• ×

قائمة

المطران اوسطاثيوس قرياقس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
Olaf.com بقلم الأب الفاضل الخورفسقفوس شكرالله نصرالله

عن المجلة البطريركية العدد 5 سنة 1981


أبصر قرياقس تنورجي نور الوجود في ماردين – تركيا – في مطلع عام 1902 من أبوين هما بهنان تنورجي ومريم منيرجي في أسرة سريانية أرثوذكسية تميزت بمحبة الله والتطوع لخدمة كنيسته وعُرفتْ بالتقوى والصلاح وقدمت للكنيسة مجموعة خيّرة من الكهنة الأتقياء الصالحين ، وكان في جملتهم المرحوم الأب الربان يعقوب تنورجي شقيق نيافته ، توفاه الله وقد كان رئيساً لدير الزعفران.

فنشأ الصبي قرياقس في كنف الدعوة وترعرع في بيت تسوده خشية الله محاطاً بأنفاس عطرة لأسرة لها غرام عجيب في خدمة الكنيسة والمذبح ، فأشرب محبة الكنيسة ولازم المذبح وتبع مبكراً أخاه الربان يعقوب راعياً في حمل الصليب ومتعشقاً الحياة الملائكية وهو بعد في ريّق العمر وفجر تفتحه للنور.

وفي عام 1918 دخل دير الزعفران المقدس وشعاره " طوبى للمساكين في ديارك يارب ليلاً ونهاراً يسبحونك " وفي 28 /8 / 1923 رُسِمَ أفودياقوناً في كنيسة دير الزعفران بيد المثلث الرحمات البطريرك الياس الثالث. وفي 19 /5 / 1924 رُسِمَ شماساً إنجيلياً في كنيسة دير الزعفران بيد المثلث الرحمات البطريرك الياس الثالث. وفي 25 / 5 / 1925 رُسِمَ راهباً مبتدئاً في كنيسة دير الزعفران بيد المثلث الرحمات البطريرك الياس الثالث. وفي 22 / 1 / 1931 رُسِمَ كاهناً في كنيسة الطاهرة في الموصل بيد المثلث الرحمات البطريرك الياس الثالث.

image

وفي 6 / 3 / 1938 رُسِمَ مطراناً نائباً بطريركياً في كنيسة أم الزنار بحمص بيد المثلث الرحمات قداسة البطريرك مار أفرام الأول برصوم باسم " اوسطاثيوس قرياقس " . بتاريخ 17/11/1925 غادر ماردين بميعة المثلث الرحمات قداسة البطريرك الياس الثالث شاكر في سفرته إلى حلب فحمص فدمشق فلبنان والقدس فالعراق حيث بقي في خدمة قداسته حتى عام 1931. وبعام 1931 رافق قداسته في سفرته الرسولية إلى ملبار الهند – وبعد انتقال قداسته إلى الحياة الأبدية خلال زيارته للهند رجع الربان قرياقس إلى حمص – سوريا. وبعام 1932 وخلال قائمقامية المثلث الرحمات البطريرك أرسل قرياقس إلى الدير المرقسي للراحة والاستجمام . وهناك ونظراً لتوسم رئيس الدير خيراً فيه كلفه بإدارة شؤون أوقاف الدير وتنظيم حساباته والإشراف على بناء دير مار يوحنا على نهر الأردن . فكان أميناً في مهمته.

وفي عام 1933 وبعد حفلة تنصيب البطريرك الجديد مار أغناطيوس أفرام الأول دعاه إلى حمص في خدمته بدار البطريركية وقلّده " الصليب المقدس " وسماه " النائب البطريركي " وبقي في هذا المنصب حتى عام 1938. بتاريخ6 / 3 / 1938 قام قداسة المثلث الرحمات البطريرك أفرام الأول " مطراناً " نائباً بطريركياً وسماه " أوسطاثيوس " وبقي في هذا المنصب حتى تاريخ 12 / 8 / 1943.

وخلال النصف الثاني من عام 1943 كانت أبرشية الجزيرة ونظراً لما كانت تعانيه من اضطراب في حبل الأمن وحاجتها إلى راعٍ نشيط يلم شملها ويدير شوؤنها ويجدد بناءها الذي تصدع فقد التمست ( الأبرشية ) من قداسة البطريرك أفرام الأول برصوم وبموجب مضابط قانونية ، انتخبوا وطلبوا تعيين نيافة المطران قرياقس مطراناً شرعياً لهم ، وهكذا استجاب قداسته ورأى في تعيينه ضماناً لسلامة الكنيسة وحمايتها فوافق.

التكريمات والأوسمة :

وبتاريخ 15 / 3 / 1943 وصل نيافة المطران قرياقس تنورجي وحاشيته إلى مدينة الحسكة واستقبل فيها استقبالاً حافلاً حكومياً وشعبياً. منحه البطريرك أفرام الأول برصوم وسام مار سويريوس الإنطاكي ومنحه البابا بولس السادس وسام الراعي الصالح من قِبل المطران ميخائيل جروة مطران السريان الكاثوليك . ومنحه البطريرك زكا الأول عيواص وسام مار اغناطيوس النوراني.

image
image
image

خصّه صاحب القداسة البطريرك زكا الأول بلقب حكيم السريان ، واستطاع بحنكته وإدارته وشخصيته المتميزة ومواقفه الوطنية أن ينال ثقة المسؤولين في الدولة ومنحه فخامة السيد شكري القوتلي وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى ، تقديراً لخدماته ومواقفه الوطنية المعروفة .





إشادة الكنائس والعمران :

وقد اهتم المطران قرياقس بإشادة الكنائس والمدارس والمؤسسات الدينية .

كان مثالاً للوحدة الوطنية ، كما خدم أبناء كنسيته ، ورعاهم رعاية صالحة كلها تضحية ونكران ذات ، لأنه عاش راهباً وزاهداً يسعى فقط لبناء الإنسان وشيّد الكنائس والمدارس والمؤسسات الخيرية الخيرية ، بنشاطه وذكائه . حتى قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة كان يفكر بالكنيسة والوطن .

المطران قرياقس المجاهد الرسولي ، سما على المادة ، لقد تجمّع لديه المال بوفرة ولكن عرف كيف يتعامل معه ، فبحكمته اشترى السماء بالأرض بالمشاريع الخيرية التي أنجزها لخدمة الإنسان . ولم تكن المراكز المرموقة لتبهره ، فقد انتخب بطريركاً عام 1957 ولكن لمحبته لأبرشية الجزيرة والفرات اعتذر عن قبول أسمى منصب في الكنيسة .

انتقل إلى الخدور السماوية في 11- 13 / 12 / 1988 و / 1 / 1989 ، ترأسها قداسة البطريرك زكا الأول عيواص وحضرتها وفود عديدة من أبناء محافظة الحسكة ، من ضمنهم رؤساء العشائر والمسئولون في الحزب والدولة يتقدمهم الدكتور محمد مصطفى محافظ الحسكة ( رئيس مجلس الوزراء بعدئذ ) ، والسيد دنحو داود وزير السياحة.

معلومات أخرى عن المطران قرياقس رجل الكنيسة والدولة معاً :

منذ تسلمه قيادة ورعاية شؤون هذه الأبرشية استطاع بثقاب نظره وحكمته وسداد رأيه وحسن تصرفه أن ينتزع إعجاب الجميع وينال ثقتهم حكاماً ومحكومين ، مسيحيين ومسلمين ومن شتى الأديان والمذاهب فيلتقي الجميع في ديوانه في معالجة قضاياهم المسرة والمزعجة فيجدون في شخصيته الفذة وفي قوله الحق فصل الخطاب ، ويعيش مع الجميع أخاً وصديقاً في جميع الظروف وخاصة في اشتداد الأزمات وتعقّد الأمور ، فهو وحده القادر على حلها حلاً عادلاً مرضياً صائناً للكرامات . ولم يقتصر نشاطه على الأمور المتعلقة بالكنيسة في أمورها الروحية وحسب ولطائفته فقط بل تجاوز ذلك إلى الأمور الاجتماعية والعشائرية والمدنية والزمنية ، يجد لها بفائق حكمته وبعلو همته الحلول السليمة ويسكب خلالها على جراحات المصابين بلسماً شافياً من عقاقير محبته ولطفه وعطفه . فإذا هو مرجع لجميع أبناء المحافظة مسلمين ومسيحيين عرباً وأكراداً ودروزاً وشاشان ويزيدية ومن شتى المشارب فيّسلمون إليه القيادة ويحتكمون إليه فيحكم بالمحبة والعدل ما يطلق الألسنة بالشكر والعرفان.

وإن السلطة تخصه بعطف وتقدير خاص وكثيراً ما شجعته وتعاونت معه في تنفيذ المقترحات الهادفة إلى وضع نهايات للخصومات التي من شأنها أن تعكر صفو الأمن في المنطقة ، بل كثيراً ما رغبتْ إليه في مساعدتها بإيجاد الحلول الكفيلة بوأد الأزمات الحادثة قبل استفحالها فعاد إليها بأحسن النتائج وأطيبها.

ومن الصفات المميزة لأساليبه في الوصول إلى حلول جذرية للخصومات بين الفئات المتنازعة هو أنه " ينظف القلوب " من الأحقاد ثم " يصالح " وبذلك يحل الوئام بل السلام . فلجميع ما تقدم أحبه الجميع واحترموه.

ورغم أن سنه علت وهدّت أمراض الشيخوخة حيله تمتع بعزيمة شماء وهمة عالية ورغبة في مواصلة الجهاد المشرف في خدمة الجميع ولسان حاله يقول " سأعمل حتى آخر قطرة من زيت في القنديل " . وحيثما توجهت تقع عينك على من يذكر خدمة المطران قرياقس وتسمع أذنك بأكثر من مكرمة أسداها لهذا البلد المطران قرياقس ، وتلمس وتحس بحرارة الاحترام لهذا المواطن الذي يعتز بوطنه الحبيب وبأبرشيته الغالية التي فضلّها أكثر من مرة على أرفع المناصب الدينية في الكنيسة – ألا وهي السدة البطرسية ورئاسة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الأنطاكية.

المطران قرياقس " صليب أحمر " ورسول سلام :

نظراً لكون النظام العشائري والقبلي كان سائداً بشكل واسع في هذه المحافظة ، فقد استطاع نيافة المطران أن يحتل مكانته اللائقة من نفوس مسؤولي العشائر وشيوخها وزعمائها بالمشاركة الصادقة الوجدانية التي كان يثبتها عملياً من خلال الأحداث التي يتعرض لها أبناء المحافظة العشائر منهم والمدنيون ، فكانت هذه العشائر والفئات تتعرض لاقتتال ضار أحياناً ولمجازر هائلة أحياناً أخرى فتزهق نفوس وتمزّق أسر وتهدم قرى وتبكي عيون وتنزف دماً وتنتهي المعارك فيها بمئات من الضحايا والجرحى . فيكون خلالها نيافة المطران قرياقس رسول السلام ، ويقوم بمهمة رجال الصليب الأحمر في نقل الجرحى والماصبين بسيارته الخاصة ويضمد بيديه جراحاتهم ويؤاسيهم ويتعهدهم بالرعاية والتداوي ، معرضاً حياته الغالية للأخطار خلال اشتداد المعارك وضراوتها . وكانت عناية الله تحميه من كل سوء وفي عمله هذا يرفع منزلته في نفوس المواطنين والدولة أكثر فأكثر فيشيدون بمثل مناقبه ومكارمه هذه ، أمور يتناقلها الأبناء عن الآباء . وكثيرة هي الحوادث التي قام فيها نيافة المطران قرياقس بدور رسول السلام حيث قام بحل الكثير من الحروب والاقتتال بين هذه العشائر.

المطران قرياقس " رائد وحدة مسيحية ووطنية " :

بعد أن ولى المستعمر عن أرضنا الطيبة تاركاً فيها رواسب بغيضة من انقسامات وتفكك في كيان أبناء هذه المنطقة خصوصاً بين جميع الأفراد مسيحيهم ومسلمهم ، وبعد أن غذى النعرات المذهبية ، عمل نيافة بفطنته وحكمته النادرة على تصفية هذه الأجواء بين جميع المواطنين الذين يجمعهم وطن واحد وآمال واحدة ومصير واحد ولهم إله واحد ، فكان أول من " صلى في الجامع وشارك المسلمين مباهج عيد المولد النبوي الشريف في الحسكة " وأشرك رجال الدين من بقية الطوائف في هذه البادرة الطيبة ، وأول من دعا " رجال الدين الإسلامي " لحضور صلوات الأعياد في " كنائس المسيحيين " وبذلك أعطى المثل الصالح وصار القدوة الحسنة ، كنا وأنه أول من دعا رؤساء الطوائف المسيحية في هذه المحافظة إلى صلاة " موحدة مشتركة " في كنيسته بالحسكة ، فكان عمله نواة صالحة وشريط مغناطيس جذب القلوب قرّبها من بعضها ، وغذّى مع المخلصين الفضلاء من رؤساء الطوائف هذه الروح لتسود المحبة بين جميع الأفراد وكان من ثمرة ذلك الوحدة الوطنية – المسيحية الإسلامية – التي تسود هذه المحافظة ويتفيأ المواطنون في ظلالها الوارفة.
image
image
image

كل الشكر للاخ كبرئيل السرياني على مواضيعه المميزة
(كابي عيسى)
بواسطة : ADONAI
 0  0  2.3K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 22:32 الخميس 5 ديسمبر 2019.