهر زعماء أوروبا الكبار بأنهم يستمعون ولكنهم في السر كانوا يتقاسمون تركة المملكة العثمانية (الرجل المريض كما كانوا يسمونها) وما ناله المطران برصوم المتحمس عداوة الأتراك لا سيما الزعماء منهم مثل عصمت انونو الذي خلف اتاتورك في رئاسة جمهورية تركيا والذي هدد المطران برصوم في نهاية المؤتمر بأن يجرؤ على دخول تركيا، فلم تطأ قدم المطران برصوم ارض تركيا منذ ذلك الحين.
أما البطريرك فإنه زار بدءا من عام 1919 ديار بكر والرها وحلب وحماة ودمشق وزحلة وبيروت ونال التوصيات بالمحافظة على نصارى بيث نهرين، وعند إلغاء السلطنة وإعلان الجمهورية أرسل برقية تهنئة إلى مصطفى كمال الذي انتخب كأول رئيس للجمهورية التركية.
وسافر من ثم إلى القدس فدمشق فحلب فأنقرة وقابل أتاتورك شخصياً في محطة سكة الحديد، وعاد إلى حلب حيث رسم عام 1923 المطرانين يوحنا عباجي وسماه قليميس وذلك لأبرشية دير مار متى والراهب جبرائيل أنطو لدير مار مرقس بالقدس.

وسافر إلى ماردين ماراً بأورفا وديار بكر حيث استقبل بحفاوة منقطعة النظير بالنظر للمحبة التي كان يكنها له الناس من جميع الطوائف والنحل ووجد المؤمنون في شخصه كل التعزية.

وفي عام 1923 حضر إلى دير الزعفران المطران ديونيسيوس كوركيس الهندي حامل فكرة الانفصال عن إنطاكية ومعه الكاهنان إبراهيم وزكريا. فاستقبلهما البطريرك برقّته المعهودة وقلبه الكبير، ودعا الراهبين يوحنا كندور والياس قورو ورسمهما مطرانين الأول باسم ايونيس والثاني باسم يوليوس وأوفد هذا الأخير إلى ملبار كقاصد رسولي مع المطران الهندي وكاهنيه وهو يحمل منشوراً رسمياً ربط به الهند حتى إذا تاب وسار بموجب قوانين الكنيسة أخبر مار يوليوس قداسته ليحله وإلا فلا.

وجاء البطريرك الياس إلى حلب حيث قدّس كنيستها الجديدة التي على اسم مار أفرام والتي بناها الوجيه السيد سليم عازار في حي السليمانية وذلك يوم الأحد السابع من كانون الأول، وكان يساعده في ذلك مطران الأبرشية مار سويريوس أفرام برصوم، ورسم لهذه الكنيسة كاهناً هو الشماس الياس شيلازي.


وفي هذا الشهر قدس أيضاً كنيسة مار جرجس في زحلة – الميدان، وانحدر من ثم إلى القدس، حيث أرسى حجر الأساس لكنيسة مار أفرام في بيت لحم، وأعاد إصدار مجلة الحكمة ودعم مدرستها وعيّن لها مديراً جديداً هو الأستاذ مراد فؤاد جقي وشقيقه ميخائيل. وعيّن الربان يوحنا دولباني ليعلّم الطلاب مادة الدين واللغة السريانية.


وفي عام 1927 ذهب إلى شمال العراق حيث بنى عدة قلالي في دير مار متى الشهير، وقد تحدث بعض مَن شاهدوه أو شاركوه في عملية البناء، بأنه كان يساعد العمال بيده، وقد حاولوا يومها إزاحة صخرة كبيرة عن طريق الدير الجبلي (الطبكي) فلم يتمكنوا من ذلك بالنظر لضخامتها، فتقدم هو من الصخرة الكبيرة، وبعد أن رسم عليها إشارة الصليب المقدّس سند ظهره إلى صخرة أخرى مقابل الصخرة الكبيرة ودفعها برجله اليمنى، فتحركت ببطء من مكانها ثم انحدرت إلى الوادي بين صيحات الفرح والدعاء لقداسته بطول العمر.صورة

قدّس الميرون ست مرّات، ثلاث مرّات في دير مار مرقس في أورشليم، ومرتين في دير الزعفران، ومرّة في كنيسة الطاهرة في الموصل.

وفي التشارين من العام 1930 دعا إلى عقد مجمع في دير مار متى حضره معظم آباء الكنيسة وبعض مندوبين علمانيين من الأبرشيات السريانية وكانت هذه خطوة رائدة دلّت على بعد نظر قداسته في أن للعلمانيين أيضاً دوراً في الكنيسة. وفي هذا المجمع اتخذت عدّة قرارات مفيدة، كما أذن باستعمال الموسيقى في خلال الخدمات الدينية، وأكل السمك في الأصوام.

وخلال وجوده في العراق زاره ذات يوم المفوّض السامي الإنكليزي ونقل إليه دعوة موجهة من فايسروي الهند (نائب الملك) اللورد أيروين لزيارة الهند، ومحاول حل مشاكلها. علماً بأن الأتراك كانوا قد نزعوا عنه الجنسية التركية فزوّده الإنكليز بجواز مرور. إن هذه الدعوة في الواقع كانت شركاً هندياً، أراد به خبثاؤهم استدراج البطريرك الطيّب إلى عش الزنانير بواسطة اللورد أيروين حتى يفاوضوه في موطنهم من موقع قوة، فإما أن يوافقهم على باطلهم وعلى ما صنعه البطريرك المعزول عبد المسيح أو يزعجوه بشكل سافر ووقح.

وتبين بأن معظم الأحبار وفي مقدمهم المطران أفرام برصوم وأبناء الرعية لا سيما في الموصل التمسوا منه بحرارة بأن لا يلبي هذه الدعوة المشؤومة لا سيما وأنه يعاني من نوع من أنواع أمراض القلب، إلاّ أنّه النتيجة استعد لهذه الرحلة لسبب بسيط هو أن التضحية صفة ملازمة لبطاركتنا العظام، لا سيما أولئك الذين ذهبوا إلى الهند ورقدوا في ترابها، وكان البطريرك الياس واحدًاً من أولئك الأحبار العظام.

كان يوم 6/2/1931 يوماً حزيناً في الموصل رتّل فيه الكهنة والشمامسة تراتيل الوداع الحزينة بالسريانية وبكوا بحرقة وكأنّهم أحسوا بأنهم لن يروا راعيهم الصالح ثانية، رتلوا: خرج يونان من نينوى حزيناً، وخرج أهل نينوى في وداعه مرتلين: اذهب بسلام يا كاروز الحق، لأنّك مَن أعدتنا من الضلال إلى طريق الحياة. ووقف المودعون وعيونهم مسمّرة على السيارات المتوجهة إلى بغداد حتى غابت عن أنظارهم فعادوا إلى الموصل دامعين.

وفي بغداد زار البطريرك ملك العراق فيصل الأول فاستقبله بحفاوة كبيرة، وكذلك فعل اللورد أيروين في دلهي، ومعظم المسؤولين الكبار بمَن فيهم مهراجات كوتشين وترافنكور، والجميع منحوه الأوسمة الرفيعة كما كانت تقضي عادات تلك الأيام.

وهو الذي قصد تلك البلاد النائية والبعيدة والمعقدة طرقها ووسائل السفر إليها في تلك الأيام. وقد نصحه أطباؤه أن لا يذهب إلى الهند لأن صحته ليست على ما يرام وقد يعاني من أتعاب بسب الطقس الحار والطبيعة، ما لا قدرة له على احتمالها.

لكن قداسته فضّل سلام الكنيسة واستقرار وعودة اللحمة إلى أولادها على صحته وأي ظرف آخر.. شأن الآباء الرسوليين الذين استرخصوا كل شيء في سبيل الحفاظ على جوهرة الإيمان وعقيدة الكنيسة السمحاء ومصلحة أولادها روحياً ومعنوياً واجتماعياً.

وقد أدى الخلاف وعدم الوفاق في كنيسة الهند إلى ظروف قاسية، بدأت معا لعقد الأول من القرن العشرين، عندما ذهب البطريرك عبد المسيح الثاني المعزول من صلاحياته عام 1903، وبمكيدة شيطانية وتخطيط من القادة الانفصاليين في الهند عام 1910. إذ هيئوا رجلاً يدعى الأسقف بولس الشيخ رسمه جاثليقاً (مفرياناً) البطريرك عبد المسيح الثاني وهو المجرّد من كل الصلاحيات البطريركية والمعزول بقرار مجمعي. فاتخذ الانفصاليون هذه الرسامة ذريعة وحجة ليشرعوا لأنفسهم رسامة ورئاسة وقيادة بعيداً عن إنطاكية ورئاستها وشرعيتها.. فدب الخلاف بين المؤمنين بين مؤيد ومعارض، واتسع الشرخ بين أبناء البيت الواحد.

ذهب المثلث الرحمات البطريرك عبد الله الثاني 1910 إلى الهند لإعادة المياه إلى جاريها ودعوة العصاة والمتمردين إلى السلام فلم يتجاوبوا، بل ازدادوا عناداً وتصلباً وتصلفاً.. وانتقلت هذه المواضيع إلى المحاكم المدنية، حيث وجد المحامون والمشرّعون والقضاة والحكام ضالة لهم، يرفضونها ويؤيدونها، والأموال تصرف بسخاء من كل الجهات ليثبت كل فريق موقفه ومن دون جدوى.

البطريرك عبد الله الأول سطوف انتقل إلى السماء في القدس عام 1915، وخلفه البطريرك الياس الثالث شاكر عام 1917 وارثاً هذه القضية الشائكة والصعبة والتي قضّت مضاجع الكنيسة. وآلى على نفسه ان يحقق السلام ووحدة الكنيسة. لهذا قصد عام 1931 الهند ليزرع المحبة وينشر السلام.



هو الحد الفاصل ما بين عهد أسود، وعهد آخر أبيض، نصّب في زمن كانت الكنيسة تعاني منه أهوال الحرب، وشاهد زمناً آخر رفرفت فيه راية السلام، وخفقت ألويته البيضاء في سماء بلادنا. فيكون والحالة هذه شخصية فذة خطيرة، ويكفيه فخراَ أنه تقبل المسؤولية الكبرى والموقع الأول في الكنيسة في فترة يتهرب من حملها أصحاب العقول والأدمغة فسجل له بذلك ذكراً خالداً وصفحة مشرقة في تاريخ الكنيسة السريانية.
كان السريان الهنود في تلك الأيام شديدي الولاء للبطريرك الإنطاكي ويعتبرونه المرجع الديني الأعلى لهم، تماماً مثل البابا بالنسبة إلى الكاثوليك، وكان هذا الولاء سائداً حتى في أيام انحطاطنا في القرون الأخيرة بسبب الاضطهادات والمظالم، في الوقت الذي كان الهنود يتثقفون ويتقدمون ويزدادون عدداً، لذلك اعتنقت قلة من الهنود فكرة الانفصال لأنهم الأقوى اكليريكيين وعلمانيين، لا سيما أولئك الذين زاروا ديارنا وعاينوا حقيقة أوضاعنا وهزالنا، فعددنا قليل وأديرتنا ومعاهدنا خالية وخاوية، واكليروسنا شبه أمي، بينما الهنود على العكس من ذلك عددهم يزداد فهم يتوالدون، ومناطق تواجدهم أمينة وهادئة، وهم بطبيعتهم يحبون لعلم بل في وقت من الأوقات كانت نسبة المثقفين من السريان تشكل أعلى نسبة في الهند، كما أفاد عام 1964 نائب الدكتور زكير حسين نائب رئيس الجمهورية، وتعلموا كيف يزرعون الشاي والقهوة وحَب الهال والمطاط وكل هذه الزراعات تدر على أصحابها أرباحاً طائلة وبالتالي فإن أغنياءهم تزايدوا وترفهوا. وكانت أبرشيتهم لا سيما الشمالية منها تدين بالولاء للبطريرك الإنطاكي أيام زيارة البطريرك الياس.

وذات يوم وفيما كان البطريرك في دير علواي بأبرشية انكمالي، مجتمعاً بالمطارنة قورو وعباجي وبولس والرهبان قرياقس تنورجي ويشوع صموئيل جاء مَن يخبر البطريرك بأن المطران كوركيس الهندي المحروم قد حضر. كان البطريرك عبد الله قد حرمه بسبب أفكاره الانفصالية ضد رغبة غالبية الهنود، ودخل الصالة وهو يرتجف ويردد: سيدي اغفر لي جهالتي.
وما ان اقترب من البطريرك الذي فوجئ بدخوله مع سائر المتواجدين في الصالة حتى ركع وطه شيري أمامه وهو يردد هذه العبارة. فما كان من البطريرك إلا أن مدّ له يديه ورفعه وعانقه قائلاً: لقد حللتك من حرمانك. وطلب من جميع الموجودين في الصالة أن يفعلوا الشيء ذاته، وأن يعانقوه، وسادت الفرحة، وتفاؤل الكل بقدوم الخير والسلام، والواقع بأن الأمر لم يكن كما توهم جانب البطريرك، لأن ما كان يبطنه كوركيس الخبيث كان غير ما كان يفكر به البطريرك الياس الطيّب. وقد أثبتت الأيام ذلك، إذ كان كوركيس بدأ يرصد تحركات البطريرك في زياراته للأبرشيات ويرسل مشاغبيه إلى الكنائس التي كان يزورها وذلك لإفساد مقاصد الزيارة ومراميها، بأن يحيطوا بالمكان ويصيحوا "سماثانم" أي نريد السلام.
والله وحده كان يعلم مَن هو مع السلام الحقيقي ومَن هو ضده، وما هو مفهوم السلام بالنسبة إلى كوركيس وطه شيري وما هو مفهوم السلام بالنسبة إلى البطريرك الطيّب القلب، فسلام وطه شيري كان أن يقبل البطريرك بما صنعه البطريرك المعزول عبد المسيح الثاني، أي الحصول على رتبة المفريانية المشابهة لرتبة البطريركية تمهيداً لإعلان الانفصال عن البطريركية وبالتالي الاستغناء عنها نهائياً، في الوقت الذي لم يكن هذا رأي الغالبية العظمى من اليهود.
بينما سلام البطريرك كان رفض كل شيء صنعه عمسيح المعزول واعتبار كل عمل قام به باطلاً، وبعبارة أخرى شرعنة تلك الأعمال وإصلاحها وذلك بإعادة رسامتهم، وكان معظم الهنود مع البطريرك وما يمثل من شرعية وتسلسل رسولي، وكان كل فرد في هذا الجانب الذي يشكل الغالبية يردد قائلاً: "نحن نستطيع أن نترك إنطاكية التي جعلتنا أعضاء في كنيسة رسولية منحتنا الخلاص".
لذلك لاحظنا بأن كل محاولة في جعل جانب البطريرك أن ينتمي إلى الطرف الآخر ولو في محاولة خاطئة لتوحيد الكنيسة كانوا يرفضون ذلك كونها ضد قناعتهم، وكانوا عندما يجدون الطريق أمامهم مسدوداً ينتمون إلى الكتلكة قائلين: هذه على الأقل كنيسة رسولية، وظلت الأمور تدور في حلقة مفرغة ومرّت السنوات وقوي مع الأيام جانب الانفصاليين لأسباب قومية وميل الهنود إلى الانفصال معتبرين علاقتهم بإنطاكية نوعاً من الاستعمار وكانت الدولة الهندية ضمناً مع دعاة الانفصال وتميل إليهم، وتصدر الأحكام في معظم الحالات لصالحهم.
كان البطريرك الياس الثالث حكيماً ومحاوراً عاقلاً وواعياً، فكان كلما أقنع المتمردين والخصوم بالعودة وتظاهروا بالندامة والقبول، يعودون لينقلبوا على كل ما اتفقوا عليه، فأصيب البطريرك بخيبة أمل وحزن..
من العادات الجارية في تلك الأيام ان يكون للبطريرك وحتى للمطران قواص أو ياور يُختار عادة من الرجال الأقوياء ممَّن له جثة ضخمة وشاربان معقوفان، ويرتدي في الحفلات الرسمية ثياباً خاصة مزركشة بالقصب من القمصلة وحتى السروال ويعتمر طربوشاً ويحمل سيفاً وكرباجاً ويسير أمام البطريرك أو المطران. وقد حضر مع البطريرك الياس قوّاصه، إلا انه بعد مرور أسابيع قليلة أصيب بمرض (الجوري) وهو نوع من الحكاك الهندي المزعج الذي يسلب المصاب به لذة النوم إلا انه لا يصيب جميع الوافدين إلى الهند.
وإذ ازداد الجوري على القواص، التمس من قداسة البطريرك أن يأذن له بالعودة إلى طنه، وفعلاً عاد، ولحسن الحظ كان يعيش في تلك الأيام في ملبار شخص طوراني اسمه كبريال صوما حضر إلى الهند قبل قدوم البطريرك بعشر سنوات وتزوج من هندية سريانية وأنجب منها تسعة أولاد، وكانت له كل مواصفات القواص، فحل محل القواص القديم ويمتاز عنه كونه كان يتحدث اللغة المحلية أي المليالم.
وذات يوم وبينما كان البطريرك الياس في كنيسة كوربمبدي، ملأ اتباع وطه شيري الكنيسة قبل أن يحضر البطريرك، ولدى حضوره ضجوا بالصراخ (سماثانم) فسار البطريرك وحاشيته بهدوء إلى المذبح واستدار وقال للصارخين: إننا لا نخشى من الشرير لأن الرب معنا.. وإذ لاحظ بأنهم لن يتركوه يلقي موعظته، سار يريد مغادرة الكنيسة ومعه الحاشية، ولاحظ كبريال بأن واحداً من المشاغبين اقترب من البطريرك ومدّ رجله يريد فرشكة البطريرك فاتجه نحوه بسرعة ووضع رأسه تحت إبطه وضغط عليه فكاد يختنق، فسمع كبريال البطريرك يخاطبه قائلاً: دعه يذهب، فتركه كبريال. فسقط الهندي على الأرض، وصار هزئا وخاف الباقون. إذن لن يرعووا باللجوء إلى مثل هذه الأساليب التافهة والرخيصة في محاولة لإلحاق الإهانة بهذه الشخصية الكبيرة.
إلا أن البطريرك الياس استمر في تفقد الكنائس وإلقاء المواعظ والاحتفال بالقداديس من أجل إفادة المؤمنين البسطاء وكانوا الغالبية في تلك الأيام، إلى ان كان يوم السبت 13 شباط 1932 وبينما كان يمشي في حوش كنيسة مار اسطيفانس في قرية اومللور في الجنوب قال للموجودين معه "داخ رأسي" فجاءوا به إلى سريره وارتمى عليه، وخف سكرتيره زكريا شاكر إلى صندوق صغير فيه علبة النشادر الذي كان الأطباء قد أوصوه بتقريبه من أنفه في مثل هذه الحالات، وكان في الماضي يستفيق، إلاّ أنه في هذه المرّة لم يتجاوب أبداً مع النشادر، فاستدعت الحاشية الأطباء القريبين فأفادوا بعد فحصه بدقة بأنه توفي. وهو أول بطريرك يرقد ويُدفن في تلك البلاد البعيدة وهو ابن 65 عاماً، حيث أقيم فوق ضريحه مقام جليل تحوّل إلى مزار فكنيسة فخمة ودير صغير.
بتاريخ 13/2/1932 رقد على رجاء القيامة، وبعد جهاد رسولي وخدمة مسيحية وغيرة سريانية وقادة، المثلث الرحمات مار اغناطيوس الياس الثالث شاكر بطريرك إنطاكية وسائر المشرق في بلدة اومللور / منجنيكرا – كيرالا في الهند.
وقد كان البطريرك الياس الثالث شاكر تواقاً إلى إحلال السلام في الكنيسة في الهند، ولم تتحقق أمنيته بسبب رقاده المفاجئ. وقد وضع غبطته قواعد أساسية لإرساء السلام في الكنيسة. وقد عاش البطريرك القديس الياس الثالث شاكر الفضيلة في حياته وجسّدها بالعجائب على ضريحه بعد رقاده. فتحول الضريح المادي إلى محج للروح لهذا "تركوا كل شيء وتبعوه".
صورة
أبرق المطرانان عبه جي وقورو فوراً إلى المطران أفرام برصوم مطران سوريا ولبنان في ذلك الحين وطلبا منه أن يبلغ العالم السرياني بهذا الخطب الجلل وأتبعا البرقية برسالة ضافية بالكرشوني تحدثا فيها بالتفصيل عن حادثة الوفاة وكيف جرت مع حفلة التجنيز التي حضرها جميع الأحبار والاكليروس والشعب الهندي المؤمن.
كان البطريرك الياس شاكر بهي الطلعة أنيقاً، وقد شوهد عدّة مرّات يجلس القرفصاء في صالة المطرانية ويفصّل ثيابه السوداء أو الملونة الخاصة بالقداس بيده، وكانت لحيته طويلة كثة مهيبة ونظراته تنم عن ذكاء فطري.
وكان يحبه الناس من جميع الطوائف وفي كل مكان محبة بنوية صادقة، كما احترمه الغرباء بالنظر لطيبته وتواضعه ودماثة أخلاقه وشجاعته وحكمته وحسن إدارته. لا سيما عندما كان يركب صهوة جواده في تركيا وقراها وهو بزيّه الأنيق وابتسامته العذبة ونياشينه العديدة.
وكان يقابل من السلطات المدنية أيضاً بحفاوة وإكرام حيثما حل. وقد تمردت روحه الطاهرة على المادة، وسمت نفسه إلى العلي، وتاقت إلى سكنى السماء، بعد جهاد في سبيل نشر كلمة الله وتثبيت البيعة المقدسة، وتوطيد السلام فيها. وكان ساعياً دائماً وراء السلام، وعمل قصارى جهده على إزالة الخلافات الشديدة التي كانت تدب بين صفوف أبناء الكنيسة الواحدة وكانت سلطات الاستعمار تغذيه.
امتاز بمحبته العميقة للملّة واهتم كثيراً بتشييد الكنائس والمدارس وتنمية الأوقاف. واستأنف في عهد بطريركيته إصدار مجلة الحكمة في عام 1927. وإن ننسى لا ننسى عقده مجمع دير مار متى في شهر تشرين الأول عام 1930 وهو من المجامع المقدسة المهمة في تاريخ كنيستنا الحديث.
ففي عام 1155 عقدت الكنيسة مجمعاً هاماً في دير مار برصوم برئاسة البطريرك أثناسيوس السادس (1138 – 1166) كخاتمة للفترة الثانية من تاريخ الكنيسة لتنظيم شؤون الكنيسة بعد مرورها بأيام صعبة. ثم عقد الآباء مجمعاً على مستوى مجمع دير مار برصوم في هتاخ عام 1523 وعلى عهد البطريرك عبد الله الأول (1521 – 1557). ولم يدون لنا التاريخ بعد ذلك ذكر مجمع آخر على هذا المستوى، ولا نعني ان الكنيسة بقيت طيلة هذه المدة بلا مجامع، ذلك ان مجامع انتخابية عديدة عقدت في دير الزعفران وسنت فيها قوانين مفيدة ولكنها كانت على الأغلب مقتصرة على بعض المطارنة وعلى مواضيع محدودة جدا ومعينة. ولما جاء البطريرك الياس الثالث عقد مجمعاً في دير مار متى عام 1930 فكان في وزنه وحجمه على مستوى مجمع دير مار برصوم عام 1155، ومجمع هتاخ عام 1523
انعقد مجمع دير مار متى في دير مار متى – الموصل في الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة الواقع في 11 تشرين الأول حساباً شرقياً عام 1930 تحت رئاسة البطريرك الياس الثالث، مؤلفاً من أصحاب النيافة: مار أثناسيوس توما قصير مطران حلب وتوابعها، ومار سويريوس أفرام برصوم مطران سوريا ولبنان، ومار أقليميس يوحنا عباجي مطران دير مار متى سابقاً، والخوري سليمان قس يوسف رئيس أبرشية دير مار متى بالوكالة. واشترك فيه عدد من الأعضاء العلمانيين يمثلون الأبرشيات السريانية في العالم من بينهم الأرخدياقون نعمة الله دنو العالم السرياني المعروف، والدكتور عبد الأحد عبد النور، الأول من ممثلي أبرشية الموصل، والثاني من ممثلي أبرشية الموصل وأميركا.
وختم المجمع أعماله في مساء يوم الجمعة الواقع في 25 تشرين الأول شرقي، وعقد ست عشرة جلسة قرر فيها واحد وأربعين قراراً، وسنّ قانوناً للمجالس الملية في الأبرشيات لخّص غاياتها وأهدافها المنشور البطريركي الصادر في 24 تشرين الثاني 1930 حيث جاء فيه: "عقدنا مجمعاً إدارياً للنظر في ما طرأ من التغيير والإهمال على بعض قوانين كنيستنا المقدسة وتسوية حاجاتها، ولوضع أنظمة تضمن إصلاح ما هو مقتصر إلى الإصلاح من أحوالنا الطائفية".
وقد رسم البطريرك عشرة مطارنة، وبذل كل ما في وسعه في عهد السلام والاستقرار، لرفع شأن الكنيسة عالياً، فقد فتحت في عهده المدارس، وعزز شأن العلم في كلم مكان، وبنيت كنائس، وأبصر بوادر عصر النهضة التي فجرها بقوة البطريرك أفرام برصوم.







صوت السريان
صورة
Assyriska
Team Member
Team Member
 
مشاركات: 1884
اشترك في: 16 مارس 2008 12:13

العودة إلى أخبار مسيحية عامة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron