• ×

قائمة

هذا ما فعلته أميركا بالعالم!بقلم: د. عبد الأحد قريو

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 الكارثة المالية:
عن مجلة عشتروت العدد 49-50 2010
تركت الأزمة المالية التي تجتاح العالم منذ العام ، والتي ما زالت تداعياتها وآثارها ضاغطة على مختلف جوانب الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، الكثير من التساؤلات حول طبيعة نشوئها وأسبابها وجدوى الاجراءات التي اتخذت لمواجهتها، كما حول المخاطر والتهديدات الناتجة عن مفهوم العولمة الأميركية، ومدى صلاحية القواعد التي يقوم عليها النظام الرأسمالي الليبرالي وجدارة أميركا في التربّع على كراسي الحكم والمؤسسات العالمية.

لم تعد خافية على أحد من أعضاء أندية الاقتصاد والمال، وقائع الأزمة المالية الأميركية، التي اندلعت شرارتها في السنة الأخيرة من ولاية الرئيس جورج بوش الابن، والتي أورث أثقالها ومتاعبها إلى خليفته الديموقراطي باراك أوباما، وتحولت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تكتسح العالم كله، ونتج عنها رزمة هائلة من الكوارث المالية والاقتصادية تمثلت في الانهيارات المصرفية، وإفلاسات المصانع وشركات الانتاج، وتفاقم ظاهرة البطالة، وانتشار حالة الركود والكساد الاقتصادي في العالم.
أبرزت الأزمة
الراهنة عدة مسائل أساسية:
 - إن شعار العولمة الذي أطلقته أميركا، تحت عناوين إشاعة الحريات والديموقراطيات وحقوق الانسان، بدا يظهر ما يخفي في طياته من أطماع وجشع ووحشية بهدف إخضاع العالم لمشيئة العملاق الأميركي الأوحد وفرض هيمنته على مصائر الشعوب وثرواتها وإراداتها، وذلك بعد أن تحولت العولمة بين يدي إدارة متطرفة تتبنى طروحات الليبرالية الاقتصادية، من عولمة فكرية ثقافية خدعت العالم والشعوب المستضعفة بدعوات الحرية والحقوق والتقدم، إلى عولمة اقتصادية تشيع كذبة الرفاهية والاستقرار والتنمية والقضاء على الجوع والفقر تحت غطاء الأسواق الحرة المفتوحة والاقتصاد المنفتح العابر للقارات والعملة الأميركية العالمية السائدة من خلال المساعدات المسمومة والمفخخة، ثم إلى عولمة عسكرية ضارية، تفجرت مظاهرها مع حرب فيتنام وحروب الخليج ويوغوسلافيا، ثم تبلورت في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر  حيث دخلت العولمة طورها الاجتياحي العنيف بحجة مكافحة الارهاب التي جاءت حرب أفغانستان في إطارها وتبعتها حرب العراق والاعلان عن محور الشر المتمثل بكوريا الشمالية وإيران وغيرها من الدول، ساحبة معها جيوش العالم للانخراط في هذه الجبهات.
لقد أظهرت هذه الحملات العسكرية الدموية المدمرة التي ما زالت تزداد حدة وتصاعدًا منذ عدة سنوات، بما لا يقبل الشك، أن الادارة الأميركية، مزمعة وبكل إصرار على اختلاق الأسباب والذرائع والدوافع، لإدخال البشرية في أتون ملتهب من الصراعات والحروب، وإلزام الآخرين، باسم العولمة، بمشاركتها ومساندتها، بهدف محو الحضارات الانسانية التاريخية بكل وجوهها المادية والمعنوية، وإعادة تشكيل العالم من جديد وبالصورة التي تختارها، خالية من كل العناصر والمضامين الفكرية والفلسفية والانسانية، من خلال فرض العولمة الاقتصادية على العالم بالقوة العسكرية وتأسيس موقع ضغط استراتيجي  جغرافي على آسيا الوسطى لقطع الطريق أمام روسيا والصين والهند وإيران، كقوى إحتمالية مهيئة للنهوض ومحملة بإرث حضاري وإنساني ضخم فضلاً عن محزونها البشري والاقتصادي الهائل.
 - إن مقولة تفجر الأزمة الحالية بسبب الرهون العقارية، لا يمكن أن تمر مرور الكرام، داخل الأوساط المالية والاقتصادية المتخصصة، وأمام هذا الحجم الهائل من الانهيارات المصرفية وهذه النتائج الكارثية التي شهدها العالم، دون التوقف مليًّا عند مسبباتها وخلفياتها الخفيّة التي تؤكد وجود أزمة أو مشكلة اقتصادية متراكمة، يحاول المهيمنون على القرار الأميركي إخفاءها عبثاً، وهي تتمثل بحجم الاستنزاف والارهاق النفسي والمادي المتراكم عبر سنوات ما قبل الأزمة الحالية، لدى الخزانة الأميركية، والبالغ آلاف المليارات والأرواح التي تكبدتها أميركا في ساحات حروبها منذ تبني سياسة العولمة الاقتصادية عن طريق القوة العسكرية بهدف تحقيق هذه الغاية.
وفي هذا الصدد أكد هاري ريد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، معلقًا على الأزمة وتكلفة الحروب، أنه لم تعد لدى واشنطن الأموال لدفع المزيد وهي تقترض ما تدفعه، مضيفًا أيضًا أنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن الحروب الطويلة الدامية. وهذه الجملة الأخيرة من كلام ريد توضح تمامًا المدى الذي بلغته الادارة الأميركية في ربط اقتصادها بصناعة الحروب حول العالم، حيث أصبح الهدف الامريكي الانتقال من مرحلة الرغبة في قيادة العالم، الى مرحلة الاستبداد بمقاليد العالم، أي إرساء نوع من الديكتاتورية الكونية التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً في أعتى.
نشرة إقتصادية دورية توزع إلى المؤسسات والهيئات الدولية الأمبراطوريات‏ وهنا مكمن الخطر الكبير، الذي يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، حيث تتجسد النوايا الأميركية بفرض نفسها سلطة شمولية عالمية، لا تختلف عن الأنظمة الشمولية الأخرى، وعلى رأسها النظام الشيوعي الذي كانت أميركا قبل فترة وجيزة تحرّض الدنيا على مناهضته وإسقاطه.
 - بيّنت الأزمة أمرًا خطيرًا جدًا وهو مدى التسيب الكبير والفساد الأكبر الذي يحيط بالعمل المصرفي، داخل الهيكل الرأسمالي، أنظمة وإدارة وجهازًا. وهذا باعتراف كبار المسؤولين في العالم والمؤسسات الدولية المصرفية. لأن هذا الانفلاش الفاضح في الأسواق العقارية، والذي وصل حد الفوضى والاستهتار والرعونة لم يكن ليتم لولا وجود قصور في الأنظمة المصرفية نفسها، وسوء إدارة القائمين عليها وجهلهم أو تعمد إغفالهم للخطوط الحمراء التي تحكم عمليات التسليف وإدارة المخاطر، وجنوحهم المتوحش لتحقيق أرباح طائلة وسريعة، والذي وصفته مستشارة الجمهورية الألمانية الفيدرالية أنجيلا ميركل، بـالسعي الأعمى نحو الأرباح. إضافة إلى الفساد المستشري داخل الادارة الأميركية وعلاقاتها النفعية مع الشركات الكبرى، ما عطل عمل أجهزة الرقابة والمحاسبة الرسمية، وسهّل حالات النصب والاحتيال والثراء غير المشروع ونهب أموال الخزانة والدول تحت شعار تحرير الأسواق والعمل المصرفي وباسم حماية مستلزمات وقواعد النظام الرأسمالي الليبرالي العالمي. الأمر الذي حدا المؤسسات المالية الدولية وهيئات الأمم المتحدة والمجتمع المدني في العالم، إلى الاستنفار وإعلان حالة الطوارئ لمواجهة هذا الطوفان المدمّر من التسيب والفساد والمطالبة بتطبيق أقسى إجراءات الشفافية والنزاهة والمعايير الأخلاقية لدى المسؤولين في الدول وفي المعاملات المالية الاقتصادية.
أميركا في قفص الاتهام:
يقودنا كل ذلك، وغيره من النتائج المذهلة التي سببتها الأزمة الأميركية، إلى التوقف بإمعان أمام بعض ما اقتطفناه من تصريحات واعترافات ومعلومات، في أعقاب الأزمة، جاءت على ألسنة كبار رؤساء الدول والمؤسسات، والتي تشير بأصابع الاتهام إلى الادارات الأميركية في توريط العالم وإغراقه في أزمات عسكرية ومالية تحقيقاً لأطماعها الاستعمارية المكشوفة، ومن أهمها:
أولاً: قال الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين: هذا لم يعد انعدامَا للإحساس بالمسؤولية من جانب بعض الأفراد، بل عدم إحساس بالمسؤولية لدى النظام كله الذي يتباهى بالزعامة العالمية.
ثانيًا: رئيس وزراء كندا ستيفن هاربر وصف الوضع الاقتصادي الأميركي بأنه كارثي، مرجعًا السبب لما وصفه بسياسات غير مسؤولة. وقد أتت تصريحات هاربر بعد مطالبة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف بإقامة نظام اقتصادي مالي جديد أكثر عدلاً يقوم على تعدد الأقطاب وسيادة القانون والأخذ بالمصالح المتبادلة معتبرًا أن ما أسماه عهد الهيمنة الاقتصادية الأميركية قد ولّى وأن عهد اقتصاد واحد وعملة واحدة ولّى بدون رجعة.
ثالثًا: قال رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون: الاستهتار داخل الولايات المتحدة بالنظام المالي هو الذي أدى إلى أزمة الائتمان المالي التي يعاني منها العالم.
رابعًا: قال وزير المالية الألماني بير شتاينبروك: الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية الأزمة المالية العالمية الراهنة بسبب الحملة الأنغلوساكسونية التي تهدف لتحقيق أرباح كبيرة، ومكافآت هائلة للمصرفيين وكبار مديري الشركات، والأزمة ستخلف آثارًا عميقة وستحدث تحولات في النظام المالي العالمي.
خامسًا: إجماع من دول الاتحاد الأوروبي على ضرورة وضع حلول شاملة لإصلاح شامل للنظام المالي الدولي، حيث حمل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي النظام المصرفي الأميركي مسؤولية الأزمة المالية العالمية متهمًا إياه بالديكتاتورية، ومطالبًا بمعالجة الأزمة بعيداً عن ديكتاتورية الادارات الحسابية الأميركية ومؤكدًا أنه لم يعد من الجائز العمل بهذه الأنظمة الأميركية الرأسمالية.
سادسًا: يقول الألماني أولريخ تيلمان (الخبير في أخلاقيات الأعمال التجارية والاستاذ في جامعة سانت غالن السويسرية) واصفًا الأزمة الراهنة بأنها فضيحة تفوق كل وصفإنّ الأسواق بدت وكأنها كازينو ضخم سمحت به السلطات بل وشجعته....ونحن بحاجة إلى موظفين لا يلحقون بجزرة المكافآت وإلى مصرفيين أقلّ غرورًا من المتواجدين في الوقت الحالي ويتابع محذّرًا من الموبقات التي ارتكبت في المصارف فيقول: قامت المصارف ببيع المستثمرين أو بعضهم سمومًا مالية وحصلوا على مكافآت مقابل ذلك. وهذه السلسلة يجب أن تتوقف.
محكمة دولية ومحاكمات:
من أجل السلام والاستقرار في العالم.
وأسوة بالمحاكمات الدولية التي تجري في هولندا وفي لندن (كانون الثاني / يناير )، بشأن عدم شرعية الحرب على العراق ، على الرغم مما يعتورها من مهازل لانعقادها بعد خراب البصرة ومرور سبع سنوات على التدمير والقتل والنهب.
ومن أجل وقف نزعات القوى الدولية في استباحة أمن العالم.
نخلص إلى المطالبة بما يلي:
أولاً: تحويل التصريحات والاعترافات والمعلومات السابقة الصادرة من أعلى المراكز والهيئات الدولية، إلى إخبارات أمام الجهات القضائية الدولية المختصة، ومذكرات اتهام بحق الادارة أو الإدارات الأميركية وإلى غيرها من الادارات والأنظمة المتعاونة معها.
ثانيًا: تشكيل محكمة دولية على غرار المحاكم الدولية التي كانت أميركا من أسبق الداعين والداعمين لها، للتحقيق واتخاذ الإجراءات وتطبيق الأحكام المناسبة في الاتهامات المذكورة الموجهة إلى الإدارة الأميركية وهي:
 - كشف الرؤساء والمسؤولين والدوائر والمراجع الأميركية وغير الأميركية المسؤولة عن خلق وصناعة الأزمة الحالية التي ضربت العالم، وتحميلها النتائج التي أسفرت عنها، وخصوصًا ما يتعلق بالكساد والركود الاقتصادي العالمي وقطع أرزاق ملايين العمال والموظفين وتدمير أعمالهم وعائلاتهم.
 - استعادة كافة الأموال المنهوبة والمسروقة من الدول والشركات والأفراد، والأرباح التي يتبين تحقيقها بصورة غير مشروعة، ومحاكمة أصحابها.
 - وضع الإدارة الأميركية تحت الرقابة الدولية وخصوصًا ما يتعلق بنزعاتها العولمية العسكرية والاقتصادية.
 - محاكمة الإدارة الأميركية بسبب جنوحها وأطماعها التوسعية والاستعمارية، وتهديدها لسلام العالم والشعوب أمنيًا واقتصاديًا وثقافيًا، نظرًا لتخليها عن القيم والمبادئ والشعارات التي أطلقتها في حملتها لنشر الحريات والديموقراطية والحقوق والتنمية، وبعد أن تبين أنها قائد متهور وأرعن وغير أخلاقي وغير مؤهل لقيادة سفينة الشعب الأميركي وشعوب العالم قاطبة بسلام وضمن القوانين المرعية، وأنها والد مصاب بالقصور العقليّ والنفسيّ، ويستحق الحجر عليه لأنه غير جدير بإدارة شؤون الأسرة الدولية وحماية مصالحها وتأمين مستقبلها وتوفير البيئة النظيفة والصحية للبشرية على هذا الكوكب المشترك.
 - سحب جميع المؤسسات الأمميّة السياسية وغير السياسية بأسرع وقت ممكن من الأراضي الأميركية، واختيار مكان حغرافي آخر محايد وشريف.
 - محاكمة جميع الأنظمة والمسؤولين الذين تآمروا وشاركوا وتستروا على الجرائم البشرية والمالية التي ألمت بالشعوب والدول.
إعادة النظر في اتفاقية برايتون وودز التي تحكم النظام المالي العالمي منذ العام وإلزام أميركا والدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة بالتغطية المطلوبة لعملتها.
 - إعادة النظر بالنظام الرأسمالي وتفعيل أجهزة الرقابة المحلية والدولية وتعزيز اجراءات النزاهة والشفافية في التعاملات المصرفية والتجارية.
* المادة مقتبسة من نشرة اقتصادية تصدرها مؤسسة قريو انترنشيونال.
5
بواسطة : Administrator
 0  0  1.2K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 18:05 الخميس 12 ديسمبر 2019.