• ×

قائمة

أعِدني إلى بلدي ياولدي . فريد توما مراد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جزيرة كوم أعدني إلى بلدي ياولدي ؟

كانت فرحة اللقاء كبيرة عندما ألتقى العم إسحق إبنه جورج بعد مرور سنين طويلة على إفتراقهما..
كان جورج في العشرينات من عمره عندما ترك الوطن متّجهاً نحو المجهول . لم يكن يعلم بأنها المرّة الأخيرة التي يرى فيها أمّه .. لقد ودَّعت هذه الحياة بغتةً بعد رحيله ببضعة سنوات .. ليبقى الوالد وإبنته سوسن يتقاسمان لقمة العيش في ذاك البيت الذي كان يضم بين جدرانه في يومٍ من الأيام خمسة أفراد.. هو وزوجته مريم وولديهما جورج وكبرئيل الذي رحل عن هذه الحياة في سنٍ مبكِّرة ، وسوسن الأخت الوحيدة التي جاءها النصيب لتتزوَّج وتنتقل بعدئذٍ إلى بيتها الجديد ، فيمكث الوالد الذي كان قد قارب السبعينات وحيداً يداري نفسه بنفسه إلى أن جاء اليوم الذي ترك فيه كل شيء ليلبّي طلب إبنه جورج ويسافر إليه بعيداً ، إلى ماوراء البحار... إلى حيث يقطن .
***
آه منكِ أيّتها الحياة !( قالها العم إسحق بحرقة موجعة ، وهو يمسح بمنديل عينيه المبتلَّتين بالدموع )... أين هي تلك الأيّام ؟ أين هم الأحبّة ؟
الخِلاَّن ؟.. الأصدقاء ؟.. الجيران ؟ أين هي مريم زوجتي .. شريكة عمري ؟ أين هو حبيبي الغالي ..إبني كبرئيل ؟ أين أبي وأمّي وإخوتي؟ أيه رحمهم الله جميعاً ، فهم في عالمٍ آخر، وأنا أيضاً أصبحت الآن في عالمٍ آخر ، ولكن ليس كعالمهم ..ولا كعالمي الذي كنتُ أعيشه سابقاً !. لماذا ياولدي أتيت بي إلى هذه البلاد ؟ لماذا فعلت ذلك ياجورج ؟ لماذا لم تتركني هناك قريباً من قبور الأعزّاء؟.. هناك ياولدي كنت أتنفس الصعداء كلّما جالستُ أحّد الأصدقاء القدامى .. كلّما سمعت صوت ناقوس الكنيسة عصراً يدعونا إلى الصلاة .. كلّما أستيقظت في الصباحات الباكرة على زقزقة العصافير فوق شجرة التوت . (هكذا كان العم إسحق يخاطب نفسه) كان وحيداً بين أربعة جدران يأفئف وينظر من خلال زجاج النافذة إلى سارية عالية بيضاء ، يرفرف فوقها علمٌ باللون الأصفر والأزرق ..ثمّة أسطحة قرميديّة تحجب عنه الرؤية.. كل مايراهه عبارة عن بعض الأشجار المتنوّعة ، تتمايل أغصانها يمنة ويسرى حينما تتخلّلها الرياح الربيعيّة المنعشة . لم يكن قد مضى على إقامته في السويد سوى
بضعة أشهر .. في البداية لم يشعر بالوحدة كما يشعر بها اليوم ، فحرارة اللقاء بإبنه وأحفاده ، وبعض الأهل والمعارف الذين حالت الغربة بينه وبين لقياهم منذ زمنٍ بعيد .. كل هذه الأسباب وغيرها التي أنسته أنه في بلد الإغتراب ، والتي بدأت تخمد تدريجيّاً ، بعودت كل واحد إلى حياته المعتادة ، ليرى نفسه في النهاية وحيداً لاخليل ولا مؤنِّس .
وكرِّت الأيام ببطءٍ شديد ، وفي كل يوم يزداد العم إسحق مللاً وهمّاً وغمّاً.
فالعائلة الصغيرة التي كانت تستيقظ كلِ صباح وتستعجل الخروج من البيت ليتّجه كل واحدٍ إلى ناحية .. يذهب جورج إلى عمله .. وتذهب زوجته ( سلوى ) هي الأخرى إلى عملها .. وريم وسامر وفادي إلى مدارسهم .. فيبقى هو وحيداً كالعادة أمام التلفاز والقنوات العربيّة ..أو يخرج أحياناً إلى حديقة المنزل ، لكنه لايتجاسر إختراق أسوارها خوفاً من الضياع والتيهان .
***
- أرجوك ياولدي إسمعني جيّداً ( قال العم إسحق موجهِّاً كلامه إلى إبنه بينما العائلة الصغيرة كلّها مجتمعة في تلك الليلة .. ليلة الأحّد ..إنها الليلة الوحيدة التي تستطيع فيها العائلة السهر ، حيث لا يعقبها عمل في اليوم التالي ).
أرجوك ياولدي لي طلبٌ عندك أتمنى أن لا تخزلني كرَّر العم إسحق رجاءه بعد أن رشف قليلاً من الماء .
- خير إنشاء الله يابابا ... طلباتك أوامر..- أجاب جورج -
- إنني ياولدي أشعر وكأنني أختنق ببطء ، كالسمكة عندما يخرجوها من المياه .. أرجوك أعدني إلى المياه .. أعدني إلى حيث كنتُ ..هذه البلاد لكَ ولإولادك .. هنا أعمالكم وأشغالكم ومدارسكم ومستقبلكم ... أمّا أنا فليس لي حجَّة على البقاء .. والحمدلله ها أنني قد رأيتكم واطمأنيت عليكم وهذه كانت أمنيتي قبل أن أودِّع هذه الدنيا .
- أكيد أنك تمزح يابابا قال جورج -.. على كلٍّ مقبولة منك هذه المزحة .
- لا..لا.. ياولدي ! فأنا لم أكن جاداً أبداً مثل الآن .. أجاب العم إسحق -
- أنهون عليك يابابا لتتركنا وترحل ؟ وماذا عن الأولاد الذين تعلّقوا بكَ ؟
- الأولاد سأحملهم معي في قلبي ياولدي ( وغرورقت عيناه بالدموع )..
- ولكن أنسيت يابابا لم يبقى لنا أحّداً هناك ..حتى سوسن هاجرت مع زوجها إلى هولندا ..من سيديركَ ؟ كيف ستتدبّر أمورك لوحدك ؟ على كل حال هذا كلّه قد يكون محمولاً ، ولكن ماذا عن الحرب ؟! كيف ستعود إلى النار ثانية برجليك ؟ أنسيت أن المنطقة كلّها على كفِّ عفريت ، وذبح الإنسان أصبح أهون من ذبح دجاجة ؟! .. لا.. لا.. هذا مستحيل !!!
أطلق العم إسحق حسرة عميقة وقال :
- المدبِّر والمعين هو الله ياولدي ، والأعمار بيديه ! أمَّا عن الحرب فالمكتوب ليس منه مهرب .. إنها ليست المرّة الأولى ..هذا نصيبنا .. وكل شي قسمة ونصيب ... كل شي قسمة ونصيب ياولدي .
- أهل ضايقكَ أحّداً يابابا ؟ أرجوك تكلّم .. فأنا مستعد أن أفديك بروحي ..قل لي فقط ماذا تريد .. وأنا سألبّي كل طلباتك ..
- لا ياولدي ..لا ..لم يضايقني أحّداً منكم ، وأنا بعد هذا العمر ليس ليَّ من مطلب سوى رحمة الله .. إنما ياولدي هو الحنين ليس إلاَّ ! هناك ذكرياتي
كلّها .. عندما كنتُ أخرج من البيت كانت تتراءى لي أمّك وهي تنشر الغسيل أو تشطف الحوش ..تبتسم وتقول : الله معك ياأبو جورج ..تروح وترجع بسلامة . وهكذا عندما كنت أعود أتخيّلها وهي تستقبلني بذات الإبتسامة .. كنتُ أراكَ وأخاك كبرئيل وإختك سوسن تلهون وتمرحون
وتتراكضون خلف بعضكم البعض ، وأنا جالس تحت دالية العنب أشرب الشاي أنظر إليكم بفرح وغبطة ، وأدعو إلى الله أن يحميكم من كل سوء ..
أرجوك ياولدي لاتحرمني تلك الذكريات .. دعني أعيش ماتبقّى من حياتي
وأنا أتخيّل وأحلم .. وما أدرانا ، قد تكون هذه الحياة التي نعيشها مجرّد حلم !.. من يعلم؟!.. لهذا دعني أحمل حلمي معي وأنا أغادر هذا الكوكب .. صعبٌ عليَّ أن أغادر وفي صدري غصّة .. أنا هنا بجسدي ياولدي ، لكن روحي هناك .
- ولكن ياأبي أنت تعلم أن الرجوع مستحيل .. قال جورج
- مستحيل ! كيف يكون مستحيلاً ياولدي ؟ .. ياللعجب وأنا أسمع منك هذا الكلام ، ألستَ أنتَ الذي كنت تتحاور وتتناقش ومجموعة من أصدقائك قبل أيّام هنا في هذا البيت... كنت منفعلاً وسمعتكَ تقول :
إن تلك الأرض ، أرض مابين النهرين ، أرضنا منذ آلاف السنين ، ولابدَّ أن نعود إليها آجلاً أم عاجلاً ، ولن نسمح لأحّد أن يسلبها منَّا .. إنها غيمة وتنقشع ..نحن هنا في هذه البلاد ضيوف وسنبقى ضيوفاً مهما طال بنا الزمن .
- ولكن كان ذلك مجرّد نقاش يابابا - قال جورج
- إذاً أنتَ ذاتكَ لستَ مقتنعاً بفكرة العودة ثانية ياولدي ؟
- ربما في الوقت الحاضر لا يابابا .. ولكن علينا أن لانقطع الأمل كليَّاَ ، فإذا لم تسمح لنا الفرصة بالعودة اليوم ، قد تسمح غداً لأولادنا .. أو لأحفادنا ..المهم مهما طال الزمن لابدَّ من العودة ... وسنعود ولو بعد ألف سنة .. ولو بعد مليون سنة ( وكأنَّ جورج بهذا يؤِّكد على العودة ).
أفرج الأب عن إبتسامة خفيفة من بين شفتيه وهزَّ برأسه بضعة هزَّات ، ثم قال :
- بالله عليك يابني قل لي :كيف ستعودون ؟ ومن سيقودكم نحو العودة إلى أرض الميعاد ؟ قد لاتسمح لكم الظروف بالعودة الآن كما قلت ، لكن ربما تسمح لأولادنا أو أحفادنا ..أو أحفاد أحفادنا بعد ألف سنة أو مليون سنة... لكن ياولدي قل لي : عندما يعود هؤلاء الأولاد والأحفاد المتشتتون في
بقاع الأرض إلى بلاد آبائهم وأجدادهم ، بأيّة لغةٍ سينطقون ؟ وكيف سيتفاهمون ؟ ( أباللغة السويديّة ..أم بالألمانيّة ..أم بالهولنديّة .. أم
بالبلجيكيّة ..أم بالأنكليزيّة ..أم بالبرازيليّة ....أم ......أم...... ).. وأولادكَ خيرُ دليلٍ على ذلك ..إذا كانوا هم اليوم يتكلَّمون لغتهم الأم بصعوبة فائقة
فكيف سيتكلَّمها أولادهم ؟ وأولاد أولادهم ؟! لا ياولدي لا ..لاأظن أحّداً
منكم سيعود إذا أستمرَّيتم هكذا ، كيف ستعودون بألسنة متبلبلة ؟! لايابني فبابل لن تتكرَّر مرَّة أخرى على الأرض .. إلاَّ إذا حدثت معجزة ! ..كيف ستعودون وتحت أيَّ إسمٍ ستتسمّون ؟ وأيّة راية سترفعون ؟ وأيِّ نشيدٍ ستنشدون ؟ هل ستعودون ممالك متفرِّقة كما في غابر الأزمان ؟أم مملكة واحدة ؟ مستحيل ياولدي...قولوا ماأردتم .. ولكم الحق فيما تقولون ..تغنَّوا بأرضكم وأرض آبائكم وأجدادكم ..أكتبوا ماشئتم من القصائد والأشعار والقصص ، أقيموا الحفلات والمهرجانات ، أنشدوا وافتخروا بماضيكم المشرّف فهذا حقكم ، ولن يمنعكم أحّد عن ذلك .. نعم هذا حقكم المشروع ..أحبّوابعضكم بعضاً ، ليس لكم سوى المحبّة.. المحبة ستزيدكم حنيناً ... الحنين !!! آهٍ من الحنين ياولدي ..(أطلقها العم إسحق بحسرة طويلة ) ..الحنين سيحثكم ويدعوكم ياولدي مهما طال الإغتراب .. الحنين سيبقى غصّة في حناجركم ، وسيدمي عيونكم لسنينٍ مديدة..قد يكون فهمي قاصراً ياعزيزي ، إنما لي خبرتي بالحياة ، وأنا من منطلق خبرتي أقول :أتمنى أن تعودوا.. لكن لن تعودوا ياولدي !! بلاد مابين النهرين لن تقدَّم إليكم على طبقٍ من ذهب ، وأنتم لستم مستعدّون بالتضحية فكيف ستضبط المعادلة ؟ وكيف سيكون الحل ؟ .. لهذا لن تعودوا !! المستقبل لايبشِّر بذلك ....والدلائل لاتوحي بذلك .. إنها مجرّد أمنية..ولكن أمنية بعيدة المنال..مجرَّد حلم ..حلمٌ عميق جدّاً ياولدي أتمنى أن تستيقظوا منه في يومٍ من الأيام وتفتحوا أعينكم لتروا ذاتكم في بلاد الرافدين ..آهٍ كم أتمنى وأتمنى ياولدي ..لكن لا لن يتم ذلك ..قد أكون مخطئاً.. وأتمنى أن أكون مخطئاً ، لكن هذا ما يبدو لي ياولدي !.. نعم هذا مايبدو لي ..أفهمتَ ياولدي ؟! سأدعو لكم بالتوفيق ...سأدعو لكم أن تعودوا.. لكن الآن كن رحيماً معي ياولدي.. أرجوك أعِدني إلى بلدي ..فربما كنتُ آخر العائدين .. ربما كنتُ آخر العائدين !!!.. آه ..آه ياولدي ..إنني أختنق .. آآآآآه.. قلبي يؤلمني .. أختنق.. أختنق ..آه..آه ...( واتكأ العم إسحق على الجانب الأيسر- جهة القلب - حيث كان جالساً ).
- بابا ..بابا .. (صرخ جورج بأعلى صوته )..مابكَ ؟ ماذا دهاكَ ؟.. سلوى ..سلوى ..أطلبي الإسعاف..بابا غاب عن الوعي.. بسرعة ..بسرعة.. بابا أرجوك إفتح عينيك .. دقائق وستكون الإسعاف هنا
أرجوك يابا .. أرجوك .. لا..لا.. لاترحل وتتركنا ..أرجوك....أرجوك.... ( وكان جورج يبكي وينهج كطفلٍ صغير )
وقبل أن تصل سيَّارة الإسعاف كان العم إسحق قد ودَّع هذه الحياة ورحل .
وارى جثمانه في أرضٍ غريبة ، لكن روحه كانت هناك تحوم فوق المكان الذي تمنّى أن يكون ، تستنشق عبق الذكريات الجميلة .

فريد توما مراد
ستوكهولم - السويد
بواسطة : Administrator
 0  0  607
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 13:34 الخميس 20 فبراير 2020.