• ×

قائمة

انتقال الطب اليوناني من السريان الى العرب

مايكل دولز ترجمة : د. أدمير كوريه

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ww.syriacstudies.com/ انها لحقيقة معروفة بان الثقافة الاسلامية ، في القرون الوسطى ، انتعشت كثيرا بواسطة العلوم اليونانية ، مما ادى فيما بعد الى قيام ما اطلق عليه بـ " نهضة الحضارة الاسلامية " (1 ) . اما الامر الذي لم يحظ باهتمام واف فهو الكيفية والأسباب التي ادت الى حدوث ذلك تاريخياً . بالنسبة لي يستحيل تقديم معالجة وافية لموضوع ضخم وصعب كهذا ، ولكن اود ان القي نظرة فاحصة على عنصر هام واحد يتعلق بالتراث الكلاسيكي الخاص بالشرق الادنى الوسيط ، الا وهو الميراث الطبي اليوناني عند هيبوقريطس و جالينوس .

رغم ان الترجمات السريانية للكتب الطبية اليونانية كانت الرابطة الحاسمة بين النصوص اليونانية وانتقالها الى العربية وبالتالي في انتشارها في المجتمع الاسلامي ، الا انها كالعادة ظلت منسية. ان ترجمة النصوص اليونانية الى السريانية بدأت بترجمات للأدب الاهوتي في القرن الرابع ، واستمرت بلا انقطاع الى نهاية القرن التاسع. أما ترجمة النصوص الطبية ، على وجه التخصيص ، فيبدو انها بدأت حوالي الخمسمائة بعد الميلاد على يد سيرجيس الراسعيني ( توفي 536 ميلادية ) الذي ، من ضمن محاولات علمية اخرى ، ترجم الى السريانية اثنين وثلاثين عملا لـ جالينوس، وكانت تتضمن ترجمات الراسعيني النصوص الرئيسية للطب و المعتمدة في مدرسة الاسكندرية في ذلك الحين. ويتضح ان ترجماته السريانية كانت اولى الترجمات لاعمال طبية يونانية الى لغة سامية. أما حركة الترجمة التي تلت سرجيس الراسعيني فبلغت أوجها على يد حنين بن اسحاق و زملائه في بغداد وذلك في القرن التاسع. وفي ذات الوقت كان قد تم انتاج العديد من الترجمات العربية لتلك النصوص. وهناك احتمال ان الترجمات العربية للنصوص الطبية كانت قد بدأت في القرن الاول للهجرة ، كما يجزم فؤاد سيزكين (2 ) ، الا انها لم تكن كثيرة حتى اواخر
القرن الثامن.

وكان هناك ، على صعيد اللغة السريانية ، استمرارية مدهشة لمراكز التعليم ومتابعة العلم،وكلها تعود الى ما قبل الاسلام وخلال العصرالاسلامي. (3 ) وهذه الاستمرارية هي في غاية الاهمية لما نجم عنها من ترجمات لنصوص طبية يونانية الى العربية. أولا، الترجمات السريانية والدراسات المتواصلة حافظت على النصوص الطبية ، في الوقت الذي كانت اليونانية قد اخذت تتلاشى بعد أن كانت لغة المثقفين لألف عام في شرقي البحر المتوسط. وفيما يتعلق بهذا الأمر ، ينبغي ان نتذكر ان تلك الترجمات السريانية العديدة كانت قد اعدت تلبية للاحتياجات العملية الخاصة بالاطباء المسيحيين الذين لم يعد لديهم مقدرة على قراءة اليونانية. كما ان استمرارية العلوم السريانية ، رغم الفتح العربي ، حافظت ايضا على البرنامج الطبي التابع لمدرسة الاسكندرية في الفترة المتأخرة. وفيما بعد ، صارت هذه المجموعة من النصوص ، و خصوصا اعمال جالينوس ، قاعدة لتعليم الطب في المجتمع الاسلامي. (4)

ذكر حنين بن اسحق في لآئحته التي تضم اعمال جالينوس المترجمة ، أن أول عشرين كتابا هي تلك الكتب التي كان يفترض في طلاب مدرسة الاسكندرية للطب أن يقرأوها. كان هؤلاء الطلاب قد اعتادوا على قراءة تلك الكتب وفق الترتيب الذي اتبعته انا في لآئحتي. وكانوا اعتادوا ان يلتقوا كل يوم لقراءة وتفسير واحد من تلك الكتب القياسية ((standard بذات الطريقة التي اعتاد اصدقائنا المسيحيون ، في ايامنا ، على اللقاء كل يوم في المعهد (الثقافي المعروف بـ (schola ، وذلك لدراسة كتاب قياسي من بين كتب الأقدمين. أما بالنسبة لما تبقى من كتب جالينوس فكان طلاب الاسكندرية قد اخذوا على عاتقهم قراءتها ، وذلك بعد دراسة تمهيدية للكتب المذكورة آنفا، تماما كما يقرأ الآن أصدقاؤنا المسيحيون شروحات كتب الأقدمين.( 5)

أما الأمر الآخر الذي له أهمية مماثلة فهو أن استمرار ترجمة نصوص طبية يونانية الى السريانية منذ بداية القرن السادس ادى الى ابداع ذخيرة لغوية اختصاصية برهنت على اهميتها القصوى في ترجمة ذات النصوص فيما بعد الى العربية ، اذ كان حنين بن اسحق وزملائه ، عادة ، يترجمون نصوص يونانية علمية او فلسفية الى السريانية اولا ، ومن ثم الى العربية. وكتب سباستيان بروك عن ترجمة هذه النصوص الفلسفية قائلا:

أحد الاسباب التي تجعل هذا النهج يبدو غيرعملي ، غير طيع) للوهلة الاولى) هو ان حنين بن اسحق كان استند في ترجمة النصوص اليونانية المعقدة الى السريانية على خبرة تراكمت منذ خمسمائة سنة ، اما بالنسبة للعربية فلم يكن لها ارث يتعلق بالترجمة ، لذا لم يكن امر انجاز الترجمة من اليونانية التي هي لغة هندواروبية الى العربية السامية سهلا الا اذا تمت عبر السريانية ، التي هي الاخرى لغة سامية. لذلك معرفة اللغة السريانية كخلفية تاريخية هي شأن أساسي في دراسة الفلسفة الارسطوطالية عند العرب (6).

والى حد ما يمكن أن يقال ذات الشيء عن تدريس طب جالينوس بين العرب. وهناك اجماع عام بأن حنين بن اسحق كان بارعا للغاية في ابتداع مفردات تقنية جديدة ومناسبة للطب في اللغة العربية ؛ وبذات الوقت تم ادخال الفاظ سريانية على اللغة العربية باعداد كبيرة(7 ).

وهناك دليل هام آخر على استمرار الترجمات السريانية الطبية ورد في تعداد حنين بن اسحق لكل مؤلفات جالينوس التي كانت موجودة حتى عام 880 ميلادية في ترجمات عربية وسريانية. (8) وهذه اللآئحة (وضعها حنين بن اسحق) ظهرت تحت عنوان " بحث لـ حنين بن اسحق الى علي بن يحي يعدد فيه ، حسب معرفته، ما ترجم من كتب جالينوس وما لم يترجم ". وبناء على هذا البحث وعلى دراسة حديثة تناول فيها ديغين راينر مخطوطة سريانية بامكاننا ان نخلص الى بعض الملاحظات العامة. (9) يبدو من خلال طبعة كوهن القياسية للقرن التاسع عشر ان كل عناوين كتب جالينوس كانت تقريبا قد ترجمت الى السريانية عند نهاية القرن التاسع الميلادي ، بالاضافة الى اربعين عملا شهيرا آخر لـ جالينوس.

ولكن ليس هناك وضوح تام الى اي حد كانت نصوص الطب اليوناني الاخرى قد ترجمت الى السريانية ، لاسيما اعمال هيبوقريطس ، لأن لائحة حنين بن اسحق كانت وصفا لمؤلفات جالينوس فقط. ويحتمل ان الترجمات السريانية لاعمال هيبوقريطس لم تكن كثيرة ، وهي التي حددت النموذج الذي اتبعه الطب الاسلامي فيما بعد. اذ بقيت تعاليم هيبوقريطس تسير في ظل جالينوس خلال العصور الوسطى المتأخرة. وبالرغم من اجلال اطباء القرون الوسطى لـ هيبوقريطس الا ان اعماله لم تلفت اهتمام المترجمين و ممّوّليهم كما فعلت اعمال جالينوس. وتكاد الترجمات العربية المتأخرة لأعمال هيبوقريطس ان تكون تقريبا مستمدة برمتها من اعمال جالينوس المترجمة ومن بعض الكتاب الهيلنستيين. وكانت مؤلفات هيبوقريطس الصعبة قد اعيدت صياغتها وفق شكل يسهل فهمه وينسجم مع نظرية جالينوس. وكما نوه ابن رضوان ، الطبيب المصري للقرن الحادي عشر، "ان جالينوس قام بتنقية تعاليم هيبوقريطس وجعل مهنة الطب سهلة ومفهومة للناس الموهوبين والراغبين في تعلمها".(10)

وهناك ايضا أدلة في النصوص الطبية العربية عن ابحاث متميزة كتبت باللغة السريانية ، ولكن قليلة هي تلك النصوص الكاملة التي كتب لها البقاء. مثلا: كان هناك عمل لـ سرجيس الراسعيني عن داء الاستسقاء ، و ابحاث لـ أيوب الرهاوي عن داء الكلب ، و اسباب الحمة ، و فحص البول(11). أما بالنسبة للموسوعات والشروحات السريانية فالقليل منها ظل باقيا الآن. ونعرف ايضا انه توجد موسوعات هامة مثل "Pandektas " وضها أهرون الكاهن ، وترجمت الى السريانية ربما في القرن الثامن الميلادي (12) ، وكان هناك كتاب يدعى "كوناش اشليمون " و "كوناشالخوز " ، ويبدو انه كان موجز طبي من تأليف اطباء جنديسابور. وكان هذا النموذج للملخصات والموسوعات السريانية قد اتبعه كتاب الطب العرب. وهذا بدوره ادى الى ظهور المؤلفات الموسوعية العربية في القرن العاشر والحادي عشر ، الا ان هذا التطور الذي تم في منأى عن النصوص الكلاسيكية كان غالبا مخيبا لآمال الاطباء المسلمين. وبالرغم من ازدياد هذه المؤلفات الثانوية ظلت كتابات جالينوس هي المهيمنة كليا على التراث الطبي السرياني ، وتلك الهيمنة استمرت فيما بعد في التراث الطبي عند العرب. أما اعمال هيبوقريطس و جالينوس السريانية فلم ينشر منها حتى اللآن الا " أمثال " هيبوقريطس ، و أجزاء قصيرة من المجموعة الكاملة لأثار جالينوس. (13) كما لم ينشر حتى الآن من الشروحات والكتابات السريانية الا الندر اليسير.( 14)

أما فيما يتعلق بالترجمات ذاتها والذين ترجموا تلك النصوص من اليونانية الى السريانية فوصف حنين بن اسحق لهم ، كما ورد في الرسالة ، هو صحيح ، اذ كان جميع المترجمين مسيحييون ، معظهم من السريان الشرقيين ، الذين يعرفون اليونانية والسريانية والعربية. الا ان حنين بن اسحق وآخرين كان لديهم معرفة بالفارسية، ولكن ليس هناك ما يثبت ان أطباء جنديسابور قاموا بترجمة أي نصوص طبية الى العربية. أما الذين دعموا وشجعوا على ترجمة الاعمال الطبية فكان اهتمامهم الاكبر بجالينوس ، واعمال عديدة لجالينوس تمت ترجمتها بدعم من بعض المسيحيين. واحيانا كانت توجد ترجمات عديدة لنص واحد ، وكانت جميع الترجمات تتم مباشرة من اليونانية الى السريانية ، باستثناء ثلاث ترجمات قام بها حبيش ، حفيد حنين بن اسحق ، من العربية الى السريانية (15) . وكانت الترجمات السريانية لاعمال جالينوس تتم لاجل الاطباء المسيحيين واصحابهم الذين لهم علاقة بالطب. أما الترجمات العربية فكانت تتم لأجل ممولين واصدقاء المترجمين الذين كانوا عادة من مشاهير رجالات الدولة المسلمين.

أود الان ان اضع هذه الحقائق الموضوعية في سياقها التاريخي ، الا وهو العراق في بداية العصر العباسي . والعنصر الهام ضمن هذا السياق هو الانتشار الواسع للاطباء المسيحيين والخدمات الطبية. كان ظهور المستشفى من ابرز سمات هذه الخدمات ، وكان ملجأ خيري عام ولكن غير معروف في العصر القديم. الا ان المسيحيين السريان ، منذ القرن الرابع الميلادي ، كانوا قد قدموا في الزينوديكيا (xenodcheia ) أو المستشفيات خدمات مجانية للمرضى والعجز ، وكانت هذه المؤسسة الطبية الجديدة قد انتقلت الى السريان من بيزنطية حيث كانت موجودة ومتطورة للغاية(16). رغم انه لم يكن في الشرق تخصص مؤسساتي مشابه للفعالية الخيرية ، الا ان المستشفى المسيحي كانت مترسخة في منطقة الساسانين. وبما ان زينوديكيا( (xenodcheia اليونانية هي لفظة استعارتها اللغة السريانية فهو دليل جيد على ان الكنيسة آنذاك كانت قد تهلينت (17) . كما نعرف من التاريخ الذي وضعه زكريا النحوي (مؤرخ سرياني) ان مثل هذه المستشفيات كانت قد بنيت في منتصف القرن السادس ، حين أعطى الملك خوسرو انوشروان للبطريرك ترخيصا، وكان الاول من نوعه ، يسمح له ان يبني مستشفى في الامبراطورية الساسانية ، ومد الشاه المستشفى بالمساعدات المالية وخصها باثنى عشر طبيبا.(18)

استمر انشاء المستشفيات المسيحية في العصر الاسلامي ، ولحسن الحظ لدينا رسالة من البطريرك تيموثاوس تنص على أنه كان قد بنى مستشفى في "المادا" سماها بيمارستان ، وذلك عام 90 7 . (19) ويبدو ان لفظة "بيمارستان" التي تعني بالفارسية "مكان لأجل المرضى" تشير الى ان المستشفى المسيحي كانت قد اصبحت مؤسسة معروفة في بلاد فارس في اواخر القرن الثامن الميلادي. وهذا أمر هام لأنه حين اقيمت مستشفى اسلامية في بغداد في بداية القرن التاسع كان المسلمون قد تبنوا ذات الاسم (بيمارستان) وذات المؤسسة المسيحية.

كانت المستشفيات المسيحية تعتمد ، بالطبع ، على تدريب مستخدمين طبيين ، ويتضح ان دراسة الطب اليوناني في معاهد اللاهوت السريانية الشرقية كانت مادة اضافية (مساعدة) تدرس كـ "علم" مفيد. كان رجل الدين ، وحتى القديس ، يستخدم طرائق الطبيب المقتدر ، أو كانوا يعرفون متى يحيلون المريض الى طبيب اختصاصي. لسوء الحظ ان الدليل التاريخي الوحيد على هذا الارتباط الوثيق بين المعهد اللاهوتي المسيحي وتدريس النصوص الطبية كان في نصيبين وبشكل خاص في القرن السادس ، أما بالنسبة لمدرسة ومستشفى جنديسابور الشهيرة فالادلة تكاد ان تكون واهنة. كان هناك اسطورة ابتدعت ، على الاغلب ، في اواخر القرون الوسطى تفيد بانه ربم كان في جنديسابور (بشكل جدا متواضع) معهد لاهوتي له مشفى ، على غرار نصيبين ، كان يدرس فيه طب جالينوس. (20) ولكن الاطباء الذين تدربوا في جنديسابور، بعكس هولاء الذين كانوا في نصيبين ، صاروا بارزين في العصر العباسي لقربهم من عاصمة الخلفاء الجديدة.

بالرغم من ندرة الادلة التاريخية عن التعليم الطبي في معاهد الاهوت ، يبدو أنه كان هناك نسبيا عدد كبير من الاطباء المسيحين كمطارنة واطباء في البلاط الفارسي قبل وخلال العصور الاسلامية. ولعب هؤلاء الاطباء دورا حاسما في تطور الطب الاسلامي ( ).بالمناسبة انا مستغرب انه لم يكن هناك اي دليل على وجود اطباء يهود او نصوص طبية عبرية ، ولم يكن لهم اي تأثير على الاحداث الطبية في بغداد. على اي حال ، ادى الاطباء المسيحيون خدمات كبيرة للخافاء العباسيين ، اذ كانوا ، بالطبع ، مفيدين كاطباء للعائلة الحاكمة والبلاط ، ولكنهم تلقوا رواتب جدا عالية. وأدت منزلتهم الرفيعة الى تعزيز هيبة البلاط ، وكذلك في الماضي، وربما كانت اهتماماتهم العلمية ملائمة والاتجاه العقلاني للاهوت الاسلامي في بداية العصر العباسي. كما كانوا اداة مناسبة للتحكم بجزء كبير من السكان ، ومن ناحية اخرى ، استطاعوا ان يعملوا كوسطاء ، لدى النظام الاسلامي ، نيابة عن السكان المسيحيين. وربما كان الاطباء المسيحيون في البلاط يهيئون ايضا الفرص لتتدخل الدولة في شؤون الكنيسة خدمة لمصالحهم الشخصية. (21) أما استمرار بناء المستشفيات المسيحية فيعود بالتأكيد الى تأثير الاطباء على البلاط والدعم المالي المباشرالذي قدموه. ومن الواضح ان الاطباء المسيحيين أخذوا المبادرة لتعزيز مهنتهم كوسيلة لتذليل العقبات القانونية والمذهبية المتعلقة بوضع أهل الذمة. وبذلك اوجدوا قوة توازن ثقافية واختصاصية لمواجهة النمو المعاصر لما سمي بـ "العلوم العربية". (22) وربم كانت جهود اطباء السريان الشرقيين ، فضلا عن الحفاظ على مهنة الطب بين المسيحيين ، طرفا في التنافس مع السريان الغربيين لاكتساب انصار-- وهكذا خدمات خيرية لم تكن غير عادية في تاريخ المسيحية. بصرف النظر عن أي شيء آخر، باستطاعتنا ضمن هذا السياق التاريخي ان نفهم تبني الاطباء المسيحيين ترجمة العديد من النصوص الطبية اليونانية القديمة الى السريانية.

وجانب آخر للسياق التاريخي الخاص بالقرن التاسع هو التنافس بين نظامين طبيين. كان الاطباء السريان في موقع قوي بحكم خبرتهم لدراسة الطب وممارسته ، وكذلك علاقتهم الشخصية مع الخلفاء العباسيين. واذا اعتمدنا في حكمنا على قصص الجاحظ -الكاتب الشهير- فقد كانت مذهبية الخبرة الطبية شيئا معروفا ايضا لدى عامة الشعب في بغداد في مطلع القرن التاسع. يبدو ان الاطباء السريان سعوا الى تقوية الارث الطبي بترجمات اخرى. ومن ناحية اخرى ، كان المنافسون لهم نسبيا ضعفاء ، اذ لم يكن التقليد الطبي عند الزردشتيين ولا التقليد الاسلامي, أي"الطب النبوي" قويا. كان النظام الطبي عند الهنود الوحيد الذي يمكن ان يشكل تحديا للطب الجالينوسي ، ويبدو انه كان من البدء متواجدا والطب اليوناني في بغداد.

ودعوني اقول شيء أكثر عن الطب النبوي ونظام الطب الهندي اللذين ، طبعا ، استمرا رغم انتصار الطب اليوناني ـ العربي. يبدو لي ان الطب النبوي تطور في هذه الفترة كنقيض للطب الجالينوسي. كان الطب النبوي ، بالاساس ، طب عربي شعبي ، مزيج من التجريبية والسحر ، وكان قد نسب الى البي محمد ، الامر الذي منحه شرعية كبيرة بين المؤمنين من المسلمين. وكان هذا الطب يمارس باعطاء نصيحة شبه طبية ، على شكل ، احاديث او اقوال للنبي. وكان القرن التاسع الزمن الذي درست فيه كل الاحاديث الدينية بشكل مكثف ، وجرى تقييمها ، ووضعت مع بعضها في مجموعات قانونية هامة لتكون مصدرا اساسيا في القانون الاسلامي . والاحاديث والاحداث المتناقضة المتعلقة بالنبي في هذه المجاميع تعكس ، بشكل عام ، التشعب في الرأي عند المسلمين حول مواضيع مختلفة في القرن التاسع وقبله. أما بالنسبة للطب ، فهذه الاحاديث المتناقضة معنية بوجود العدوى/الاصابة ، انواع مناسبة للمعالجة الطبية ، وشرعية الدواء ذاته. والكثير من هذه الاحاديث الطبية كانت ، بلا شك ، قد لفقت بعد زمن النبي. على اي حال ، كانت الاحاديث الطبية قد جمعت ، بشكل مستقل ، من قبل كتاب مسلمين لاحقين ، ولكنها كانت تشرح على ضوء مبادى جالينوس بصورة غير متناغمة. و يبدو ، في الواقع ، أنه كان هناك رغبة لدى بعض المسلمين في انقاذ الطب من ادانة المتدينين الذين لم يجدوه ضروريا ، ومن ناحية اخرى ، ايجاد نظام طبي غير ملطخ بالتراث الوثني ومتحرر من ممارسي الاطباء الغير مسلمين.

كان الطب الهندي-الفارسي ، في المحصلة الاخيرة ، مهما بحكم الخدمة التي اداها الى الفرع المعني بتحضير الادوية. بالاضافة الى ذلك ، أود ان اوضح ان هذا النظام الطبي(الهندي-الفارسي) كان هاما خصوصا لارتباطه بانشاء اول مستشفى اسلامي. نعرف ان هارون الرشيد و وزيره ، يحي بن برمك ، كانا من المؤيدين المتحمسين للثقافة الشرقية ، وكان الوزير قد دعم ترجمة الكتب الطبية الهندية في المستشفى التي بناها في بغداد في اواخر القرن الثامن. وربما هذه المستشفى ذاتها اصبحت اول مستشفى اسلامية عندما خسر البرامكة الحكم واستولى هارون الرشيد على املاكهم في عام803 . ليس هناك اي دليل معاصر يربط بين الاطباء المسيحيين في جنديسابور وبناء أي مستشفى اسلامي ، اما بالنسبة لعددهم وتأثيرهم في العاصمة فمن الطبيعي انهم سعوا ان يكونوا الهيئة الطبية لأي مؤسسة طبية ونجحوا في القيام بذلك. أما السيطرة المبكرة للمسيحيين على الطب واسهاماتهم فيحتمل انها اصبحت أمرا مستساغا عند المسلمين بعد القرن العاشر ، حين كل اعمال جالينوس التي كتب لها البقاء كانت قد ترجمت الى العربية وكان الاطباء المسلمون قد سيطروا على مهنة الطب . عندئذ تكونت نظرة ودية تجاه اطباء جنديسابور السريان ، وبرزت شهرة مركزهم الطبي الكبير في جنديسابور وعلاقته بأول مستشفى اسلامي.

من الواضح ان الاطباء المسيحيين عززوا مكانت طب جالينوس ، ومن اوائل القرن التاسع كانوا قادرين ان يحددوا مهنة الطب وممارستها وفق تعاليم جالينوس. وكان وجود النصوص الطبية السريانية سببا ونتيجة للتطور الرائع للمستشفى الاسلامي. كان الاطباء المسيحيون ، بناء على مجمل اعمال جالينوس المترجمة ، قادرين ان ينشئوامؤسسة طبية حقيقية ، بمعنى ان المستشفى كانت مزودة بموظفيين طبيين متحررين من القيود الدينية ، سواء كانت مسيحية او اسلامية ، ويمارسون الطب كنظام عقلاني. كانت تعاليم جالينوس ، خلال القرن التاسع ، قد تبسطت وانتظمت في نسق فكري متماسك ، وعلى وجه التخصيص ، في اتجاه التركيز الكامل على السبب الفيزيولوجي للمرض ومعالجته الفيزيائية ، الامر الذي ساعد على توسيع الطب ليشمل مجالات جديدة كالجنون الذي اندمج تطبيبه في المستشفى. وكان لتأثير تعليم طب جالينوس ايضا الفضل في فصل المستشفى برعايتها المدنية (العلمانية) عن السيطرة الدينية للمسلمين وعن دمجها بالتعليم الاسلامي. وظل التركيز على نصوص جالينوس الطبية ، سواء في السريانية او العربية ، ميزة هامة للطب الاسلامي ، لأن المجتمع الاسلامي كان يفتقر لمقاييس المهارة الطبية ، باستثناء ما كان يثبته الطبيب عمليا من خلال معرفته للكتب اليونانية. لهذا استمرت كتب جالينوس في التدريس داخل وخارج المستشفى.

وفي العودة الى ترجمات القرن التاسع ، نستطيع ان نرى تنافس بين اطراف متنازعة ،اذ تترجم النصوص الطبية من السنسكريتية والفارسية الى العربية ويضا من اليونانية الى السريانية و العربية. لقد اكد ، بشكل عام ، المتأخرون من مؤرخي القرون الوسطى للطب والمحدثون الذين جاءوا بعدهم على اهمية الترجمات العربية لأن الهيمنة النهائية كانت للنصوص العربية والاطباء المسلمين. ويزعم عادة ان الترجمات العربية كانت نتيجة رعاية
( غيرية (حب الغير وعلم منزه. ولكن هذا الوصف يخفي المصلحة الذاتية للمتعهدين المسلمين الذين دعموا هذه الترجمات ، وكذلك هؤلاء الذين دعموا الترجمات السريانية. ان المصلحة الذاتية في العلم النفعي ، وان اسيء فهمها،هي تعليل جدا مقنع للتجاوب الرائع للثقافة الاسلامية مع " حكمة أجنبية."

كان الدعم الاسلامي للترجمات العربية والمستشفيات الجديدة نتيجة مباشرة لتعهد البلاط وهكذ ظل. بصرف النظر عن الرغبة في ايجاد اطباء ومؤسسات اسلامية ، و لربما لعب دعم الطب الاسلامي دورا في تنافس العباسيين مع معاصريهم من الاباطرة البيزنطيين الذين كانوا من المتعهدين المعروفين لمثل هذه النشاطات الخيرية. أما على الصعيد المحلي ، فلربما كان هناك مزاحمةللاعمال الخيرية التي تقوم بها المؤسسات المسيحية لأنه ليس هناك من يضاهي المسلمين في الاعمال الخيرية للذين من دينهم. وينبغي ان نتذكر ان الاسلام ينطوي على التزام قوي بالقيام باعمال خيرية للفقراء والمعوزين ، وبذلك الاسلام مساو للمسيحية. وكان التعهد السلطوي لاعمال خيرية جمعية وسيلة مباشرة لتأسيس أو تعزيز الشرعية السياسية . ولربما كان هناك ايضا احتياج ملحوظ لعمل خيري اسلامي بحكم الفشل العام للضريبة الالزامية( الزكاة) ان تلبي مطاليب السكان المسلمين الذين كانوا يتزايدون، لاسيما ، في المدن المزدهرة. بالاضافة الى ذلك ، كان غياب الاديرة المسيحية ، كمراكز للخدمات الاجتماعية في المدن الاسلامية ، كمدينة بغداد ، والانخفاظ الآحق في عدد الاديرة والسكان المسيحين في امكنة اخرى من الامبراطورية العباسية ، محرضا اضافيا على الاحسان الاسلامي.

كانت الاعمال الكلاسيكية اليونانية بذاتها تنطوي دائما على شعور قوي بالاسس الاخلاقية للطب ، وقيمة الحياة البشرية ، ومهمة الشفاء-- وهذه الميزات ربما كانت الارث الاقوى الذي تحدر الى الطب الحديث. وكان جالينوس قد عزز هذه الميزات في مهنة الطب القديمة وذلك بتعلية منزلة الطبيب ، والمسيحية بدورها أكدت أكثر على العوامل الاخلاقية لممارسة الطب. وبذلك كان المسيحيون ، كوسطاء بين النصوص اليونانية والمسلمين ، "قد زودوا المسلمين بالحافز الاول والحاسم ليصبحوا واعين لواجبات الطب تجاه المجتمع".( 23 )

أود أن اختتم حديثي بملاحظة عامة ، داحضا فيها الفكرة الشائعة عن عملية الترجمة. انه لخطأ فادح أن نقول ، كما فعل العديد ، بأن هذا العصر الخلاق في الثقافة الاسلامية شهد أول انتقال واسع للمعرفة العلمية من حضارة الى اخرى وباستطاعتنا توثيقه كليا. (24) هذا الأمر ، بكل بساطة ، غير صحيح ، لأننا على معرفة جيدة بانتقال المعرفة الطبية اليونانية وتعاليم علمية وفلسفية اخرى الى ثقافة روما. طبعا كانت هذه عملية تختلف بالاساس عن انصهار العلم اليوناني في المجتمع الاسلامي . بالاضافة الى ذلك ، وكما حاولت ان اثبت ، ان استجابة المسلمين لللارث الكلاسيكي ، أو جعله ، على الاصح ، ميراثا لهم، كانت ناتجة مباشرة عن تبني مسبق لعناصر هامة من الثقافة اليونانية قام بها المسيحيون السريان. وكان نقل العلوم الطبية من السريانية الى العربية يتم بالجملة ، أما بالنسبة للمجالات الاخرى فكانت الاستعارة الثقافية اكثر انتقائية. كما ان فقدان الاهتمام الشبه كلي بالنصوص الادبية اليونانية-الرومانية ملحوظ في الفترة السريانية: بالنتيجة لم تكن مفاجأة ان تلك النصوص لم تترجم الى العربية. لذلك يعقل ان نقول ان الترجمات السريانية وضعت الاساس واستشرفت ، الىحد كبير، نموذج الازدهار الثقافي الذي عرف بنهضة الاسلامية.
بواسطة : ADONAI
 0  0  8.4K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 21:05 الخميس 19 سبتمبر 2019.