• ×

قائمة

بسمة فرح على وجه الكنيسة اسمها مريم.

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جزيرة كوم مريم العذراء، الكلّية القداسة، شخصيّة مهمّة جدّاً في حياتنا ولها تأثير كبير في حياة كلّ مؤمن لا سيّما في مسيرة حياته الرّوحيّة. فالسّيّدة الّتي عاشت طاعة الإيمان وعرفت ابنها وأحبّته، تعلّمنا وترشدنا إليه وإلى محبّته. عرفت مريم أنّ عليها أن تعيش المسيح وتسلك كما يقول وكما يريد وكما يفعل. وعرفت كيف تتجاوب مع مشروع الله الخلاصيّ وكيف تسلّم ذاتها كلّيّاً لمشيئته عن ثقة ووعي. " وكانت مريم تحفظ كلّ هذه الأمور في قلبها وتتأمّلها".( لوقا 19:2). فالقلب الّذي يطلبه منّا الرّبّ هو مركز الفهم والإيمان والمحبّة.
تعلّمنا مريم أنّ طاعة الإيمان هي أهمّ فعل حرّ في حياة المؤمن، فهذه الطّاعة لا تنبع من خوف أو استسلام لا إراديّ وإنّما هي تجاوب محبّة مع مشيئة الله المهتمّ بخير الإنسان. كما أنّ هذه الطّاعة هي فهم قلبيّ لما يريده الله حتّى ولو لم يعِ العقل تماماً المشيئة الإلهيّة. عندما قالت مريم: " ها أنا أمة الرّب، وليكن لي بحسب قولك" ( لوقا 38:1)، لم تكن لتفهم معنى أنّها ستحبل من الرّوح القدس وتلد ابناً يكون عظيماً وابناً للعليّ يدعى. لكنّها في مسيرتها الحياتيّة كانت تتأمّل هذا السّرّ العظيم، ما منحها أن تفهم في قلبها كيفيّة السّلوك بالإيمان. أحياناً ليس علينا أن نفهم بعقلنا ما يريده الله بل أن نطيعه بثقة لأنّنا نعلم أنّه لا يريد إلّا خيرنا. ينبغي الوثوق بالله المحبّة، فالمحبّة لا تخذل أبداً ولا ترتضي إلّا الخير والصّلاح. ونحن كمحبّين لله علينا أن نفهمه بقلبنا، فالحبّ لغة القلب لا لغة العقل.
ثمرة الطّاعة هي الفرح، فرح الرّبّ الممنوح لنا. ذلك الفرح الّذي لا يقدّر بثمن ولا يؤمّنه لنا العالم مهما أتانا من أمور حسنة. فرح العالم يفنى ويزول وأمّا فرح الرّبّ فيبقى أبداً. من يسلك في طاعة الإيمان يفيض عليه الرّبّ فرحاً وسلاماً فيسير في هذا العالم بخطىً ثابتة، مواجهاً كلّ الصّعوبات بثبات وقوّة وصمت مدركاً في قلبه أنّ الله يعتني.
لا يمكن الحديث عن مريم بمعزل عن يسوع المسيح إذ إنّها مرتبطة به ارتباطاً وثيقاً وتعرفه معرفة عميقة، وبالتّالي فإنّها تعلّمنا أنّ مرافقة يسوع تتطلّب معرفة يقينيّة له وعلاقة حميميّة معه حتّى نتمكّن من السّلوك بحسب مشيئته بحبّ وثقة. إنّ أهمّيّة المعرفة العميقة تعني أنّ يسوع هو عزاؤنا الوحيد ورجاؤنا الوحيد، وأنّه محور حياتنا. كي يقول شخصان أنّهما يعرفان بعضهما البعض، فهذا يعني أنّهما يلتقيان باستمرار ويصغيان إلى بعضهما البعض محاولين الوصول إلى فهم الطّريقة الّتي يفكران بها. وإلّا كيف يمكن أن يبنيا علاقة وثيقة تؤدّي إلى معرفة عميقة؟ لقاؤنا مع الآخر هو التّعرّف عليه والإصغاء له واللّقاء به باستمرار فتمسي معرفتنا به يقينيّة وعميقة. كذلك هي علاقتنا بالله، ومن غير الممكن أن نعرفه ما لم نلتقِ به دائماً ونصغِ له حتّى نفهم مشيئته. وغالباً ما نهمل هذه المعرفة ونحصر علاقتنا بالله بصلوات لفظيّة مع أنّ الرّبّ يريد قلبنا وليس شفاهنا. كي نفهم ما يريده الله منّا، تبيّن لنا مريم أنّه علينا أن نطيعه بفرح مصغين له بصمت ومسلّمين كلّ حياتنا له، واثقين أنّه مهما كان من حزن وألم ومآس حياتيّة، فكلّها ستتحوّل فرحاً، لأنّ المسيح أتى لتكون لنا الحياة ويكون لنا الفرح. فرح الرّبّ هو الرّبّ نفسه السّاكن فينا والمرافق لنا في كلّ لحظة من حياتنا، وهو محبّتنا للمسيح كما أحبّنا هو.
ما عاشته مريم في حياتها من طاعة وتأمّل وإصغاء جعلها تقف عند أقدام الصّليب بثبات وقوّة ورجاء بأنّ المسيح لم ينتهِ على الصّليب، مع أنّ العالم كلّه ظنّ أنّه مات وانتهى وانطوت مرحلة من تاريخ البشر. مريم وقفت عند أقدام الصّليب كمؤمنة وليس كأمّ مفجوعة، ولا يذكر لنا النّص الإنجيليّ أنّها ناحت أو بكت وإنّما وقفت تتأمّل هذه المرحلة بإيمان وثقة بالكلمة الإلهيّة. وبهذا الفعل تعلّمنا مريم أنّ الإيمان بالمسيح هو حضور شخصيّ مع الرّب حتّى النهاية وأمانة للرّب كما هو أمين معنا.
مريم، شخص الأمومة الّذي أراده الله مرافقاً لنا في حياتنا. الأمّ الصّامتة والفاعلة في آن الّتي نلتجئ إلى ظلّ حمايتها كلّ حين، فنستظل بحنانها وننعم بتفقّدها لنا ويطيب لنا أن تتشفّع لنا عند ابنها الحبيب.
مريم بسمة الفرح على وجه الكنيسة، بميلادها بُشّرت بالفرح كلّ المسكونة لأنّه منها أشرق شمس العدل المسيح إلهنا فحلّ اللّعنة ووهب البركة وأبطل الموت ومنحنا حياةً أبديّة.
مادونا عسكر/ لبنان
كاتب الأيقونة: أيمن نعمة/ سوريا
بواسطة : Administrator
 0  0  549
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 09:27 الأحد 19 يناير 2020.