• ×

قائمة

النعارة وعيد العمّال...بقلم آرا سوفاليان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 
النعارة...كلمة لن يعرفها أحد من الجيل الجديد...كنا نستخدمها في ستينات القرن الماضي، والنعارة هي إناء من الفخار المشوي مطلي من الداخل بمادة الخزف، يوضع فيه الحليب الساخن حتى يفتر، ليضاف اليه خميرة اللبن وهي غالباً لبن قديم حامض، فتتم عملية التخمر ويتحول الحليب الى لبن رائب، واللبن الرائب طعام معروف في بلاد الشام يقدم مخففاً بالماء والثلج والثوم ويسمى العيران، ويقدم جامداً مع الملح والثوم أو بدون الملح أو الثوم في زبادي ويدعى لبن الزبادي ويقدم امام أكلات المطبخ الشامي الطيبة وأهمها اليبرق أو ورق العنب الملفوف حول الرز واللحم، والصفيحة وهي العجين باللحم، والكبة بأنواعها المقلية والمشوية والكبة على السيخ، وصرر الأوزي العادية أو الغوظورطما وهي كلمة تركية تعني صرر الاوزي المحشوة بالرز واللحم والدهن والصنوبر واللوز والفستق الحلبي، وفي مصر يطلقون على الحليب مسمى اللبن.
وتحضرني هنا مقامة بغدادية مطلعها اشتهينا الاجاز ونحن في بغداز، لأسقطها على حدث مماثل فلقد اشتهينا اللبن ونحن في اسبانيا، وكنا أنا واوركيسترا السبايدرز الغربية ومعنا المغنية بريندا مانريك والمغنية البريطانية تيرينا كريز نعمل هناك في ماربييا، وطرقنا ابواب كل السوبر ماركيتات ونحن نريد اللبن بدون فائدة، ولمحت علبة بلاستيكية صغيرة في سوبر ماركت ما، ابوابه مشرّعة في حارة ما، من نويفا آندالوسيا، وعلى رفٍ ما، ومكتوب عليها بالتركية يوغورت، فالتقطتها من مكانها وقلت للشباب والبنات إلحقوني وجدتها...ووضعتها في عربة التسوق وقلت للشباب ابشروا سنشرب وناكل أطيب لبن وإن احببتم سأصنع لكم لبنة...ووضعت في عربة التسوق علب الحليب الكرتونية ودفعنا ومضينا، وعندما وصلنا الى البيت وضعت الحليب في اناء على النار وتركته حتى يغلي وانزلته وانتظرت حتى صارت درجة حرارته تزيد قليلاً عن درجة حرارة الانسان، أو توازي درجة تحمل الاصبع للحرارة دون الاضطرار الى رفعه كما تقول السيدة أم آرا، ووضعت علبة اليوغورت كاملة في الاناء مع تحريكة بسيطة مع عقارب الساعة، وفي صباح اليوم التالي كانت على السطح طبقة عميقة من القشدة...والخير كل الخير في الأسفلِ ولم نتذوق في عمرنا لبن بهذا الطعم الطيب ربما لأن غش الحليب في بلاد العجم من سوابع المستحيلات لأنه الغذاء الأساسي للأطفال، بعكس ما يحدث في بلاد الشرق وخاصة في الصين حيث صدر الحكم بالاعدام على عدد من المنتجين الصينيين الذين وضعوا مادة الميلامين في حليب الاطفال لتبدو بمظهر خاثر وتسببوا في مقتل عدد لا يعلمه إلا الله من الاطفال ليس في الصين وحدها بل وفي العالم.
طلبت من الشباب ان يتركوا قليلاً من اللبن لإستعماله في المرات القادمة لكي لا نضطر للعودة الى نفس السوبر ماركت لشراء اليوغورت من جديد...خاصة وان الفتاة التي على الصندوق في السوبر ماركت قالت لي إن هذه المادة لا يطلبها أحد، بعد أن اضطرت للعودة الى السجل لمعرفة ثمنها وكان نظام الباراكود غير معروف في تلك الأثناء من صيف العام 1985
ابنتي الكبيرة تعيش في كآبة هذه الايام ليس لأن المدرسة لا تشبه المدرسة والمعلمات لا يشبهون المعلمات والدوام لا يشبه الدوام والباص على الحواجز لا يشبه الباص، والمذاكرات لا تشبه المذاكرات بل لأن والدة صديقتها في المدرسة مصابة بسرطان الثدي، وان حالتها تسوء ويتم نقلها الى المستشفى في كل مرة، وتروح وتجيء لتسألني أسئلة لا أحب الاجابة عليها.
وهذا المرض اللعين لم نكن نسمع به من قبل ليصبح منتشراً في هذا الزمان ومن أحد الأسباب التخلي عن النعارة!!!
منذ فترة طويلة تم التخلي عن النعارة وصار يتم تحضير اللبن في سطول بلاستيكية يوضع فيها الحليب الساخن حتى يبرد وتضاف اليه الخميرة فيتحول الى لبن يباع بعدها بالكيلو والمصيبة ان سطولة البلاستيك تطرح عند تعرضها للحرارة مواد مسرطنة هي كلوريد الفينيل وتمتزج بالاطعمة ولأن البلاستيك وبأنواعه الأربعة 1 ـ الثيرموبلاستيك 2 ـ الترموستينغ 3 ـ الايثيلين 4 ـ التيفلون (تيفال لا يلصق ابداً) يطرح كلوريد الفينيل فلقد تم منع استخدام مادة البلاستيك لنقل أو حمل أو تخزين الطعام.
ولدينا يتم نقل الاطعمة والاجبان والالبان والمخللات ومماثلاتها من الغذائيات ببراميل البلاستيك الزرقاء الكبيرة بعد استهلاك محتوايتها المستوردة وهي تلك المخصصة للمواد الصناعية اللاصقة كالغراء الأبيض والدهانات وانواع النفط والزيوت والتربنتين والشحوم وملحقاتها وما شابهها، يتم نقل هذه الغذائيات على أسطحة الهوندايات والسوزوكييات في داخل هذه البراميل البلاستيكية وتحت حرارة الشمس اللاهبة، وهي من أسوأ أنواع البلاستيك والتي تطرح بدون حرارة مادة كلوريد الفينيل في كل الاطعمة فتصل هذه المواد الغذائية الى المستهلك مسرطَنة جاهزة، اما لجان التموين واللجان الصحية والمراقبة وحماية المستهلك المرفقة فهي وقبل الأزمة بكثير جداً...واذا اردنا رفع المستوى...فهي مثل غاز البوتان على البلاط.
النعارة مسألة حضارية جداً تشبه أجدادنا الذين كانوا حضاريين أكثر منا بكثير...كانت ترسلني أمي الى دكان ابو محمود وهو أول سمّان لأشتري من عنده نعارة لبن وكان في كل مرة يسألني صغيرة أم كبيرة...فأعود لأسأل ويكون الجواب...مرة كبيرة ومرة صغيرة.
واليوم في عيد العمال 01 05 2013 دخلت دكان ابو محمود آخر، غير ذلك الذي كان جارأهلي في اواسط الستينات من القرن الماضي، ابارك له بمناسبة افتتاح المحل وهو البقالية العاشرة التي تم افتتاحها في حارتي هنا في جرمانا والمسماة الوحدة، وطلبت كيلو لبن والمفاجأة هي السعر الذي يزيد عشرين ليرة وعندما سألته عن السبب قال (دوء ودعيلي) وذهبنا لندوق فكانت النتيجة لبن عيران شطافة يحوي 90% ماء وطبقة بثخن ورقة السيكارة من القشطة متموضعة على السطح!!!
وعدت وقابلني بوجه عابس فقلت له لا تخشى شيئاً نسيت ان ابارك لك بمناسبة عيد العمال فجئت من جديد لأبارك لك بعيد العمال وهي مباركة أخرى لا علاقة لها بمباركة المحل.
أما بالنسبة لللبنات فأنا بعمري لم اتذوق هكذا لبن...وظل الرجل على عبوسه...قلت له معك كل الحق ان تبقى عبوسك لأنه لا يمكنك ان تصدقني...الحلاب يضرب الحليب ماء ويبيعه للموزع الذي يضربه ماء ويبيعه لك لتضربه ماء وتبيعه لنا، وبالنتيجة ضربة تخلع رقبتكم أنتم الثلاثة.
وعدت الى البيت وسمعت الاخبار وملخصها هو الآتي: بمناسبة عيد العمال تم تقديم بعض الهدايا الرمزية للإخوة العمال في ثلاثة مناطق هامة في دمشق الأولى في باب المصلّى والثانية في شارع خالد بن الوليد والثالثة في المزة امام جامع الأكرم، وكل عام وعمالنا بخير إن هم تمكنوا من البقاء بخير، خاصة وان معظمهم لا يملك ثمن علاج ولا ثمن دواء وإن توفاهم الله فهم حتماً لا يملكون ثمن قبر.
آرا سوفاليان
كاتب انساني وباحث في الشأن الأرمني
دمشق ـ عيد العمال ـ الأربعاء 01 05 2013

بواسطة : Administrator
 0  0  1.1K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 12:40 الخميس 20 فبراير 2020.