• ×

قائمة

عندما شكّل المسيحيّون ميليشيا "سوتورو" المُسلّحة...

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
.shaamtimes.net ناجي س. البستاني

تلبيةً لدعوة من بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي، يتوجّه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إلى دمشق بعد أيّام، للمشاركة في قِمّة روحيّة تتناول واقع مسيحيّي الشرق المُتردّي، وتُحاول إيجاد السُبل لصمود المسيحيّين في مناطقهم ودولهم في الشرق الأوسط. وتتزامن هذه القمّة مع مرور مسيحيّي الشرق كلّه بمرحلة هي الأشد سواداً عليهم، حيث أنّ المسألة تجاوزت مراحل الإضطهاد السابق والتشهير والتمييز والإرغام على دفع الجزية، إلخ. لتبلغ مرحلة الإبادة الجماعيّة والهجرة المفتوحة بسبب السيطرة الميدانية الواسعة لكثير من الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة والتكفيريّة. فما هي التوقّعات للقمّة الروحيّة المسيحيّة المُرتقبة في سوريا، وهل من تأثير إيجابي على واقع المسيحيّين في سوريا والمنطقة، وهل سيتم منح "ضوء أخضر" للمسيحيّين لحمل السلاح إنطلاقاً من "حق الدفاع عن النفس"؟
بالنسبة إلى القمّة المُرتقبة في دمشق فهي تتمتّع بطابع روحي وديني ورعوي، ولن تتطرّق بحسب المعلومات المتوفّرة إلى أيّ مواضيع سياسيّة، لكنّها ستدعو العالم الغربي وخاصة الدول الكبرى والمؤثّرة، وكذلك الدول والمُجتمعات الإسلامية، إلى التدخّل لوقف حملات الإضطهاد الجديدة التي يتعرّض لها مسيحيّو الشرق الأوسط على يد الجماعات المُسلّحة المتُشدّدة، إنقاذاً لما تبقى من وجود مسيحيّ في هذا الشرق. وسيُحاول المُجتمعون رفع الصوت عالياً بوجه كل المسؤولين المعنيّين للتدخّل قبل فوات الأوان، لوقف إفراغ الشرق من مسيحيّيه، تارة عبر ترك الجماعات التكفيريّة والإرهابيّة تجتاح مناطقهم، وطوراً عبر فتح باب الهجرة على مصراعيه أمامهم. لكنّ النظام السوري يرغب في إيفاد ممثّلين عنه للقاء القادة الروحيّين، في محاولة منه لإضفاء صبغة سياسيّة على القمّة، في إطار مساعيه الدائمة للظهور أمام العالم بموقع المُدافع عن الأقليّات بوجه الإرهابيّين، الأمر الذي سيؤدّي إلى خروج أصوات مُعترضة من قبل معارضي النظام السوري في لبنان، في تكرار للسيناريو الذي رافق زيارة البطريرك الراعي إلى دمشق في شباط من العام 2003(1).
بالنسبة إلى مدى إمكان أن تؤثّر هذه القمة على واقع المسيحيّين في سوريا والمنطقة، فإنّ أثرها لا يتجاوز البُعد المَعنوي، وهو نوع من التذكير بالحضور المسيحي في هذا الشرق، والذي راح ضحيّة الصراعات المذهبيّة والسياسيّة والعقائديّة بين دول وجماعات المنطقة الأخرى. فخيارات رجال الكنيسة الميدانية محدودة جداً في هذا الملفّ بالتحديد، باعتبار أنّ ما يتعرّض له مسيحيّو الشرق الأوسط هو جزء من مُخطّط تطهير عرقي وديني ستذهب ضحيّته الأقليّات الصغيرة بدون أدنى شك، وذلك تمهيداً لأن تفرض الوقائع الميدانية دُويلات طائفيّة ومذهبيّة وعرقيّة لا أمل للمسيحيّين في حجز حصّة لهم فيها، نتيجة تشتّت إنتشارهم على بقع جغرافية صغيرة ومُفكّكة، وبسبب تفضيل الكثير منهم الهجرة إلى الخارج بمجرّد أن تُتاح لهم الفرصة، وبفعل الإنقسام في الرؤيا بين مسيحيّي الشرق الأوسط أنفسهم لا سيّما في لبنان، وبسبب عدم قدرة الجماعة المسيحيّة القُبطيّة على دعم باقي الأقليّات المسيحيّة في الدول العربيّة بسبب مشاكلها على الساحة المصريّة.

بالنسبة إلى إمكان أن تمنح القمّة الروحيّة المُرتقبة في دمشق "ضوءاً أخضر" للمسيحيّين لحمل السلاح إنطلاقاً من "حق الدفاع عن النفس"، فهو خيار غير وارد، على الرغم من أنّ بعض الجماعات المسيحيّة في كل من العراق وسوريا، لجأت أخيراً وبشكل متصاعد وملحوظ، إلى تشكيل ميليشيات صغيرة مُسلّحة. ففي العراق، وبعد المجازر التي وقعت عند دخول إرهابيّي تنظيم "داعش" إلى سهل نينوي، وهروب نحو 30,000 مسيحيّ منه وإرتفاع عدد المُشردين المسيحيّين ممن تبقى من مسيحيّي العراق إلى نحو 150,000 مسيحي(2)، قرّرت "الحركة الأشوريّة الديمقراطية" تشكيل ميليشيا مُسلّحة، لكنّ السلطات العراقيّة رفضت منحها أكثر من ترخيص لحرّاس محلّيين، فلجأت الحركة إلى كردستان للمساعدة. وبالفعل تمّ تدريب نحو ألف شاب مسيحيّ على القتال وتأمين بعض الأسلحة بواسطة علاقات الجالية مع برلمانيّين أميركيّين، لكن تأثير هذا العدد ميدانياً شبه معدوم. وفي سوريا، جرى أيضاً تشكيل أكثر من ميليشيا مُسلّحة صغيرة، منها مثلاً وحدة تابعة لحزب "الإتحاد السرياني" بإسم "المجلس العسكري السرياني"، ووحدة آشوريّة بإسم "سوتورو"، علماً أنّ هذه الكلمة السريانيّة تعني باللغة العربيّة "الحماية". لكنّ هذه المجموعات المسيحيّة المُسلّحة، والتي تأتي في أصعب فترة تمرّ على مسيحيّي سوريا بسبب تقلّص عددهم وحضورهم(3)، تُعتبر محدودة العدّة والعديد، وبالتالي لا يُمكنها الدفاع عن أي جبهة بل تأمين أمن بعض الأحياء والبلدات الصغيرة في أفضل الأحوال. ومن هذا المُنطلق، من المتُوقّع أن لا تدعو القمّة الروحية في دمشق إلى أيّ تشكيلات مسيحيّة مُسلّحة، بل إلى التمسّك بحماية القوى الشرعيّة.
وفي الختام، في ظلّ إنعدام وحدة الموقف السياسي المسيحي العام في الشرق الأوسط، وعدم وجود رؤية مُوحّدة، أو خطة حماية مُشتركة، لا يبدو مُستقبل المسيحيّين في الشرق الأوسط واعداً. وفي ظلّ بقاء كل أقليّة مسيحيّة حائرة بين تملّق الأنظمة التي فشلت في تأمين الحماية لها، أكان في سوريا أو العراق، وبين الرضوخ لاضطهاد الجماعات الإسلاميّة المُتشدّدة ولشروطها، لا يبدو مُستقبل المسيحيّين في الدول العربيّة مُزدهراً. وبالتالي، يُمكن القول إنّ القمة الروحيّة في دمشق لا تعدو كونها "لزوم ما لا يلزم"، كون حماية المسيحيّين لا يُمكن أن تتم إلا عبر تأمين غطاء دَولي مُشابه لذلك الذي حصل عليه الأكراد، لكن هذا الغطاء لا يُمكن أن يتمّ إلا إذا إقتنع المسيحيّون في الشرق الأوسط بأنّ حمايتهم لا تتأتّى من الخارج دون الإتكال على أنفسهم، أيّ من خلال وحدات "سوتورو" مُسلّحة فعليّة وجدّية، وليس عبر إستجداء حماية جيوش شبه منهارة ولا حماية أحزاب وعشائر مذهبيّة مُسلّحة.



(1) شارك في حينه في إحتفال تنصيب البطريرك يوحنا العاشر، بطريركاً جديداً للكنيسة الأنطاكية للروم الأرثوذكس.
(2) تؤكّد الإحصاءات أنّ نصف عدد العراقيّين المسيحيّين قد غادروا العراق إلى الخارج منذ 10 سنوات حتى تاريخه!
(3) تؤكّد الإحصاءات أنّ عدد مسيحيّي سوريا، تراجع من نحو 30 % من إجمالي السكان في العام 1946، بشكل تدريجي بسبب أزمات متتالية لحقت بهم، أبرزها "ثورة الثامن من آذار" التي أفقدتهم الكثير من إمتيازاتهم الإقتصادية والمالية بعد أن كانوا يملكون 75 % من الوكالات التجارية في البلاد، وإرتدادات حرب لبنان (من العام 1975 حتى العام 1990) التي أخذت بُعداً طائفياً في بعض مراحلها، وكذلك تمرّد "الإخوان المُسلمين" على السلطة (من العام 1979 حتى العام 1982) والذي إنعكس نفوراً إزاءهم من قبل بعض الجماعات الشعبيّة، وتضييقاً متصاعداً على الحريّات العامة من قبل النظام السوري للحفاظ على سيطرته على البلاد، الأمر الذي دفع الكثيرين إلى الهجرة. ثم تدهور اليوم الحضور المسيحي السوري بسبب الحرب، إلى أقل من 7 % من إجمالي عدد السكان، علماً أنّهم يتوزّعون على 12 طائفة أو مذهباً، وعلى مناطق جغرافية صغيرة المساحة ومتباعدة.
النشرة
بواسطة : أبو جان
 0  0  937
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 22:58 الإثنين 17 فبراير 2020.