• ×

قائمة

الرئيس الأسد والغرب..؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جهينة نيوز- بقلم فاديا جبريل منذ تولي السيد الرئيس بشار الأسد السلطة في سورية، اتخذ الغربُ موقف الحذر المتفحّص لسياسة القائد الشاب الذي بات رئيساً لدولة محورية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، تضطلع بدور محوري في العديد من ملفات المنطقة وتمسك بخيوط الكثير من القضايا العربية والإسلامية، وتعدّ في العقل الغربي مصدراً لمتاعب سياسية كبيرة ومبعث قلق للإستراتيجية الأمريكية في المنطقة، حتى صارت القناعة الجيوسياسية الغربية أن من يريد التنفس جيداً في المنطقة عليه أن يتحكّم بالرئة السورية!!.

لقد انتهجت الإدارة الأمريكية منذ البداية سياسة عدائية محضة، واتّبعت مخططاً دقيقاً يضع سورية في خانة أكبر العقبات التي يجب تذليلها أمام مخططها القادم إلى المنطقة، آملة بوضع سورية ورئيسها الشاب تحت ضغوط كبرى تتمكّن فيها من إعادة هيكلة السياسة السورية على نحو لا يتعارض مع مصالحها، وفي المقابل انتهج الرئيس الأسد سياسة الهدوء والدبلوماسية في التعامل مع المتغيرات والالتفاف على عدم قدرة سورية على كسب المعركة مع الغرب بالضربة القاضية، والاعتماد على كسب النقاط في جولات الصراع المتعددة.

ومنذ أحداث 11 أيلول أخذ المخطّط الأمريكي طريقه إلى المنطقة والعالم تحت مسمّى «الحرب على الإرهاب» بإستراتيجية أحجار الدومينو من خلال العبث باستقرار الدولة «الهدف»، لينسحب هذا على دول مجاورة لها، فبعد احتلال أفغانستان وفي أجواء التحضير لغزو العراق تحركت واشنطن باتجاه دمشق وفق المخطط والرؤية الأمريكية في أن نجاحها في العراق سيعيد ترتيب المنطقة بما يخدم إستراتيجيتها، ومنذ ذلك الحين وُضعت دمشق في قائمة الأهداف الأمريكية عبر سياسة «العصا والجزرة» بهدف توفير عوامل نجاح سير عملياتها الحربية لتحييد سورية «العقبة» وتغيير موقفها الرافض لاحتلال العراق، إذ ألمح ريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية الأمريكي في إدارة جورج بوش الابن إلى العواقب على سورية إذا لم تلب المطالب الأمريكية، حيث قال ارميتاج يومها: (إن العواقب قد تكون أي شيء يجد التحالف أنها تستحقه ويتراوح بين العزلة والإجراءات المالية وصولاً إلى عمل عسكري محتمل).

مع احتلال أفغانستان وسقوط بغداد، ازدادت الضغوط والتهديدات الأمريكية على الرئيس الأسد، ولاسيما في مرحلة إعلان احتلال العراق وتعيين بول بريمر حاكماً له، والتي شهدت تصاعداً في أعمال المقاومة العراقية لتصبح تلك المرحلة الأكثر خطورة في اقتراب سورية من المحرق الأمريكي، كونها باتت تشكل هدفاً إستراتيجياً للولايات المتحدة وحلفائها. ففي اليوم التالي لإعلان بوش انتصاره في العراق، جاء كولن باول إلى دمشق على وقع الآلة العسكرية الأمريكية الذي يُسمع صداها على الحدود السورية، متسلحاً بنشوة المنتصر معتقداً أن سورية أصبحت بين فكي كماشة إسرائيلية غرباً وأمريكية شرقاً، وأنه قادر على ترهيب القيادة السورية، حاملاً معه سلّة مطالب تملي على دمشق المطالب الأمريكية للمرحلة المقبلة، من قطع علاقتها بحزب الله إلى ترحيل قادة المقاومة الفلسطينية من دمشق وصولاً إلى موقف سورية الرافض للاحتلال الأمريكي، فضلاً عن مطالب أخرى تتعلق بالوضع الداخلي السوري.

إن ما قاله كولن باول للرئيس الأسد (بأنك تستطيع أن تكون جزءاً من مستقبل إيجابي أو أن تبقى في الماضي مع السياسات التي تتبعها) يؤكد السعي الأمريكي إلى إلحاق سورية بالفلك الأمريكي، وتحويلها من دولة محورية إلى دولة تابعة على غرار بعض الممالك والإمارات الخليجية. فيما أدرك الرئيس الأسد أن الإدارة الأمريكية تسعى عبر الضغوط والإملاءات إلى إلغاء دور سورية الإقليمي لمصلحتها، فسمع كولن باول من الرئيس الأسد أن سورية (لا تخضع للتهديدات) وليصبح الرئيس الأسد منذ ذلك الوقت الهدف الأمريكي الأول بعد أن أيقنت الإدارة الأمريكية عدم قدرتها على إخضاعه وتطويعه بما يخدم سياساتها تجاه المنطقة.

في ظل مشهد سباق الإدارة الأمريكية مع الزمن بكيفية الحفاظ على إنجازها في احتلال العراق، توسّعت دائرة الضغوط، حيث أقرّ مجلس النواب الأمريكي مشروع «قانون محاسبة سورية» في 16 تشرين الأول 2003 والذي فرض على سورية عقوبات اقتصادية ودبلوماسية لوقف دعمها لما تسميه الولايات المتحدة الإرهاب، وسحب قواتها من لبنان، ومنع وصول الأسلحة إلى العراق، تلاه قرار مجلس الأمن 1559 الذي يدعو إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان. وفي خطوة غير متوقعة ومع اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، اتخذ الرئيس الأسد قرار عودة القوات السورية من لبنان والتي استكملت خروجها في 26 نيسان من العام 2005 حيث كان الاعتقاد أنه لن يتمكن من الانسحاب لاعتبارات تتعلّق بأمن سورية القومي، وأنه مع خروج آخر جندي سوري من لبنان ستكون أول خطوة في سقوط النظام في سورية، حيث سينهار سريعاً بانهيار تحالفاته في لبنان، غير أن سر قوة الرئيس الأسد في أنه يلتزم بالشرعية الدولية وأن ما يفعله في السر يقوله بالعلن، وهم الذين يعرفون جيداً أن دخول القوات السورية إلى لبنان كان من خلال توافق عربي دولي وخروجه كان أيضاً وفق قرار دولي، معتبراً أن المهمة القومية للجيش السوري في وقف الاقتتال اللبناني- اللبناني قد أُنجزت، ومن جهة أخرى سر قوة سورية في أنها تقيم تحالفات إستراتيجية في لبنان أو غيرها، وليس ترتيباً مرحلياً ينتهي بانتهاء المرحلة.

إذاً الرئيس الأسد صمد في تلك الجولة على الرغم من اتهام سورية زوراً باغتيال الحريري والحصار السياسي والاقتصادي والتكالب الدولي الذي تمّ مع الأسف بمشاركة عربية، إلا أن الصمود السوري كان له أبلغ الأثر في تغيير الأحداث في المنطقة إلى غير مصلحة الأميركيين والإسرائيليين.

أما الجولة الأهم في حلقات الصراع والتي أظهرت بوضوح أن رياح الشرق الأوسط تجري بما لا تشتهي السفن الأمريكية، فكانت صمود حزب الله 33 يوماً في حرب تموز 2006 بوجه أعتى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، وسط دعم سوري كامل لحزب الله وللمقاومة اللبنانية، وتهديد دمشق بدخولها الحرب، ما دفع بالأمريكي للعودة من جديد إلى سياسة الاحتواء وتوظيف حلفائه بنسج نوع من التقارب تحت المطالب نفسها، ولكن زاد عليها الابتعاد عن طهران، وأيضاً كان الرد السوري الحازم، أن سورية لا تخضع للإملاءات، وهو ما يشكل جوهر السيادة السورية.

لقد عملت فرنسا وتركيا حليفتا واشنطن في تلك المرحلة على هذا التقارب في سعي لتحقيق المطالب الأمريكية، وتكريس أجندات خاصة، ولكن مع الإصرار السوري في عدم الاستسلام للمشيئة الأمريكية، يمكننا أن نقرأ اليوم مشهد تحالف العدوان على سورية الذي يضمّ إلى جانب واشنطن باريس وأنقرة.

إن فشل الولايات المتحدة في استهداف سورية في عمقها الحيوي اللبناني، وهزيمتها المدوية في العراق دفع بها لتغيير التكتيكات وقواعد اللعبة عبر استهداف سورية من الداخل بهدف إعادة ترتيب المنطقة بما يضمن مصالحها غداة انسحابها من العراق ضمن مخطط ما يسمّى «الربيع العربي»، حيث أعلنت واشنطن حرباً على سورية بالوكالة عبر تنظيمات تكفيرية وإرهابية كـ«القاعدة» وعصابات «الجيش الحر»، لتمرير مشروع تقسيم سورية إلى إمارات إسلامية على النمط الأفغاني لنشهد جولة هي الأخطر في جولات الصراع على المنطقة. وعلى الرغم من كل الإمكانات التي ضختها واشنطن وحلفاؤها للقضاء على حاضر سورية ومستقبلها، إلا أنها مازالت صامدة، فيما على الضفة الأخرى تتخبط الإدارة الأمريكية ضائعة تائهة بين حلول غير قادرة على تحقيقها، من مطلب تنحي الرئيس الأسد إلى إسقاطه أو إضعافه، وسط نشوء نظام عالمي جديد يعيد للعالم بعض توازنه ويضع أمريكا في موضع الباحث عن مخارج من مستنقعات الشرق الأوسط الذي لم تفهم لغته بعد!!.

نعلم علم اليقين أن السيد الرئيس بشار الأسد الذي خاض ويخوض صراعاً لم يتوقف يوماً ضد التبعية والاستسلام للمشيئة الصهيو-أمريكية، ويواجه اليوم أقذر أنواع الحروب التي ابتكرتها العقلية الأمنية والعسكرية الغربية، سيذكر التاريخ دوره المفصلي المحوري الذي لعبه في صمود سورية بوجه تسونامي التغيير العالمي المزعوم.

ونعلم أيضاً أن سورية الصغيرة بمساحتها والكبيرة بشعبها وجيشها أصبحت مع قيادة الرئيس الأسد قلب العالم، ومنها سيتحدّد مصير المنطقة ربما لعقود قادمة، بل صرنا على يقين بأن الغرب هو من سيقدر ويحترم خصماً عنيداً منطلقه المصلحة العليا لبلاده أكثر بكثير من بعض الأنظمة العربية التابعة القائمة على التزوير ابتداءً من تزوير نسبها وصولاً إلى تزوير الدين والتاريخ والجغرافيا.

عن صحيفة تشرين
بواسطة : Administrator
 0  0  513
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 03:55 السبت 7 ديسمبر 2019.