«عِندما لا تُثمِرُ الصّفعات» نوادر القضاة في استجواب الأطفال

«عِندما لا تُثمِرُ الصّفعات» نوادر القضاة في استجواب الأطفال

مشاركةبواسطة HUBO » 16 أغسطس 2009 18:15

kaff.jpg
kaff.jpg (39.97 KiB) شوهد 901 مرات


قد تبدو النّوادر التي قرأناها عن قضاةِ القرون الوسطى وكأنّها فكاهاتٌ أو طِرَفٌ خياليّة كتلك التي نتناقلها اليوم على سبيل المزاح، ولكن عندما استذكر قصّتي مع القاضي وكاتب الأقوال، لا أستبعد أن تكون كلّ تلك النوادر الظريفة وقائعٌ حقيقيّة حصلت وتمّ توثيقها.

كنت حينها في الحادية عشرة من عمري. كعادتي، وفور انتهائي من تناول وجبة الغداء، أسرعت يومها في الذهاب إلى مكان اللعب حيث كنّا نقضي أنا ورفاقي معظم أوقاتنا. في تلك الحديقة الصّغيرة المسوّرة لم يكن لأحدٍ أن يتدخّل في أمورنا، هناك كان عالمنا الخاصّ بنا، نلهو ونمرح ونعيش أجمل المغامرات، حتّى ذالك اليوم على الأقل!
في بلدتي نظامُ التدفئة مركزيّ، ويتم تزويد أجسام التدفئة "الصوفاجات" بالماء السّاخن الذي تضخّه محطّة التدفئة الحراريّة الواقعة في طرف المدينة. تلتقي مواسير الماء السّاخن بين الأبنية السكنيّة في عقدٍ تنظيميّة مزوّدة بموزّع موجود داخل "ريكار" عمقه ثلاث أمتار تقريباً. ولأنَّ معظم الموزّعات، أو الصمّامات، كانت صدئة ومهترئة، فكانت تلك الحفر تمتلئ بالماء الساخن الذي تصل درجة سخونته إلى 80 درجة مئويّة. قد تبدو الأمور على خير حتّى الآن، ولكن المصيبة هي أن تلك الحفر لم تكن مغطّاة كما يجب، وغالباً ماكانت تقع في وسط الحدائق والسّاحات الرئيسيّة حيث يلعب الأطفال!

لم نكن نأبه لتلك الحفر، وربما كنّا نعتبرها عنصراً جماليّاً في شوارع المدينة، خصوصاً في أيام الشتاء الباردة عندما كانت الأبخرة تتصاعد للأعلى في مشهدٍ رومانسيّ! إلى أن جاء ذالك اليوم المشؤوم، حيث وعي الجميع على أن تلك الحفر ماهي إلّا أبوابٌ للجحيم مفتوحة على مصراعيها لمن يمرّ بقربها!

كنّا خمسة أطفال في الحديقة، وأذكر أنّي سمعتُ فجأةً صوت شيءٍ يسقط في الماء! ظننته في الوهلة الأولى صوت حجرةٍ كبيرة ألقاها سامي أو سليم في الحفرة، فكلاهما كانا يلعبان بالقرب منها. التفتُّ إلى الوراء لأتفاجئ بأن سليم غير موجود وسامي ملتبكٌ وقد شحب وجهه! تسارعتُ في الركض باتجاه الحفرة، ألقيت نظرةً إلى الأسفل فصعقتُ بما رأيت، لم أر من سليم غير أطراف أصابعه تنظر فوق سطح الماء وهو يتخبّط محاولاً الصعود للأعلى!

على الرغم من مضيّ خمسة عشرة عاماً على وقوع الحادثة، إلّا أنّي أتذكّر جيّداً كيف كان شعوري، وشعور باقي رفاقي، عندما خرج سليم من تلك الحفرة اللعينة وهو يصرخ من شدّة الألم! لذلك سأختصر عليكم وانتقل بذاكرتي إلى اليوم الثالث بعد الحادثة حين سمعنا بخبر وفاة سليم متأثراً بالحروق التي أصابت كامل جسده.


قبل ان احكي لكم قصّتي مع القاضي، سأبشّركم بأن المسؤولين عن تنظيم المدينة قاموا بتغطية كافّة الحفر بعد تلك الحادثة. وإذا قرأ احد أهالي مدينة دير الزور قصتي هذه، ربما سيتذكّر الطفل الذي مات بصعقة كهربائية سببها علبة الكهرباء المفتوحة في الشارع، وكيف أن شركة الكهرباء قامت بإغلاق جميع العلب بعد تلك الحادثة!

كنت في المدرسة عندما طُرِق باب الصف ودخل شرطيّ يسأل عنّي. عندما وقفت أعطاني ورقة مكتوب عليها أنّي مدعوّ للمحكمة لأدلي بأقوالي كشاهدٍ عمّا حصل. طبعاً قبل ذلك، وكالمعتاد، جرى تحقيق واستجواب كلّ المتواجدون في الحديقة، وتمّ اتهام سامي الذي يصغرني بثلاث سنوات بأنّه من دفع سليم وأسقطه في الحفرة.
دخلتُ مكتب القاضي وكانت ترتابني حالة خوف شديد لم أشعر بها من قبل في حياتي، ربما كان سبب ذلك الخوف هو أنّني رأيتُ المحكمة على شكلٍ مخالف لما عرفته من خلال التلفاز، فظننت أن الأمر خطير لدرجة أنّ المحاكمة سرّية! –طبعاً كان تصوّري للمحكمة كما عرفتها من التلفاز؛ بدلة القاضي السوداء والمنصّة الخشبيّة ولجنة المحلّفين وبقيّة الحضور-.
وربما كان سبب خوفي هو أنّنا بشكل عام نخاف أصحاب البدلات الرّسميّة "وغير الرسميّة" حتى ولو كانو من شرطة المرور!
بعد أن أقسمت على قول الحقيقة واضعاً يدي على الإنجيل، سألني القاضي بضعة أسئلة بديهيّة، ثم قال لي:
-"أين كنت بالتحديد عندما وقعت الحادثة؟"
أجبته:
- "كنت في نفس الحديقة، سامي وسليم كانا متواجدان خلفي وبقرب الحفرة، ولكن يا سيدي أنا متأكّد بأن سامي لم يدفع سليم إلى الحفرة".
نظر القاضي إليّ باستغراب وكأن شيئاً غير طبيعيٍ قد حصل، وقال:

-"إن كنتَ ملتفتاً إلى الإتجاه الآخر، فكيف لك أن تجزم ببراءة سامي وأنت لم ترَ شيئاً؟"

ربما لم أفهم بالضبط ما مقصده بسبب حالة الرعب، وتابعت وقلت له:
-"سامي بريء وهو لم يدفع سليم!"

كنت خائفاً جداً، لم أكن أعي ماهو سبب المحكمة، ربّما كان همّي الوحيد ألّا يتضرر أحدٌ آخر "سامي" بسبب هذه الحادثة اللعينة.
بدا الإنزعاج واضحاً على وجه القاضي وصرخ بوجهي وأمرني أن أذهب لأقف بالقرب من باب المكتب وأن أدير ظهري للقاضي.
فعلت كما أمرني، مشيتُ عدّة خطوات وعندما وصلت بالقرب من الباب استدرت محدّقاً بالباب، مستغرباً بما يجري في هذه المحكمة. وإذ بدويّ صفعةٍ قويّة يملأ الغرفة! تلاه صراخ المجنّد "كاتب الأقوال"، وهنا استدرتُ بسرعة وأول شيءٍ لاحظته كان الإحمرار الواضح على وجه كاتب الأقوال.
سألني القاضي:

-هل رأيتني وأنا أصفع مساعدي؟"
أجبته:
- "كلّا يا سيّدي"
- "لماذا لم ترني وأنا أصفعه؟"
- "لأنّني كنت أنظر في الإتجاه المعاكس!"
- "لماذا تصرُّ إذاً على براءة سامي وأنت الذي كنت ملتفتاً في الإتجاه الآخر في الحديقة أثناء الحادثة؟"

نظرتُ مرّةً أخرى إلى كاتب الأقوال واستطعتُ أن أعدّ الأصابع المصوّرة على خدّه والدمعة التي تكاد تنزل من عينه، وأجبت القاضي مرتعباً:




"سامي بريء يا سيدي!"



حوبو
15-08-2009
Nulla vita sine libertas
Faber est suae quisque fortunae
صورة العضو الشخصية
HUBO
رائد بارز
رائد بارز
 
مشاركات: 797
اشترك في: 19 يوليو 2006 23:12

Re: «عِندما لا تُثمِرُ الصّفعات» نوادر القضاة في استجواب الأطفال

مشاركةبواسطة فهد » 16 أغسطس 2009 21:16

جميلة هذة القصة التي ربما حدثت مع الكثير منا ايام الطفولة
و الاجمل يا عزيزيى حوبو هي تلك الكلمات و السرد الادبي الرائع
والذي اتمنى ان تكرر مثل هكذا محاولات

:bravo:
فهد
رائد فعال
رائد فعال
 
مشاركات: 275
اشترك في: 08 ديسمبر 2007 17:17

Re: «عِندما لا تُثمِرُ الصّفعات» نوادر القضاة في استجواب الأطفال

مشاركةبواسطة HUBO » 17 أغسطس 2009 14:16


يسرّني أن تكون هذه المحاولة البسيطة قد أعجبتك، عزيزي فهد.
وأشكرك من كلّ قلبي على تشجيعك ليّ صورة
كن بخير
:flower:
Nulla vita sine libertas
Faber est suae quisque fortunae
صورة العضو الشخصية
HUBO
رائد بارز
رائد بارز
 
مشاركات: 797
اشترك في: 19 يوليو 2006 23:12

Re: «عِندما لا تُثمِرُ الصّفعات» نوادر القضاة في استجواب الأطفال

مشاركةبواسطة nor-nl » 17 أغسطس 2009 15:04

قصة مؤثرة أخ حوبو
دام قلمك على السرد الجميل
ومني لك كل خير
:warde: :bravo: :warde:
محبتي نور
:salib:
ما أجمل أن يبتسم الإنسان في حين إنه يريد أن يبكي


لا تدع أحد يمرّ بك و يبقى جاهلاً
صورة العضو الشخصية
nor-nl
قلب الجزيرة
قلب الجزيرة
 
مشاركات: 1265
اشترك في: 20 نوفمبر 2006 22:14

Re: «عِندما لا تُثمِرُ الصّفعات» نوادر القضاة في استجواب الأطفال

مشاركةبواسطة HUBO » 18 أغسطس 2009 02:49

ولكِ أيضاً كلَّ خيرٍ وطيبة، عزيزتي نور.
مروركِ غِنى...

كوني بسلام
:flower:
Nulla vita sine libertas
Faber est suae quisque fortunae
صورة العضو الشخصية
HUBO
رائد بارز
رائد بارز
 
مشاركات: 797
اشترك في: 19 يوليو 2006 23:12


العودة إلى قصة ومقالة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار