قصة غزل: عروس البحر

قصة غزل: عروس البحر

مشاركةبواسطة nor-nl » 21 سبتمبر 2009 22:10

كانتْ تسيرُ وحدها جنباً إلى جنب البحر، تاركةً وراءها بقدميها الحافيتين على الرمال آثاراً لا تلبثْ الأمواج أن تراها حتى تمحيها، كانتْ سعيدةً ذلك اليوم لرؤية صديقها الأزرق، فراحتْ تسابقُ الرّيح برشاقةٍ باسطةً ذراعيها إلى كلا الجانبين، مما جعل ثوبها الأبيض الحريري يتطاير، وشعرها الداكن يتمّوج بخفة، وكأنّ الأثير قد حملها فبدتْ فراشةً صغيرة بيضاء خافقةً جناحيها الصغيرين فرحةً بيوم مشمسٍ جديد، أخيراً.. وصلتْ إلى بقعتِها المفضّلة وهي صخرةٌ اعتادتْ أن تقصدها منذ كانتْ فتاةً صغيرةً، جلستْ عليها ومدّتْ رجليها تُداعبُ بهما وجه الماء ذهاباً وإياباً، نظرتْ إلى البحر وإلى امتداده في الأفق، راحتْ تُصغي إلى أصوات طيور النورس التي كانتْ تأتيها من كلِّ صوب كأنها ملائكة تتناقل رسائل الهوى، راقبتْ حركة الأمواج المتلاحمة فانغمستْ بأفكارها وسرحتْ بخيالها بعيداً بعيداً عن هذا العالم، وراحتْ تخاطب البحر كصديقٍ عزيز:
"أيها البحر العظيم، كم أنتَ كبير، كم أنتَ عميق...
لقد وددتُ دوماً الغوص في أعماقكَ، في أعماق نفسكَ لتقليب صفحات تاريخكَ وكشف أسرارك وخباياك، لكن، كم أنتَ وحيد، وحيدٌ في الدنيا، كأنكَ ملكٌ هرمٌ مرّتْ عليك السنون الطوال، مملكتُك الصخور كبيرة كبر الكون وعرشكَ خالٍ خاوٍ لا تسكنه ملكة.. أيعقل ملكٌ عظيم بلا ملكة! حسناً قلْ لي ألا توجد امرأة في حياتك؟ ألا تملّ الوحدة؟
ألا تملُّ الاستيقاظ صباحاً كلَّ يومٍ وخيوط الفجر تُداعبُ وجهكَ دون أن تصبّح عليك بالخير امرأةٌ بابتسامةٍ آسرة فتستعد لبدء يومك.
ألا تملُّ الاستلقاء والتفرّج على غروب الشمس دون أن تسندَ امرأة رأسها على صدرك وتقول لكَ "عزيزي أحبكَ" فترتعد أوصالَك.
ألا تملُّ، أخيراً، الخلود إلى النوم ليلاً في مضجعكَ الفارغ البارد فتمدّ يديكَ لتلتمسَ الدفء فلا تجد امرأة تُدفئ لكَ جنبكَ وتُعانقكَ؟
أيُّ مَلكٍ أنتَ وأيَّة حياةٍ تعيشها!
سامحني أيُّها البحر فالذنب ذنبكَ، فأنتَ دائم القلق والتردد، لا تحزم أمرك في شيء، وكلما أقدمتَ تراجعتَ، فتبقى دائماً في حيرةٍ من أمركَ بين مدٍّ وجذرٍ. مسكين، مسكين أنتَ... ربما مللْتَ الطواف حول العالم للبحث عن مثيلٍ لك، عن صورةٍ شبيهة بك، لكن لا، لن تجدَ مبتغاكَ أبداً فأنتَ فريدٌ من نوعكَ.. لا عليكَ أيها البحر الغالي سأمنحكَ حُبّي"
ثم لمحتْ على مقربةٍ منها قوقعةً كبيرة مغروزةٍ في الرمال، أمسكتْها وأفرغتْ ما فيها، ثم صاحتْ فيها: "أحبُكَ"، ورمتْها بعيداً إلى المياه، وما هي إلاّ لحظات حتى أعادتْها الأمواج إليها، فالتقطتْها من المياه وقربتْها من أذنها وراحتْ تُصغي.. فضحكتْ على نفسها وكأنّ البحر قد أجابها بالمثل!
كانتْ الشمس ساطعةً ذلك اليوم والهواء ساخناً لهاباً، فنزلتْ الحسناء عن الصخرة واستلقتْ على الرمال مفلتةً شعرها الداكن عليها كما تُفلتُ باقة ورد ندية وغطّتْ بنومٍ عميق، أما شذى شعرها فراح ينتشر في الهواء متطايراً بتناغمٍ آسر، أثار ذلك مشاعر البحر، مشاعره الميتة التي انتعشتْ فجأة، فكان مثل شمعةٍ هرمة ملأتْها التجاعيد قد اشتعلتْ من جديد، أو جثةٍ هامدة أُعيدتْ إليها نفحة الحياة..لقد امتلأ البحر بروحٍ جديدة حية، وتملّكهُ شعورٌ غريب، شعورٌ لم يسبقْ له أنْ اختبره من قبل.. لقد شعر لأول مرّة بالحب!
فراح يرقبُ من بعيد بشرتَها السمراء اللامعة كالنّجم، واحتار في أمره لكنه مع ذلك تقدّمَ نحوها بهدوءٍ وتروٍ، وما إنْ أصبح على مقربةٍ منها حتى تشجع، رشقها ببعض الماء، فتبللتْ أعقاب قدمَيها، ثم أعاد الكرّة لكن هذه المرّة أرسلَ موجةً صغيرةً بللتْ ساقَيها وخصرها، فشعرتْ بالبرد وغطّتْ نفسها بالرمال... فجأة، ثار البحر، فأرسل موجةً عظيمةً بللتْها بأكملها وبخفّةٍ قامَ وطبعَ قبلةً على خدّها، على إثر تلك الموجة استيقظتْ من سباتها، وقامتْ واقفةً متفاجئةً... وما أحلاه من مظهر! فقد كانتْ مبللةً تماماً والماء يتساقطُ منها رقراقاً.
سكنَ البحر الهائج فجأة وتوقف تموجه وراح يتأمل جمالها متناسياً الدنيا وما فيها، فقد انطفأ نور العالم والكون في عينَيه فلم يعدْ يرى سوى نور هذه الحسناء، وكأنّ الشمس قد شعرتْ بالغيرة منها فألهبتْها بأشعتِها، لكن ذلك زادها روعةً فقد تلألأتْ قطراتُ الماء المتناثرة على جسدها الجميل وبدتْ أساورَ وقلاداتٍ معقودةٍ على قدميها وعنقها ويديها، وأما شعرها الطويل الداكن، فراح يبرقُ ببريقٍ لا مثيل له كما لو كان تاجاً من ألماسٍ يزيّنهُ. أميرةٌ! نعم كانتْ أميرةٌ بتاجٍ إلهي... وأما البحر فقد أعجبَ بها وراحَ يُنشدُ لها:
"يا جميلتي، يا حسنائي، أنتِ أجملُ ما وقعتْ عليه عيناي.
أنا عبدكِ يا مليكتي، أعبدُ جمالكِ الذي سحرني...
قيّديني بسلاسلَ من حديد، عذّبيني بنيرٍ يضيّق عليّ أنفاسي، لكن ذلك لن يردعني من حبّكِ
فأنا غارقٌ في هواكِ، أيعقلُ للبحر... أن يغرق؟!
كمْ وددتُ أن أعبر لكِ عنْ حبّي الّذي أفقدني توازني وصوابي!
لكنْ ما عساي أفعلْ؟
أأقولُ للشمسِ أعبدكِ؟
أأقول للقمر أعشقكَ؟
أأقولُ للنجمِ أحبّـكَ؟
حسناً. ماذا أقولُ لامرأةٍ جميلةٍ قد اتخذتْ من الشمس عرشاً لها، وشاع منها شعاعاً يخطفُ الأبصار، فما كان للقمر إلاّ أن يسجدَ لها وأن تتراقصَ حولها النجوم كالعذارى، وبذلك كانتْ أعظم ملكات الجمال!
قولي لي،
ما نفعُ التشبيهَ إنْ كنتِ الشبه
ما نفعُ الرموز إن كنتِ الرمز
ما نفعُ الكلام إن كنتِ الكلمة
دعينا من الكلام وصعوباتهِ، دعي المشاعر والأحاسيس هي تقودنا كما تشاء
فليصمتْ الكون، ولتصمتْ الأفواه، صمتاً، ذلك الصمت الساحر
دعي العينَين تعبّر عما في القلب، عما في القلب من أسرار، وما أصدقهُ وأعمقهُ منْ تعبيرٍ
ولتتشابكْ الأصابع مع بعضها
وليقتربْ الجسدان ويتحدا
ولتُلصقْ الجباهُ على بعضها فتصبح جبهةً واحدة
وليتعانقْ الأنفان وليرقصا حتّى يتمكّن منهما التعب فيناما على بعضهما
ولتلهبْ الأنفاس حرارة الموقف
عندها لا تعُدْ الشفاه تحتمل أكثرْ فتنهالُ بالقبل،
ظمآنة تروي عطشهَا من الحب والحنين...
هذا ما يحصل عندما يقع عاشقان في الغرام!
لكن لستُ أدري كيف هو الأمر بالنسبة إليكِ يا عزيزتي...
أتكفيكِ قبلة؟
أم ضمة ذراعٍ ما عرفتْ حدوداً لخصركِ فتظل تضمكِ إلى الأبد؟
أم الإصغاء لنبضات قلب عاشق هيام خفاقٍ بلهفةٍ كجناحي طائر الدوري؟
لا أعتقد ذلك فأنتِ لا تجسدين أنوثة الكون فحسب إنما إلهة الأنوثة! فمن أراد أن يحبكِ عليه أن يعبدكِ عشقاً فأنتِ لم تُخلقي إلا للهوى!
يا حياتي، يا مهجة فؤادي، قد تربعتِ على قلبي تربعاً كما تتربع أميرةٌ على عرشها
نعم، أميرةٌ قد ولدتِ، أميرةٌ قد عِشتِ، أميرةٌ قد سكنتِ فيَّ.
يا عروساً قد ضاقتِ بي الدنيا، أرجوكِ كوني عروسي واقبلي"
وأما الحسناء فقد ظلتْ صامتةً تُصغي للبحر، تُصغي لمكنونات صدره، لمكنوناتٍ ظلّتْ محفوظة في قلبه لكنه تجرأ أخيراً وأفصح عنها... فابتسمتْ لكلامه وأحبّتْ جرأتهُ.
وللحال فُتح طريقٌ وسط البحر، طريق مُزين بالورود والياسمين يمتد امتداد الأفق يصل مباشرة إلى قلب البحر، ولكن الأخير ظل ساكناً منتظراً...
ويبقى السؤال أتسلك الحسناء تلك الدرب، أتترك هذا العالم وتتحد بالبحر، أتقبل أن تصبح عروسه؟

:man8ol:
محبتي نور
:salib:
ما أجمل أن يبتسم الإنسان في حين إنه يريد أن يبكي


لا تدع أحد يمرّ بك و يبقى جاهلاً
صورة العضو الشخصية
nor-nl
قلب الجزيرة
قلب الجزيرة
 
مشاركات: 1265
اشترك في: 20 نوفمبر 2006 22:14

Re: قصة غزل: عروس البحر

مشاركةبواسطة أميرة نصري » 21 سبتمبر 2009 23:45

الله نور يا منورةةةةةةةةة جزيرتنا
صقة تشرح النفس خصوصا ما تخللها من ابيات شعرية
ويبقى عشق البحر سر
فأنا غارقٌ في هواكِ، أيعقلُ للبحر... أن يغرق؟!
كمْ وددتُ أن أعبر لكِ عنْ حبّي الّذي أفقدني توازني وصوابي!
لكنْ ما عساي أفعلْ؟
أأقولُ للشمسِ أعبدكِ؟
أأقول للقمر أعشقكَ؟
أأقولُ للنجمِ أحبّـكَ؟
تقبلي مروري
اعز الناس
:Alhawe:
صورة
صورة العضو الشخصية
أميرة نصري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
مشاركات: 9817
اشترك في: 21 يوليو 2006 02:02


العودة إلى قصة ومقالة

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron