• ×

قائمة

لا تقتلوا براءة الأطفال

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بقلم المحامي نوري إيشوع - مونتريال في 12.03.2010
إن الذي يجعل للحياة استمرارية، وللأسرة مسرّة وبهجة، وللمجتمع بنيان ومعرفة، هم هؤلاء البراعم الطرية والبريئة، هؤلاء الأطفال الذين يحملون في قلوبهم الصغيرة كل محبة العالم وفرحه، هؤلاء الذين بهم ومن خلالهم ندوس غابات من الأشواك في مشوار الحياة، نتحمل من أجلهم المتاعب والمشقات، ونواجه لأجلهم الشر والأشرار، نضرب الليل بالنهار ونعمل بجدٍ ونشاط ودون كلل أو ملل لنحافظ على الابتسامة الجميلة التي ترتسم على شفاههم.

وقد قال بهم جورج برناردشو قوله المشهور: الحياة شعلة تذوى (تنطفئ) ولكن تتجدد كلما وُلد طفل بالرغم من الصفات الرائعة التي يتحلى بها كل طفل بغض النظر عن سنه، جنسه، معتقداته، لونه من براءة، محبة، فرح، انطلاقة نحو الغد!!!

لكن هناك العشرات من الدول، ومجتمعات لا تحصى ولا تعد. وملايين الآباء والأمهات يرتكبون الفظائع والأهوال بحق هؤلاء الملائكة. وذلك بانتزاع براءتهم منهم، من خلال زرع الحقد في قلوبهم بدلاً من المسامحة، الكره بدلاً من المحبة، الظلم بدلاً من العدل والمساواة، الضغينة بدلاً من الإيمان. هذا التجني الرهيب والمرعب يتم من خلال تلقينهم في الأسرة والمدارس مرة باسم الدين، وأخرى باسم الوطنية. فنراهم في وسائل الإعلام وهم يحملون أسلحة أكبر منهم حجماً وينطقون لا بل يهتفون وبصوتٍ عالٍ وينادون بموت العدو، يلقون أشعاراً حربية وعنصرية وهم يتفاخرون بأنفسهم وبالذين لقنوهم وقتلوا فيهم طفولتهم ودنسوا طهارتهم.

أيها الذين تدعون التربية وتفضلون أنفسكم على العالم، لا تعلموا الأطفال: الخوف لكي لا يتوقعوا الشر، ولا الغيرة لكي لا يعرفوا الحسد، ولا العداء لكي لا يعرفوا المشاجرة، ولا العار كي لا يشعروا بالإثم.

بل علموهم المشاركة مع الآخرين دون تمييز ليتعلموا الكرم، علموهم الأمانة كي يعرفوا العدل، الرضى والتسامح لكي يعرفوا الحب والصبر. ثابروا على تربيتهم تربية روحية تقوم على المحبة والوداعة والطهارة، ليصبحوا من خلالها بحق اللبنات الأولى لبناء مجتمعات الإنسانية الحقيقة لا مجتمعات مزيفة تقوم على أساسات هشة، مبنية على رمال.

ولكن الذي يثير الدهشة والإستغراب هو صمت هؤلاء المشرعون والقانونيون واضعي الدساتير والإتفاقيات الدولية لحماية الإنسان والمواد الصارمة التي تتضمنها بخصوص معاقبة المخالفين لأحكامها، وخير مثال اتفاقية حماية الطفل.
ولكن ما هي اتفاقية حماية الطفل؟

هي اتفاقية دولية كانت الغاية منها حماية الطفولة والأطفال. وقد تم اعتمادها ورضها للتصديق بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 44/25 بتاريخ 20 تشرين الثاني 1989 وقد بدء نفاذها استناداً للمادة 49 في 2 إيلول 1990.

وقد جاء فيها:
المادة -١
حددت سن الطفولة، كل انسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، مع احترام والأخذ بعين الأعتبار سن البلوغ في الدولة التي ينتمي إليها.
المادة -٢

تتعهد كافة الدول الموقعة على هذه الأتفاقية بضمان وحماية كافة حقوق الأطفال الذين يخصعون لولايتها دون تمييز، وبغض النظر عن لونهم أو جنسهم أو لغتهم أو دينهم أو أي اعتبارات أخرى.

تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لحماية الطفل من جميع أشكال التمييز أو الاستغلال وإنزال أقصى العقوبات بحق المخالفين مهما كانت صفاتهم، ضمناً الوالدين، والأوصياء والقيميين.
المادة - 16

لا يجوز أن يجري أي تعرض تعسفي أو غير قانوني للطفل في حياته الخاصة أو أسرته أو منزله أو مراسلاته، أو أي مساس غير قانوني بشرفه أو سمعته، وتتعهد الدول الأطراف بأن تحترم قواعد القانون الإنساني الدولي المنصوص عليه وذلك أثناء الحروب والمنازعات المسلحة والمتعلق منها بالطفولة، وأن تضمن احترام هذه القواعد.

وسؤالي هو: إلى متى تُسن القوانين والدساتير والإتفاقات الدولية وتبقى حبراً على ورق؟
أيها الآباء والأمهات؛ يا مجتمعات التمدن والديمقراطية: لا تنزعوا عن هؤلاء البراعم طفولتهم بتزويجهم وهم في عمر الورود، لا تجبروهم على الزواج من خلال ترغيبهم وترهيبهم، لا تجعلونهم سلعة تُباع وتشترى. وتوقفوا عن استغلالهم في الجنس والإباحية، لا تجندوهم وتعلموهم قرع طبول الحرب وفنونه، وذلك لخدمة مصالحكم وأهدافكم الغير مشروعة.

دعوا الأطفال للفطرة وسوف ترونهم يكبرون ويتحولون إلى ورود وأزهار تفوح بعطرها على الجميع دون استثناء أو تفرقة، دعوهم يصبحون دعاة سلام لا دعاة حرب. دعوهم يتعايشون مع الآخر ويتقبلونه كإنسان، دعوهم أحراراً ليبقوا كما هم، طاهرين وأبرياء، لا تحمِلوا وِزرهم من خلال تلقينكم أفكاراً بائدة عفى عليها الزمان ومضى، لا تحملوا قلوبهم الطرية الناعمة أثقال الحقد والشر والظغينة القاتلة. علموهم التواضع لكي يكبروا. لأن الذي يتضع يكبر والذي يكبر يتضع. توقفوا عن قتل براءتهم، ازرعوا فيهم المحبة لأن الله محبة، وإلا سوف تعلقون في أعناقكم حجر رحى وتغرقون في لجة البحر، وسوف ينطبق عليكم قول رب المجد الذي قال:

ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر.

دعوهم يعيشون طفولتهم البريئة ليكونوا هم الذين دعاهم الرب لأحضانه وباركهم:

وقدموا إليه أولاداً لكي يلمسهم. وأما التلاميذ فانتهروا الذين قدموهم. فلما رأى يسوع ذلك اغتاظ وقال لهم دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحق أقول لكم من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله فاحتضنهم ووضع يديه عليهم وباركهم.
لا تقتلوا براءة الأطفال أيهاالأولياء الأفاضل، وكونوا أنتم أيضاً مباركين لا ملعونين.
أخبار السريان
بواسطة : Administrator
 0  0  1.4K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 19:25 الأربعاء 13 نوفمبر 2019.