الحدث والأسلوب في رواية الآشوري التائه .. نبرة الكاتب في رواية عراقي في باريس
كتابات - حسين عبد الخضر
قد يكون الحديث عن الجوانب الفنية لرواية عراقي في باريس للكاتب صموئيل شمعون ، هو من اقل جوانب الحديث أهمية عن هذه الرواية ، فليس هناك أي غموض يكتنف الجوانب البنائية بالشكل الذي يستدعي النظر في عملية البناء والتركيب ، كما أن الحبكة البسيطة للرواية تتكشف من دون جهد للقارئ . إنها رواية عارية تماما ، وتقدم نفسها بشكل سهل ومشوق أيضا ، من دون أي تعقيدات . فهذه السيرة الذاتية التي كتبت بأسلوب السرد السينمائي لحياة رجل آشوري عاش وهو يحلم بالعمل في السينما ، وكان يفكر في الحياة على أنها فلم من صنع الرب ، فغادر بلاده ليعيش حياة الغربة والتشرد.
وما يصاحبها من فقر وجوع يقابلها بروح تبدو فكهة وأسطورية في تعاملها مع الظروف القاسية . هذه الرواية التي ركبت مشاهدها بطريقة تبدأ من النهاية ، ثم الوسط ، وتعود لتسرد لنا البداية في جزئها الأخير ، على شكل كتاب منفصل تتغير فيه طبيعة العرض التي اتبعت في الفصل الأول والثاني ــ المشاهد أو المقاطع المعنونة ــ لتتحول إلى سرد مقطعي متواصل ، واشد ترابطا . لا يمكن لنا أن نحللها بطريقة الدراسة المنهجية ، حاملين مشارط التفكيك للغور في أعماقها ، لأن ذلك سوف يشوهها . هناك جانب مهم ، وشخصي أيضا ، هو الذي أنتج هذه الرواية العظيمة ، وهذا الجانب يتمثل في شخصية كاتب الرواية ، الذي تقدم هنا ليسرد لنا قصة حضارة آفلة ، بصوت آخر الأحجار المتساقطة من مبانيها العظيمة .
ولذلك فمن المهم جدا أن نقف عند نبرة الكاتب ، ونتجاوز القراءة اللفظية ، لنتمكن من كشف الجاذبية الكبيرة التي تتمتع بها هذه الرواية . فعنوان عراقي في باريس . قد يبدو عنوانا طبيعيا لولا انه يحمل نبرة التعجب والاستفهام . فباريس ليست ارض العراقي ، والآشوري خاصة هو ابن البلد الأصلي ، لماذا إذن يغادر العراق ؟ هذه هي الإشكالية التي تدور حولها الرواية ، وتحاول عرضها لنا من خلال سرد سيرة عراقي آشوري غادر بلده بعد سلسلة من النكبات التي حلت بهذه القومية اثر استيلاء الآخرون على أرضها . وبنبرة الحضارة الآفلة ــ الناس الذين فقدوا كل شيء يتعلق بحقهم في الوجود ، وهو حق تاريخي ثابت لا يمكن أن يتجاهله إلا لاحتكام لمنطق القوة ــ يسرد الروائي حكايته ، ليبدو غريب الأطوار في مواجهته للأحداث المأساوية التي مرت به . انه هادئ جدا ، وصريح جدا إلى درجة تسمح له بالحديث عن تجارب مذلة دون أن يجري أي تحريف فيها . . دون أن يحاول لعب دور البطل ، وفي هذه الحالة كان الأسلوب السردي سيتغير حتما إلى مستوى آخر يناسب الحديث عن البطولة ، وليس هذا شيئا مهما عند الكاتب بقدر طرح الحقيقة ، لأنها الطريقة الوحيدة التي يستطيع الكتابة بها الشاهد الأخير لقومية آخذة بالأفول ، ومهددة بالانقراض والذوبان في بلدان الشتات . فنراه يسرد بعذوبة بالغة وببراءة طفولية أهم ما اختزنته ذاكرته من مشاهد التشرد في بلدان الشتات ، لكن هذه الروح تتضاءل في الفصل الثالث من الرواية لتبرز أمامها مساحة أوسع من الألم .
البداية السعيدة لرواية عراقي في باريس ، وتناول مأساة الهجرة والتشرد في الفصل الثاني بأسلوب فكاهي يعمق الشعور بالألم لمصير الشخصية المشردة ، يقودنا بخيوط التشويق إلى الجزء الثالث من الرواية / السيرة حيث يواجهنا التاريخ القومي للشخصية والذي أدى إلى صياغة التاريخ الشخصي لها ، وفي مدينة الحبانية التي تضم أطيافا مختلفة تمثل التنوع الديني والعرقي للشعب العراقي ، إلى جانب قاعدة الحبانية العسكرية ، نطلع على التاريخ المشترك لهذا الشعب والذي لعبت الانقلابات العسكرية ( القوة ) دورا مهما في توجيه حياته . فالحبانية ليست الموطن الأصلي لعائلة صموئيل ، وإنما هي المنفى الذي لجأت إليه بعض العوائل الآشورية بعد مجزرة عام 1933 م التي ارتكبها الأكراد بحق الأشوريين ليبعدوهم عن موطنهم الأصلي ( اربيل ) إلى ارض غريبة عنهم ، واربيل هو الاسم الآشوري لهذه المنطقة ، ولم تفلح محاولات الأكراد حتى الآن في تغييره إلى هولير . يأتي الأشوريين إلى هذه المدينة كلاجئين ، يقطنون منازل بسيطة ، ويحلمون أن يبدءوا بداية جديدة في هذا المكان ، بعد أن فقدوا الكثير من أبنائهم وأسرهم . يكون صموئيل واحدة من ثمار هذه البداية ، فيوّلد على يد قابلة شيعية ، ويكبر إلى جانب أبنائها ، يتعلم عادات وتقاليد هذه الأسرة ، ويردد الآيات القرآنية دون أن يهتم إلى أنها تنتمي إلى دين آخر ، بالإضافة إلى أن الحياة المشتركة لسكان ( المخيم ) لم تعطه الفرصة للتفكير في الفروق الدينية ، لان أسلوب العيش الجديد لم يسمح له ببلورة هوية متفردة تشير إلى انتماء محدد لديانة أو قومية ما . ولا يمكن لإنسان أن يعيش في وطن بمثل هذا الوضع ، خاصة إذا كان وطنه الأصلي . صموئيل ، البذرة من بذور البداية للجديدة للقومية الآفلة ، بذرة مشوهة ، نصف آشورية ، نصف جنوبية ، نصف مسلمة ، نصف مسيحية . وفوق كل هذا هي غير مرتبطة بأي واحد من تلك الانتماءات . أنها جنين مشوه وبلا ملامح سوى ملامح الحلم الذي سكبه فيها قرياقوس ، وهو حب السينما والرغبة في الاشتغال فيها . والسينما هي مجال المتعة والجمال والتوثيق كالرواية تماما . ومثلما افلح الكاتب في توثيق ملامح الروح المنكسرة ، التائهة وهي تواجه ظروف التشرد والفقر . فقد حقق الغرض من توثيق الظروف السياسية والتاريخية التي أدت إلى تشرد الأشوريين وتراجع دور هذه القومية في المساهمة في بناء الوطن ، عبر رصده للأحداث التي مرت بها منذ ( المجزرة ) عام 1933 وحتى مغادرته البلد .
لا يمكنني أن اخفي إعجابي الشديد بهذه الرواية ، وشعوري بالفخر أيضا ، لأنني تمكن أخيرا من قراءة رواية عراقية تنتمي إلى صنف الأدب الخالد





