• ×

قائمة

املأ سراج عيني من نورك مادونا عسكر / لبنان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جزيرة كوم املأ سراج عيني من نورك
" سراج الجسد هو العين، فإن كانت عينك سليمة فجسدك كله يكون نيراً، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كلّه يكون مظلماً، فإن كان النور الّذي فيك ظلاماً فالظّلام كم يكون!" ( متى 23،22:6).
بكلام بسيط وسهل يدعونا الرّبّ يسوع للدّخول إلى عمق ذواتنا حتّى نفهم هدف وجودنا في هذه الحياة وأهمّيته بالنّسبة لنا كما بالنّسبة للآخر. هذا الكلام البسيط البعيد عن النّظريّات الكبيرة والموجّهة لفئة معيّنة من النّاس، يوقظ الوعي في داخل كلّ مَن تأمّله. فالرّبّ يدعو الجميع ويريد للجميع أن يفهموا قيمة إنسانيّتهم الّتي هي على صورته ومثاله. كما يرغب في أن يعيَ الإنسان عظمته في عينيّ الرّبّ. وما لم يعِ الإنسان هذه الأهمّيّة، فلا يرجوَنَّ أحد الكثير من هذا العالم.
- سراج الجسد هو العين:
العين تشبه آلة التّصوير، تلتقط كلّ شيء وتحفظ كلّ شيء. ويؤكّد العلماء أنّ كلّ ما يمرّ أمام نظرنا يتمّ حفظه في الذّاكرة حتّى ولو لم ندرك أو نتذكّر ما رأيناه وحفظناه. ما يعني أنّ كلّ مشاهدة مقصودة أم غير مقصودة، وكلّ صورة أو مشهد تلتقطها العين وتحفظها في دماغنا. من ناحية أخرى، العين تختار أو تحدّد بإرادة الإنسان ما ترغب أن تشاهده وتمنع عنها مشاهدة ما لا ترغب فيه. ولعلّها المدخل الأساسي لكلّ ما ينمّي في دواخلنا القيم والمبادئ والأخلاق، كما يمكن أن تشكّل مدخلاً لكلّ ما ينحدر بنا أخلاقيّاً وإنسانيّاً.
لا بدّ أنّ معنى الجسد في هذه الآية يُراد به الشّخص الإنسانيّ وليس اللّحم والدّم. وعلى الرّغم من أنّ العين حاسّة ظاهريّة إلّا أنّها تساهم إلى حدّ كبير في بناء الشخصيّة الإنسانيّة أو في هدمها. فمن يشاهد العنف على سبيل المثال، يتأثّر به ويزرعه في نفسه وإن تدريجيّاً. ومن يسعَ لرؤية الجمال يغرس في ذاته الرّقيّ والسّموّ. العين سراج الجسد، هي النّور الّذي منه يتغذى الجسد ويستنير بالحكمة وينعم بانفتاح القلب والبصيرة.
- إن كانت عينك سليمة فجسدك كله يكون نيراً، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كلّه يكون مظلماً:
يكفي أن تهذّب عينك أي نظرك حتّى يكون كلّ شخصك نيّراً. فوهي المدخل إليه تجعل كلّ سلوك فيه واضحاً وجليّاً وغير ملتبس. وإذ ترسل العين النّور إلى الجسد وتجعله نيّراً، فهي الوسيلة الّتي بها ينكشف نور الإنسان الدّاخليّ له وبالتّالي يشع على العالم. فالنّور لا يمكن حصره أو حدّه مهما كان ضئيلاً. إن شعلة شمعة صغيرة تمحي ظلاماً شديد السّواد. والنّور الّذي في الإنسان ينفي كلّ جانب مظلم فيه. من هنا يحسن أن نختار وبعناية كلّ مشاهدة، ولا نسمحنّ لأي وسيلة أن تفرض علينا ما يسيء إلى إنسانيّتنا. والمشاهدات المدمّرة لإنسانيّتنا كثيرة من حولنا، ولعلّنا ننجرّ لاإراديّاً إليها، إلّا أنّ من اختار أن يتبع المسيح عليه أن يلتزم بما ينمّيه وليس بما يدمّره. في كلّ مرّة نرتضي مشاهدة ما يؤذي عقلنا أو نفسنا ويشوّه روحنا نلج أكثر فأكثر في الظّلمة ونستدعي سوادها ليسيطر علينا ويخضعنا له. وبالتّالي لن نرى إلّا الظّلمة ولن يخرج منّا إلّا كلّ ما هو مظلم وحالك. ومن رغب في أن تكون عينه سراجاً منيراً لجسده فلينظر إلى المسيح ويمعن النّظر إلى النّور الّذي لا يفنى. رؤيته تغني عن كلّ رؤية والنّظر إليه يبدّد كلّ عتمة ويشعل نار الحكمة والمحبّة والسّلام. " أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة" ( يو 12:8).
- إن كان النور الّذي فيك ظلاماً فالظّلام كم يكون!:
تعيدنا هذه الآية إلى آية عظيمة يعبّر بها يسوع المسيح عن كلّ الثّقة الّتي وضعها فينا وعن كلّ الآمال المعلّقة علينا. " أنتم نور العالم، لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل، ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال، بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت." ( يو 15،14:5).
إذا كنّا نور العالم فذلك لأنّ يسوع المسيح النّور يسكننا. ولمّا كان النّور يسكننا فينبغي ألّا نحيا إلّا في النّور ونشعّ نوراً وبهاء على العالم. وإذا هجرْنا المسيح، ابتعدنا عن النّور بل أقصيناه وبالتّالي عند انتفاء النّور تحلّ الظلمة. بالنّور نعاين النّور وبالظّلمة نعاين الظّلمة، وبالنّور نحيا إنسانيّتنا الّتي هي على صورة الله وبالظّلمة ننزع عنّا هذه الصّورة، ولا نحيا الظّلمة وحسب بل الموت.
إنّ عبارة (فإن كان النور الّذي فيك ظلاماً فالظّلام كم يكون!) قويّة ومؤثّرة. وكأنّ السّيّد يقول لنا أنّه في كلّ مرّة يرفض الإنسان النّور يساهم في تعاظم الظّلمة. وهي مسؤوليّة كلّ واحد منّا، لأنّه إذا كان النّور الّذي في الإنسان ظلمة فهذا يعني أنّه يحجب النّور الإلهي عن العالم أجمع. ومن حولنا ما يؤكّد هذا القول. فالسّاكن في الظّلمة يحوّل كل ما حوله إلى ظلمة وقباحة وموت. وكما أنّ نور إنسان واحد يطال العالم كلّه كذلك ظلمة إنسان واحد تمتدّ إلى العالم كلّه. ولا نتعجّبنَّ إذا رأينا الظّلمة تترسّخ فينا وتنتشر في العالم وترخي بقباحتها ووحشيّتها على العالم أجمع. ولا نسألنَّ لماذا نعثر ونسقط وما من مغيث، ذلك لأنّه إذا غاب النّور وحلّت الظلمة تحوّلنا إلى عميان يسيرون في هذه الأرض، مرتبكين ومضطربين، يستدلّون على الطّريق ولا يجدونها.

بواسطة : Administrator
 0  0  799
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 18:38 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019.