• ×

قائمة

الممرِّضة وسر الأيَّام الثلاثة فريد توما مراد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جزيرة كوم الممرِّضة وسر الأيَّام الثلاثة .

تفضَّلي إجلسي..... قال لها الطبيب ..ثم تابع كلامه :
- أنكِ وكما أعلموني تبحثين عن عمل كممرِّضة ، ولهذا السبب أنتِ هنا .
- نعم يادكتور ..هذا إذا كنت بحاجة إلى ممرضة في مشفاك ..
- بالحقيقة أنا بحاجة ، وتستطيعين أن تبدئي متى شئتي لنرى مهارتكِ في العمل من ثمَّ نقرر ..
- وليكن كذلك يادكتور ... سوف أبدأ العمل غداً صباحاً لكن لديَّ شرطاً واحداً..
وقبل أن تكمل كلامها قاطعها الطبيب وقال :
- إذا كان هذا الشرط يتعلَّق بموضوع الراتب ، لاتفكِّري به البتّة ، فسوف تكونين مرتاحة من هذه الناحية ، وستقبضين بالزيّادة وليس بالنقصان ..
- لا أبداً يادكتور ! فشرطي لايتعلّق بالنقود ولا بالمقدار الذي ستدفعه لي
فالنقود آخر شيء ممكن أن أفِّكر بها .. شرطي الوحيد أن تسمح لي بإجازة ثلاثة أيَّام كل أسبوعين على نفقتي الخاصّة ، بشرط أنك لاتسألني مطلقاً لماذا ؟ وماذا سأفعل ؟ وأين سأذهب ؟ .. إن قبلت به سأبدأ العمل غداً صباحاً ، وسأكون بإذن الله عند حسن ظنك .. وإن لم تقبل .. فهذا خيارك ، ولك يرجع القرار الأخير .
غريب أمر هذه الممرضة !.. وغريب هو شرطها !... ثلاثة أيام كل أسبوعين ! ياترى ماوراء هذه الإنسانة ؟ وماذا تخبِّىء من أسرار ؟ على أيّة حال هي حرّة في حياتها الخاصة ، فهي ملكٌ لها ، ولا تهمَّنا كثيراً .. مايهمنا هو إخلاصها بالعمل ، لهذا دعنا نرى قدراتها أولاً ، من ثمَّ نحكم عليها ( هكذا راح الطبيب يحاور نفسه ) .
- أتفقنا يا....
- أسمي مريم
- أتفقنا يامريم .
***
لم يمضي على مريم سوى فترة قصيرة بالعمل حتى نالت رضى وإعجاب الجميع .. كانت متفانية بعملها ، ومخلصة لرسالتها ، لم تكن تفرِّق بين مريضاً ومريض مهما كانت خلفيَّته ، الكل كانوا عندها سواسيّة يعاملون بذات المحبّة وذات الغيرة .. كانت كالأم الحنون على أولادها .
ودارت الأيّام ، ومرَّت الشهور ، ومريم لم تخلف أبداً إجازتها ( ثلاثة أيام كل أسبوعين ) .. وعندما كانت تعود لم يسألها أحَّداً أين كانت ؟ وكيف قضت الإجازة .. وربما كانت تعليمات الطبيب بشأن ذلك ..
حدث في إحدى الأيام أن تعبت ( أم الطبيب ) وبدأت صحَّتها تتدهور .. إمرأة كبيرة في السن .. ولكنها أم الطبيب صاحب المشفى ، وعزيزة جدّاً على قلبه ، لهذا أراد أن يحيطها بعناية خاصة ، فلم يرى أكفأ من مريم لتقوم على خدمتها وتمريضها..
أستلمت مريم مهمَّتها الجديدة ، وتفرَّغت كليَّاً لخدمة والدة الطبيب..وراحت تعاملها وكأنها أمَّها التي أنجبتها ..تسهر معها .. وتنام على نومتها .. وقبل أن تغفو تقرأ لها فصلاً من الكتاب المقدَّس ..أصبحت أم الطبيب شغلها الشاغل ، لاتفكر بشيء سواها ، وبالأيّام الثلاثة التي لا تستغني عنهم أبداً .
***
لم تكن الممرِّضة وحدها في تلك الليلة عندما كانت تقرأ في الكتاب المقدَّس
للأم الراقدة في السرير وقد دبَّ النعاس بعينيها .. كانت تقاسمهم الغرفة في تلك الأثناء زوجة الطبيب ..وكانت تجلس في الطرف الآخر من سرير الأم ، تنظر إلى الممرِّضة ، وتسمع بشغف عميق ماتقرأه من كلام الرب الذي ينساب ويقطر من بين شفتيها كالماء العذب ...
وفجأة صرخت زوجة الطبيب : ياإلهي... ياإلهي ..ثمَّ وكأنَّ لسانها إنعقد عن الكلام ، فراحت تشير بيدها إلى الكتاب المقدس المفتوح بين يدي الممرِّضة وكأنها تحاول أن تقول لها إنظري .. إنما بقي الكلام عالقاً على لسانها يأبى الخروج ، وكأنما لسانها ألتصق بسقف حلقها ... ومن غير إدراك كامل ضغطت على زر الإنذار المتّصل مباشرة مع غرفة الطبيب ، والمجهَّز خصيصاً لحالة والدته .. ففهم من الإشارة وكأنهم يقولون : ( أسرِع والدتكَ في خطر ! ).
عندما دخل الطبيب الغرفة ونظر والدته في سريرها مفتوحة العينين تنظر إلى زوجته بحيرة وكأنها كانت متعجِّبة من تلك الصرخة التي أطلقتها ولم تعرف لها مبرِّراً.. ثم نظر إلى زوجته التي كانت لاتزال مندهشة ..ثم إلى الممرِّضة والكتاب المقدس المفتوح بين يديها.. قال :
- ماذا حدث ؟.. ولماذا أستدعيتموني ؟
وهنا فُكّتْ عقدة لسان زوجته فقالت :
- ألم تلاحظ كيف يقطر الزيت من الكتاب المقدّس ؟ أنظر...أنظر ..ياالله إنها معجزة !.
لم يكن الزيت يقطر فقط من الكتاب المقدّس ، إنما كان كل الكتاب وكأنه غُطس في برميل زيت .. كانت صفحاته كلّها قد إلتصقت ببعضها البعض.
- من أنت ِ ؟ ( قال الطبيب موجهاً كلامه للممرِّضة ).. أظن لقد آن الأوان لأسألكِ من تكوني .. وما سر الأيَّام الثلاثة التي أشرطّي عليَّ أن لا أسألكِ عنهم .. لقد مضى أكثر من عام وأنا ساكت .. وربما لم أكن أسألكِ أبداً لولا
مارأيته اليوم بأمَّ عيني .. قولي .. إنطقي .. أأنتِ من الإنس أم من الجن ؟ أيّة مخلوقة أنتِ ؟ وماذا تخبِّئين من أسرار وراء هاتين العينين الدامعتين ؟
نظرت الممرّضة إلى الطبيب وهي تمسح الدموع المنحدرة على خدّيها وقالت :
- إطمئن يادكتور .. فأنا مخلوقة عاديّة ، ولست من الجن . وها أنتَ الآن تجبرني على الكلام ، وكأنك نسيت شرطي والوعد الذي قطعته معكَ يوم بدأتُ عملي في مشفاك !.. على أيّة حال فلطالما أنت مصرٌّ أن تعرف حقيقتي ..سأحكي لك قصَّتي ، وأفشي بسرّي .. وأمري لله يادكتور .
***
من زمان جائني النصيب وتزوَّجت من رجل يعمل في سلك الدولة أنتقلت معه بحكم عمله إلى إحدى مدن الساحل السوري . لم يحالفنا الحظ هناك
فبدأت أحوالنا الماديّة تتعسَّر لأسباب لا أحب أن آتي على ذكرها لكي لا أطيل الكلام ، وسأحاول أن أختصر قصَّتي قدر الإمكان . أجل يادكتور ساءت أحوالنا جدّاً حتى رأينا أنفسنا في النهاية نعيش في غرفة أشبه بالكوخ . لم نكن وحدنا الفقراء في ذاك الحي .. فالحي كلَّه كان يدعى ( حي الفقراء ). بجوارنا كانت تسكن إمرأة لها ولدان معاقان .. كلاهما مصابان بشلل الأطفال.. أحمد البالغ من العمر سبع سنوات .. وأمين الذي كان يصغره بثلاث سنوات والذي أتى إلى هذه الحياة في نفس السنة التي غادرها والده . كانت جارتنا (أم أحمد ) تخدم في البيوت لتؤمّن لقمة العيش لطفليها المعاقين .
لم نكن قد أستسلمنا للنوم كلّياً عندما سمعنا صوت بكاء وعويل منبعث من الغرفة المجاورة لنا .. هرعنا أنا وزوجي لنستطلع الأمر .. كان البكاء يصدر من بيت جارتنا أم أحمد .. دخلنا.. وليتنا مادخلنا.. وليتنا مارأينا . كان مشهداً مأساويّاً للغاية .. الأم ممدَّدة على الأرض تنازع .. وولديها جالسين عند رأسها يبكيان ويصرخان .
- جارتنا... جارتنا ..مابكِ ؟.. ماذا جرى ؟ صرختُ بها . لكن جارتنا لم تنبس ببنة شفة . أقتربتُ منها أكثر ونظرت في عينيها ، كانتا نصف مفتوحتين ..أمسكتُ بيدها وحرَّكتها قليلاً ، لكن دون جدوى ..قلتُ: يالله
ماذا دهاكِ ياجارة ؟ .. ماذا حصل ؟.. رأيتها تحرِّك شفتيها بصعوبة
ثمَّ تنهّدت وقالت بصوت متقطّع : ( الأولاد أمانة في رقبتك يامريم ) .
ماتت جارتنا أم أحمد وتركت لي أثقل أمانة في حياتي .. فقر .. وجوع ..
وتعتير.. ثمَّ طفلان مُقعدان ! رحمتك يارب .. مالعمل ؟ .
- لن أطيل عليك يادكتور ، وسأحاول أن أختصر كلامي كما وعدّتك ...
ساءت الأحوال أكثر فأكثر .. هجرني زوجي دون رجعة ..وبقيت وحيدة مع أحمد وأمين .. لم أترك ميتماً إلاَّ وقصدته ، علَّني أجد مكاناً لهما ، لكن دون جدوى ! الكل كان يتحجَّج بعدم وجود أماكن .. الميتم مليء ولا يستوعب أكثر من ذلك . أخيراً نصحوني أن أذهب إلى الحاج تيسير المشهور بكرمه وبيده السخيّة ..فهو لايرد قاصداً إليه ، وهو المموِّل لأكثر من ميتم .
ذهبت إلى الحاج تيسير يادكتور .. ولكي لاأطيل الكلام .. أمر بإدخالهم الميتم على نفقته الخاصة .. وكانت فرحتي كبيرة وقتذاك .. وكنت أزورهم
بإستمرار .. وكانا سعيدين جداً .. إلى أن جاء يوم أستيقظت فيه في إحدى الصباحات الباكرة لأذهب إلى عملي . شعرت وكأنَّ شيئاً ما يكمن تحت صدري الأيمن .. مررت براحة يدي فوق المكان ، فتبيَّن لي وكأنَّها عقدة أو شبه كتلة لحميّة واضحة ... المهم يادكتور لن أطيل عليك .. قرَّر أطباء المستشفى الوطني بالإجماع أنها كتلة سرطانيّة خبيثة لاشفاء منها ولا علاج لها حتى وإن أستأصل الثدي بكامله ، لأنَّ الوقت قد تأخَّر جدّاً ، ولا فائدة من كل الإجراءات ... إذاً أنا ميِّتة لامحالة ..هكذا قلت لنفسي .
وبقيتُ في المستشفى الوطني ليس للمعالجة بل لتخفيف الألم الذي كان ينتابني بين الفينة والأخرى.. وتوالت الأيّام ، ولم أنسى أحمد وأمين أبداً وكيف أنساهما وهما أمانة في عنقي ؟! كانا قد تعلّقا بي يادكتور وكأني الأم التي أنجبتهم...وأنا أيضاً .. لكنّي أنقطعت عنهم بحكم المرض الذي داهمني بغتةً .. ليس هناك من داعٍ لأخبرك يادكتور عن الليالي التي كنت أقضيها حتى الصباح بالبكاء والنحيب .. تارة على أحمد وأمين .. وتارة على نفسي .. وأخرى على حظنا من هذه الحياة ... و ..وكان فجر
إحدى الليالي يادكتور..كنت فيها مابين النوم واليقظة عندما تسرَّب ضوء النهار عبر زجاج النافذة إلى عينيَّ المتعبتين ، فعلمت أن الصباح قد دنا .
واصلتُ نومي .. وربما لم أكن بنائمة ؟ فقبل قليل كانوا قد أعطوني جرعة المسكَّن وكنت منهمكة للغاية وشبه مخدَّرة .. لهذا لاأستطيع أن أجزم أنَّ مارأيته كان في الحلم أم في اليقظة !.. رأيتُ يادكتور خيوط الفجر المتسربلة عبر زجاج النافذة ، تتحوَّل إلى شبه هيكلاً بشريَّاً نورانيّاً.. كانت
إمرأة ...أجل إمرأة يادكتور ..ترتدي حلَّة من النور الناص البياض .. متمنطقة بزنارٍ لونه بلون زرقة السماء ..كانت ترتسم على شفتيها إبتسامة
لكنها كانت تبدو وكأنها حزينة .. تقدَّمت نحوي ومدّت يدها اليمنى ووضعتها على صدري مكان تواجد العقدة الخبيثة ..وقالت بنبرة عجيبة :
( أتيتُ لأشفيكي من أجل الأطفال .. إذهبي إليهم بسرعة ).
قفزتُ لأرتمي عند قدميها ، لكني لم أجدها ..كما أتت ، هكذا أختفت .
ولكي لاأطيل عليك يادكتور... شفيتُ كليّاً ..لم يبقى أثراً للسرطان الخبيث في جسدي ..هذا ماأجمع عليه الأطبّاء . وأوّل مافعلته نزلت إلى محطة الباصات واستقلّيت الباص الذي يأخذني إلى المدينة التي يقع فيها ميتم الأطفال، وماأن لمحني العاملون هناك قادمة ..صرخوا: أين أنت يامريم ؟ لقد بحثنا عنكِ في كل مكان !
- خير إنشاالله ؟ حصل مكروه للأولاد ؟ ( قلت وجسدي يرتجف )
- إسرعي يامريم ..أحمد وأمين مجرّد هياكل عظميّة ! لقد أضربا عن الطعام منذ غيابكِ عنهم .. ولاينقطعا عن البكاء والصريخ .. وليس على لسانهما سوى : ( بدنا ماما مريم .. بدنا ماما مريم ).
والآن يادكتور تسألني عن ( سر الأيام الثلاثة ) وأين أختفي بهم ؟ وماذا أفعل ؟... إنني أذهب إليهما يادكتور ..أكون معهما .. لأنهما أمانة في رقبتي ..لأنهما أصبحا ليَّ بمثابة أولادي ... هذه هي قصّتي يادكتور .
كان الدكتور ينظر إليها طيلة الوقت بعينين مغرورقتين بالدموع..
أخيراً تنهَّد وقال :
- هل ليَّ أن أسألكِ يامريم سؤالاً قد يكون محرجاً بعض الشيء ؟
- تفضّل أسأل دون حرج يادكتور ..
- أأنتِ مسيحيّة بالأصل يامريم ؟ أم عابرة ؟
- لا يادكتور لست بعابرة .. أنا مسيحيّة الأبوين .. ولكن إذا أردت أن تسألني أكثر ، أُفضِّل أن نؤجِّل الكلام لوقت آخر ، لأنني أرى الوالدة قد تعبت ويجب أن تنام .

فريد توما مراد
ستوكهولم - السويد
بواسطة : Administrator
 0  0  507
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 08:53 الأحد 19 يناير 2020.