• ×

قائمة

غبشٌ في مآقي الصَّباحِ .. صبري يوسف ـ ستوكهولم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جزيرة . كوم غبشٌ في مآقي الصَّباحِ


صبري يوسف
ــــــــــــــ
ستوكهولم

ليلٌ مكفهرٌّ
مسترخٍ على جراحِ المساءاتِ البعيدة
ترابُ بيتي العتيق تعفَّر برمادِ الحروبِ
ماتَتِ الأمَّهاتُ في أعماقِ الصَّحارى

نزيفُ ذاكرة لا تمحى عند بوَّاباتِ المدائن
ترنَّحَتِ المدائنُ من هولِ الجنونِ
عالياً حلَّقَتْ أسرابُ الحمامِ
فرَّتْ بعيداً عن أزقَّةِ العمرِ

أحلامٌ مفخَّخة بسهامِ الأحزانِ
تتوغَّلُ السِّهامُ في بياضِ العيدِ
تذوي الأحلامُ من تنامي الفقاقيع
زنابقُ الطُّفولةِ ما تزالُ مدلدلة
في ظلالِ الذَّاكرة

وجوهٌ محشوّةٌ بالكآباتِ
بأحزانٍ تضاهي تربُّصاتِ الحروبِ
غَدُنا مصابٌّ بتضخُّمٍ في أورامِ الشَّقاءِ!
تنمو القصيدةُ من لُبِّ الجِّراحِ
مِنْ بؤرةِ الأحزانِ
مِنْ وميضِ النَّارِ
مِنْ صليلِ السُّيوفِ
ضجرِ اللَّيلِ والنَّهارِ
مِنْ هولِ انشراخِ جباهِ الأدغالِ!

مآسي الكونِ استنبَتَتْ في جفوني
فرَّ الشُّعراءُ بعيداً عن شفيرِ الانشطارِ
انشطارُ أغصانِ الحضارةِ
إلى كُتَلٍ محشورةٍ في جحورِ القفارِ

دمعةٌ ساخنةٌ خرَّتْ من مآقي بغداد
خفَّفَ البحرُ قليلاً من أجيجِ الاشتعالِ

أنينُ قمرٍ تناهى
إلى قلبِ شاعرٍ حزين
إلى قلبِ جان دمّو
عابراً أقصى متاهاتِ الجنونِ

أليسَتْ حروربُ الشَّرقِ
متاهاتٌ في لجينِ الغدرِ
في كهوفِ الجنونِ؟!
غبشٌ في مآقي الصَّباحِ
طارَتِ العصافيرُ في جوفِ البراري

ذَبُلَتِ الأزاهيرُ في أوجِ الرَّبيعِ
من ضجرِ الغبارِ الآسنِ
فوقَ مرافئ العمرِ
اكفهَرَِّتْ جفونُ القصيدةِ
دمعةُ أسىً خرَّتْ على ضمورِ الأوركيدِ

تنبعُ هلالاتُ الشِّعرِ من غمامِ الرُّوحِ
من لهيبِ اللَّظى في أهزوجةِ القلبِ
من عناقِ عاشقٍ لمآقي السَّماءِ
وحدُها الكلمة تبني مملكةَ العشقِ
رغمَ أنفِ ألف حربٍ
ورغمَ أنفِ المراراتِ وأنفِ الشَّقاءِ!

نزيفُ حرفي يطهِّرُني
من انشراخِ جراحِ غربتي
غربتي غربتان

تتشظََّى إلى آلافِ الغرباتِ
غربتي أسطورةُ ألمٍ مبرعمة
في لبِّ الفؤادِ!
نزيفٌ شعري
يحرقُ الشَّوائبَ العالقة
في ثنايا عتمتي
يزرعُ في مرافئ غدي
حبورَ فرحتي

بحرٌ من اللَّظى يعشِّشُ
في أحلامِ جان دمُّو
سفرٌ في مرامي الشِّعرِ
حرفي يوشوشُ محارةَ الرّوحِ
يطردُ جحافلَ الألمِ
كم مِنَ الأسى حتّى تمخَّضَ الشِّعرُ
مِنْ بهاءِ البرعمِ!

أحلامٌ مستنبتةٌ في يراعِ الشِّعرِ
شراهةُ حرفي تخفِّفُ
من خشونةِ الانشراخِ
انشراخُ الإنسانِ فوقَ وجهِ الدُّنيا
ضاعَتِ الأماني في متاهاتِ الفيافي

عمرنا المعَلَّق في أشرعةِ التِّيهِ
تهنا في خضمِّ الأسى
في ضجرِ الإنتظارِ!
أين أخبِّئُ نداءَ الأزقَّةِ البعيدة
أحلامَ الطُّفولةِ؟

دماءٌ تزدادُ انسياباً فوقَ رصيفِ الحياةِ
تخضَّبَتْ وجنةُ القصيدة بوميضِ الاشتعالِ
اشتعالُ أجنحةِ الأحلامِ
انجرافُ الرُّؤى من أعالي الجِّبالِ
إلى تخومِ بؤرةِ الانحدارِ!

هرَّتْ أغصانُ الأماني
من تفاقماتِ الأسى
تبخَّرتِ الأحلامُ عبرَ دروبِ الرَّحيلِ

وحدُها القصيدةُ صامدةٌ
في وجهِ الانشطارِ
في اهتياجِ الرِّيحِ
في هديرِ الطُّوفانِ

تصلَّبَتْ خيوطُ الحنينِ من تفاقمِ الصَّقيعِ

من غضبِ الصَّحارى
من غليانِ الرُّؤى المتناحرة
من احتراقِ مآقي الرَّبيعِ!
تهنا في خضمِّ اليمِّ
هل يستطيعُ الشِّعرُ
أن ينقذَنا من شفيرِ المهاوي
أمامَ كلّ هذا التَّشظّي؟

تشظَّتِ الأماني فوقَ خارطةٍ مغموسةٍ
بملوحةِ الدَّمعِ

تشظَّتِ الأحلامُ في زمهريرِ العواصفِ المتأتّية
من راجماتِ الصَّواريخِ
من أورامِ الرُّؤى المستفحلة
في مخيخِ الفؤادِ!

شاعرٌ مخضَّبٌ بالأسى
تائهٌ بينَ غمامِ اللَّيلِ وهواجس الحرفِ
عَبَرَ مقهقهاً فوقَ ترابِ الألغامِ
غيرُ آبهٍ بالجِّراحِ
سألَ البحرَ عن سرِّ انسجامِ
رفرفاتِ النَّوارسِ
معَ إيقاعِ الموجِ

نقشَ عذوبةَ حبَّاتِ المطرِ
فوقَ اخضرارِ الرُّوحِ
في أوجِ الهطولِ!
تنوحُ الكلماتُ من لظى النِّيرانِ
مَنْ نصَّبَ حمقى حُكَّاماً
على جموحاتِ الشِّعرِ
مَنْ شوَّهَ أبهى ما في الجَّمالِ
مَنْ عفَّرَ نضارةَ النَّدى
مَنْ خَلخل تجلِّياتِ الرُّؤى
وأنقى ما في تماهياتِ الخيالِ؟!

وحدُهُ الشِّعرُ
يحملُ بينَ جناحيهِ مفتاحَ البهاءِ
كم مِنَ الشُّعراءِ تعرَّشوا
في وجنةِ الضُّحى
حتَّى تبرعمَ الشِّعرُ فوقَ جبينِ الهلالِ!

جان دمُّو شهوةُ حبرٍ مندلقة
فوقَ خميلِ القصيدِ
فوقَ سديمِ الصَّباحِ!

حلمٌ تائهٌ في قلبِ المحيطِ

سؤالٌ مندّى بيخضورِ الحياةِ
قصيدةُ شعرٍ مندلعة من ثغرِ السَّماءِ

يهمسُ في أذنِ مؤيِّد الرّاوي
كيفَ سنبني جسورَ الشِّعرِ
في خضمِّ كلّ هذا الوباءِ؟

متى سنمحقُ عبرَ الشِّعرِ جحيمَ الخرابِ
ونبني منارةَ عشقٍ من خيراتِ الأديمِ
من بحورِ الصَّفاءِ؟!

غابَتْ غمامةُ الشَّوقِ
حلمٌ مسروجٌ بضجرِ الحياةِ
وقفَ اللَّيلُ مذهولاً
من غدرِ الحروبِ
تساءَلتِ الأحلامُ الهاربة
من شفيرِ الرُّعبِ
هل ما يزال جان دمّو
يحنُّ إلى مروجِ الشِّعرِ
إلى غيمةٍ عاطرة
فوقَ خيراتِ النَّخيلِ
إلى كؤوسِ الكونياكِ

كي يخفِّفَ من جراحِ اللَّيلِ
من أنينِ الدَّمعةِ
كي يناغي القصيدةَ في أوجِ الفراقِ؟!

تهفو الرُّوحُ إلى حفاوةِ البوحِ
تحنُّ إلى زرعِ الحروفِ
فوقَ أقاصي الغمامِ
حيثُ أحلام دمُّو ترفرفُ عالياً
كأنّها بخورُ عيدٍ تزدادُ صعوداً
نحوَ يراعِ السَّماءِ!

تناثرَتْ رماحُ الأسى في رمادِ الذَّاكرة احترقَتْ جفونُ القصائد من لظى الحربِ
ضجرٌ لا يفارقُ عتمةَ اللَّيلِ عيونٌ جاحظة تحدِّقُ في موجةِ الخياناتِ
تقلَّصَتْ خيوطُ الحنينِ رحيلٌ إلى آخرِ قلاعِ الدُّنيا انشطارٌ في قبّةِ الأحلامِ

خيباتٌ موصولة كأنّها ريحٌ متشابكة بالويلاتِ شَرْخٌ عميقٌ في معراجِ الخيالِ ترتسمُ محطَّاتُ العمرِ على تيجانِ الحنينِ كأنَّها شهقاتُ ساحراتٍ منبعثة من الحاراتِ القديمة
وجعٌ منذُ بزوغِ الحياةِ انشراخٌ في دروبُ الأيَّامِ القادماتِ صراعُ الأفكارِ يسيرُ نحوَ تابوتِ الهلاكِ هلاكُ بذور الفكرِ مماتُ الشِّعرِ انسحاقُ يراع الإبداعِ عبورٌ في مهاوي الطَّيشِ تيهٌ في أعماقِ الصَّحارى
لا أطيقُ بعدَ اليومِ حبلَ الرِّياءِلا أطيقُ مملكةً مفصَّلةً على قياسِ الرُّعبِ

ضِقتُ ذرعاً من جنونِ الحروبِ من مسارِ الدَّهاءِ ومن خباثةِ الخبثاءِ!
يتفاقمُ حبلُ الرِّياءِ عابراً في مخابئِ اللَّيلِ والنَّهارِ متى سنرتدي تيجانَ المحبّة نسيرُ بابتهالٍ نحوَ فضيلةِ الخيرِ نحوَ وَرَعِ الأرضِ نحوَ لبِّ الحياةِ!

صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
[email protected]
نقلاً عن جريدة الزَّمان اللندنية


image


بواسطة : Administrator
 0  0  579
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 05:25 الإثنين 27 مايو 2019.