• ×

قائمة

قصة قصيرة: طفل يرسم أبجدية وطن

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جزيرة كوم كلّ يوم ٍ كان َ يرددُ النشيد الصباحي مع أترابه حيث ُ يقفون أمام سارية العلم السَّوري الممزق من أشعة الشمس والرّياح ، المدرسة المبنية من غرفتين واحدةٌ ينام بها المعلم والأخرى من أجل الدروس حيث يجلس التلاميذ على مقاعدٍ خشبية ٍليتعلموا مبادىء القراءة والحساب.
لا يزال يتذكر معلم القرية .( خليل جرّاح) من قرية في قضاء تلكلخ...
يتذكر كيف كان ذاك المعلم يدور ليلاً على بيوت القرية ليتفقد التلاميذ ويسألهم عن الوظائف وكم كانت له ولمرافقيه من شباب القرية الكبار جلبة ٌ وضجيجٌ يملأ أزقة القرية الموحلة ؟!يتذكر التلميذ جيداً ذاك المعلم كان يحمل في يده جهازاً للإضاءة يُسمى( بيل) أما الشباب فيحملون معهم القنديل الصغير.
تنام القرية بعد أن يستوي الليل حين ينفك الرجال مجلس المختار( الربعة أو اللودة) .
الجميعُ يغطُّ في النوم عدا كلاب القرية الوفية التي لا تنام ولكن نستثني العاشقة والعاشق...في الصباح بعد الفطور يتوجه التلاميذ إلى المدرسة حاملين كلّ منهم قطعة من الجلة اليابسة من أجل وقود ٍ لمدفأة المدرسة.
أجل يتذكر جيداً كيف كان التلاميذ يحملون كتبهم ودفاترهم وأقلامهم حيث يضعونها في كيس معلقة في رقابهم تصنعه لهم أمهاتهم من ثياب قديمة ويُسمى (الكنف).
يتذكر جيداً كيف اشترى والده له ولأخيه حقيبتين مصنوعتين من التنك والخشب وكانتا يومها موضع إعجاب من قبل جميع التلاميذ ؟!!
كم كان يشعر باعتزاز ٍ حين ترك حمل الكنف وبدأ يلوح بيده حقيبته ؟!!.
أجل كمْ كان يحلمُ لربما هو والحلم ولدا معاً .؟!!
يقول عن نفسه بأنه مشروع حلم ٍ قديم لا يمكن أن يتخيله أحد ويضيف صاحبنا ...
الأحلام أحد البوابات الذكية التي توصلنا للحقيقة لأنَّ الحياة بكاملها حلم دون أن ننجزه...
كم كان يحبّ الصعود إلى قمة تل قريته؟!! وكان يردد مع أترابه الأناشيد التي تعلموها في الصف الأول وأغلب الأحيان كانت ترافقهم كلاب القرية حيثما ذهبوا وتقاسمهم خبزهم اليومي وكان يردد متى سأكبر كما جديَّ؟!!!
متمرد لكنه يحافظ على احترام السلطة الأبوية ،كم كان يكره برد الشتاء رغم أنه كان يُحب المطر وهطوله حيث للمزاريب تلك الألحان الرائعة، ليلة ٌالباردةٌ أيقظته على قيمة مدفأة الجلة والحطب التي كانت المصدر الوحيد للتدفئة لكنه أندس في فراشه وهو يردد :كيف سأدرك كنه الوجود والعالم لماذا تخرُّ النجوم حين ننام صيفاً على الأسطحة؟!!!
ما غاية وجودنا وكيف ومتى نستطيع أن نعرف ذلك؟!!!
ويضيف الطفل الصغير وهل سأكتبُ ملحمة جدي الذي بقيَّ شاهداً على مجازر شذاذ الآفاق ولصوص التاريخ؟!!!
كلّ هذا سيبقى مجرد أمنية ،الشيء الوحيد هو أن يعزف لحن أغنية قديمة ،قديمة سمعها من أمه التي كانت تقول له ُ ولإخوته: أنّ جدتها كانت تغنيها...ألحانها حزينة ،رائعة تدخل إلى أعماقك فتوقظها من خمولها.لهذا نجده يبكي حين يسمع أغنيات محمولة على نفس تلك الألحان...
لقد تعلّم في القرية كيف يكتبُ قصيدة ً للمطر والندى ومواسم الحصاد والبيادر وحبه للأرض والبئر الخرافي العتيق وكيف كان يلعب في الصيف على الدروب الترابية مع أترابه؟!!! .
يكبر الطفل ويهاجر ويتنقل مابين البلاد لكنّ غربته لا تعفيه من أن يحمل في دمه تلك المقطوعة الغنائية المفضلة التي تقول : سأبقى انتظر عودة الأرواح التي غادرتنا إلى حيث كانت تعيش.
أجل يُدركُ أنهُ لا يستطيع لوحده بناء الجسر المهدم بينه وبين الآخرين، كتب ذات مرة ٍ أحبُّ البشر ، أحبُّ البراءة والطفولة وأغني للمطر، ليّ مملكة واسعة الأرجاء أسميتها عنوة مملكة الحبّ والنهار سيجمع البشر...لكنه يعيش الرعب والموت البطيء حين يسمع أنّ الإنسان في وطنه يذبح أخيه الإنسان ويسلبه ويقتله ويستولي على ممتلكاته ويغتصب ربما ابنته وزوجته أمام ناظريه ، قبور جديدة تملأ ساحات المقابر الحديثة، لم يعد هناك لا أمن ولا آمان وهو لا يزال يردد متى يصحو الجميع ويعود الوطن كما كانت صورته في أذهاننا.متى يندمل الجرحُ وتنبتُ الرياحين على قبور الشهداء؟!!
متى سيأكل الفقير خبزه بدون ألم ٍ والآخر يأكلُ مالذَّ وطاب من المأكولات؟!! متى لا ينظر إليَّ جيراني بعين ٍ مريبة ٍ؟!! متى يملك الفقراء قيمة الدواء؟!!!
وله من الأسئلة ما يكفي لنسج أسطورة مهاجر.يسميها أطروحة من الألم ...أجل يقول: ما أبشع أن يسيطر الظلم والظلام والقتل ويموت وطني ويتمزق إرباً إرباً...
لم يعد للعصافير من عش ٍ ولا الخيام تأوي الفقراء فأين نموت وأين ومتى سيعود ذلك الحلم الجميل؟!!!
المشهد ُ بقايا بيوت ٍ يعرفُ أنها كانت تأوي أحبة ً وبعضاً من نبوءات ٍ كان قد كتبها على جدران خرائب قريته...الأنهار ستجف والجبال تتهدم وهذه أولى علامات المخاض سيأتي الخراب والحرائق تشتعل ..
من يؤجل موت الياسمين ويزرع في النفوس الرجاء.
على دفاتر عشاق الوطن كتب ذات يوم أحبكم ولكن الخراب سيعم الوطن...
رائحة الموت ....
وينحني كما تنحني الجبال لوطن يبقى هو الأجمل وهو أسطورة العشق الأولى .
***
اسحق قومي
www.ishakalkomi.com
بواسطة : Administrator
 1  0  586
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    17-11-2012 15:44 المهندس إلياس قومي :
    ما أروعك يا أخي وأنت
    تنثر كل هذه العطور
    احلامنا ومرتجى طفولتنا
    وتسوقنا مجبرين للحاق بكل مفردات
    هذه التي انشدتها لنا
    بهذا الصباح
    لأجل وطن بات اليوم
    تنتشر فيه رائحة
    الحزن والخوف والموت والرعب
    وهو الذي كان مصدر
    الأمن والسلام
    حنيني اليك يا أخي وياوطني
    حنيني الى تلك قريتنا تل جميلو
    حنيني الى ساحات الوطن
    وهي تجمعنا من اجل العمل والمحبة
    لا لكي نهدم ونخرب ونقتحم المحرمات
    حنيني اليك وشوقي أبدا لثرى وطني
    هذا الذي يعيش داخلي من صار يؤرقني صبح مساء
    دام قلمك منبر إلهام ووصية نقتفيها
    دمت بخير يا شاعر الحب والجمال
    ***
    • #1 - 1
      18-11-2012 10:46 اسحق قومي :
      الأخ الشاعر والأديب المهندس الياس قومي
      هو الحنين والصدق والشوق كلٍّ منهم يتفجر من خلال إحدى تجليات العمل الإبداعي فكلما أوغلنا في أعماق الروح تجدنا نحنُّ للطفولة والوطن لأنّ الطفولة تعني البراءة والقداسة والطهر وكلّ هذا رغبة ً منّا أننا لا نقبل بالواقع الملون بعدة أساليب لا بل قل نرفض الجانب الوحشي من الواقع الحالي وأما الحنين للوطن فمن قال أننا تجار وطنية مزيفة كنا ؟!!! أعتقد جازما أن من يتولون المناصب والمراتب ويدعون بالوطنية هم أول الذين يقتلون الوطن والمواطن ويحاولون أن يحققوا أجندتهم الخاصة ويدعون بأنهم يمثلون الحرية والعدالة لكنهم أبعد عن كل هذه المواصفات التي لو طبقت لرأينا وطننا جنة الخلد ومركزا للعدل والتسامح والعيش المشترك لكن هيهات.
      أما القصة فهي الحقيقة التي عشتها كما تعرف في قريتنا تل جميلو حين كنا في الصف الأول . أجل هي القرية رحماً أزليا لكلِّ إرهاصات إبداعنا.
      مودتي وشوقي لك
      أخوكم اسحق قومي
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 22:02 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019.