• ×

قائمة

حركة الترجمة السّريانية. بحث خاص بمؤتمر القاهرة الثاني .جامعة القاهرة ، كلية الآداب

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جزيرة كوم حركة الترجمة السّريانية



اسحق قومي
الحوار المتمدن-العدد: 5330 - 2016 / 11 / 1 - 22:00
المحور: الادب والفن





بحث

حركةُ الترجمة
السّريانية
في العصر العباسي

للباحث
اسحق قومي
2016م









الفهرست
= الإهداء.
= مقدمة
= عناوين البحث الجزئية.
الفصل الأول:

1=اللغة السّريانية وتطورها التاريخي.
2= لهجات اللغة السّريانية.
3=أثر السّريانية في اللغات السّامية.
4=الصلات الحضارية واللغوية بين السّريانية والعربية.
5= تقارض العربية والسّريانية
6=الآثار الإيجابية للغة السّريانية على الحضارة العربية الإسّلامية..
الفصل الثاني:
1= تاريخ الترجمة والمدارس السّريانية ودورها في نقل العلوم.
2= أسماء أهم هؤلاء التراجم..
3= حركة الترجمة في العصر الذهبي للحضارة العربية من اليونانية والفارسية إلى العربية ودور السّريانية في إثراء الحياة العلمية للحضارة العربية.
= الخاتمة.
= المراجع العربية والسريانية والأجنبية.
= كلمة شكر.
الفهرست.
يقدم هذا البحث اسحق قومي
ألمانيا في 21/6/2016م.





الإهداء.
إلى جهابذة ِ السّريان ِ الأوائل ِالمعلمينَ والمترجمينَ ، الذينَ سطروا ملاحم َالإبداعِ ِعلى مساحة ِ أرضِنا المغتصبة ِأرض ِ أشورَ و بلادِ مابينَ النهرين ِ وسوريا الآرامية ِالسريانية ِ الفينيقية .
أُولئكَ المشاعلُ الذينَ أضاؤوا ظلماتِ الكونِ وأنتجوا ثمارَ الفكر ِوخلاصة َ التأمل ِ فكانَ أن أصبحتْ العلومُ طوعَ بنانهم ْمعتمدينَ مناهجَ العلوم ِ من استنتاج ٍ واستقراء ٍوتحليل.
هؤلاءِ الذينَ اكتشفوا النجوم َوسجلوا مبادىءَ وأبجدية َالعلوم ِوالأدبِ والثقافة ِ في كلّ ميادينِها من فلكٍ وطب ٍّوجغرافيا وتاريخ ٍوزراعة ٍ وتربية ٍ للحيوانِ والإنسان ِ.وأنشاؤوا مدارسَ وأكاديمياتٍ كانت ْمناراتٍ أهدتْ الكثيرينَ إلى ساحاتها.
هؤلاء ِالذينَ مثّلوا الحضاراتِ المتعاقبة َ على أرض ِأجدادهمْ والتي تعودُ إلى سبعة ِ آلاف ِ عامٍ . لقد أصبحوا مشاعلَ للعطاء ِ والإنسانية ِ ومنحوا العربَ القادمينَ إليهمْ خلاصةَ الفكر.
لهمْ وإلى طلابِهم ومن حافظ َعلى الأمانة ِ العلمية ِبنقل ِنتاجاتهمْ وذَكرهم أتقدم ُبوافرِ تقديري.
وأخصُّ بالذكر ِالجامعاتِ التي تُدّرسُ السّريانيّة َ كلغةٍ من أجل ِطلبةِ التاريخ.وهنا أودُّ أن أؤكد َعلى ضرورة ِ تدّريس ِالسّريانية ِفي المناهج ِ التعليمية ِمن المرحلة ِالأساسيةِ للبلادِ التي تكونُ لغة ُالضاد ِ لغُتها.لكون ِ السّريانية تُشكل ُمفتاحاً لمعرفة ِمئات ِ الكلمات ِفي القرآنِ الكريم.كما وأتمنى أن تكونَ هناكَ لِجانٌ نقدية ٌلكلّ نتاجاتِنا على ساحة ِ الوطن العربي لكي يتم َّوضعُ كلِّ النتاج ِ البحثيِّ على محكِ العملية ِ النقديةِ وإلا ّ نحنُ أمامَ مأزق ِ كبيرٍ وخطيرٍ في شأنِ البحوث ِالتي ينتُجها الكتّابُ هنا وهناك .وأرى أنّ كلّ منا يكتبُ على هواه وبحسب ِمقاصده ِ متغاضياً عن حقائق َ لايمكنُ تَجاهُلُها.
شكري وتقديري إلى جامعة ِالقاهرة . لرعايتِها مثلُ هذه المؤتمرات ِ التي تشكلُ محطاتٍ هامة ً وأبجدية ً للنورِ والمعرفة ِوالإنسانية ِ والتلاقحِ الحضاري المفيدِ وأخصُّ بالذكرِ عميدَ كلية ِالآداب ِالأستاذَ الدكتور معتز سيد عبد الله وشكري موصولٌ إلى الأستاذ الدكتور جمال الشاذلي رئيس المؤتمر، وإلى الأستاذ الدكتورصلاح محجوب مقرر المؤتمر، وإلى جميعِ العاملين َوالساهرين َعلى هذا المؤتمر ِ. وإلى أخواتي وإخوتي الذين َشكّلوا نواتهُ وجاؤوا من كلِّ البلادِ. تحيتي وتقديري ومعي جاليتنا السّريانية في أوروبا ،وجميع أعضاء الرابطة المهجرية للإبداع المشرقي في ألمانيا .
اسحق قومي ...شاعر وكاتب وباحث سوري مقيم في ألمانيا.
رئيس الرابطة المهجرية للإبداع المشرقي.
مدير المعهد الاستراتيجي للدراسات السريانية ، الآشورية الكلدانية والمارونية.سابقاً
مدير ورئيس تحرير موقع اللوتس المهاجر.،عضو الكتاب العربي في ألمانيا.
ألمانيا
14/8/2016م



المقدمة:
قبلَ الدخول ِ إلى موضوعِنا ((حركةُ الترجمة ِالسّريانية ِ)) وكأيِّ باحث ٍبعد َ أنْ اخترتُ موضوعي رِحتُ أبحثُ عَمَّنْ تطرَّقَ إلى الموضوع ِنفسِهِ .ثمَ بدأتُ بجمع ِ كلّ ما يتعلقُ به ِ من معلوماتٍ لكي لا أعيدُ اجترارَ الأفكار ِولهذا وجدتُ عشراتِ الكتّابِ الذينَ غامرُوا في مثل ِهذا الموضوع ِ .وتراوحتْ أبحاثُهمْ بينَ البحث ِ العلميِّ الرصيِّن ِوبين َمَنْ يفتقرُ للموضوعية ِ والعلمية ِ وبعضُها وجدناه ُمُشبعاً بروح ٍإقصائية ٍ غيرِ موضوعية ٍ،ولا تحملُ في أروقتِها صفة َ البحث ِالنزيهِ لخلوِّها من العلمية ِ والمنهجية ِالوصفية ِ والتاريخية ِ. فالعديد ُمن هؤلاء ِ الباحثينَ عَمَدَ إلى تغييبِ السّريان ِودورهِم في الترجمة ِوبعضُهمْ جاءَ على ذكرِهم بخجل ٍ وركّزوا على طلابهمْ ونسَوا المعلم َالأولَ والمحرّك َالأولَ ونعني جهابذةَ السّريان ِ الذين َكانوا معلمينَ ومترجمينَ ونقله ً، وكانتْ لهم مدارِسُهمْ التي خرّجَتْ أجيالاً على طول ِ بلاد ِمابينَ النهرين ْ. في بغدادَ والموصلِ ونصيبين َوالرّها وحرّانَ وبلادِ آرامَ ودمشقَ وغيرِها.إننا أمام َإشكالٍ علميٍ لابدَّ من الإشارة ِإليه ِوهو أنَّ أغلبَ الكتبة ِ يتعاملون مع موضوعاتهم بروح ٍفيها من النرجسية ِ والزهوِ والتعصب ِ …
إنّ أجدادنا الأوائلَ في بلاد ِمابينَ النهرين ِـ بيث نهرين ـ وسوريا ، كانوا مشاعلَ نورٍ وحضارة ٍللعالم ِ قاطبةً . فقد أعطَوا ومنحوا العالم َمن علومِهم وثقافتِهم ْوعبقريتهم ْالكثيرَ، والشيءُ الذي لمْ يُصدق، وهنا أتوقفُ حتى أؤكدَ متسائلاً متى بدأتْ عملية الترجمة ؟!! لابدّ أن أرد معترضاً على رأي الكثيرينَ الذينَ ربطوا عملية َ الترجمة ِ برغبة ِ الخلفاء ِالذينَ منحوا هؤلاء ِالسّريانِ القيادة َفي عملية ِالترجمة ِوأغدقوا عليهم ْالأموالَ ،وأنهُ لولا هؤلاء ِ الخلفاءِ وكرمهم لما كانتْ تثمر جهود هؤلاء الجهابذة من السريان .أقولُ أنَّ أجدادي السّريانَ مشارقة ً كانوا أمْ مغاربة ً لمْ تبدأْ لديهم هذه ِ الصنعة ُ الإبداعية ُ أثناءَ وبعدُ الغزو الإسلاميّ لبلادهمْ ،فالترجمة ُ ازدهرتْ لديهم قبل َذلكَ بسنينَ والدليلُ على معرفتهم ْوإجادتهِم للغةِ اليونانية ِوالفارسية ِ والهنديةِ التي بزّوا بها اليونانَ أنفسهمْ ،ساعدهم على ذلكَ التلاقح ُالحضاريُّ بين َاليونان ِ والسريان ِ وخاصة ً بعدما جاءَ الاسكندرُ المقدوني أرضهمْ، وأما معرفتَهُم بالفارسية ِ فكانَ السبب ُالرئيسيُّ قربهم لبلادِ فارس . وبهذا المعنى يكونُ السّريانُ قد مارسوا طقوسهمْ في الترجمة ِ من اليونانية والفارسية والهندية قبلَ مجيءِ العصر ِالعباسيِّ ،وعلى أكتافهم ومن خلال ِقدراتهم المعرفية ِوالفلسفية ِ، واضطلاعهم على ثقافات ِ العالم ِقامتْ الحضارة ُ والثقافية ُُالتي سُميتْ فيما بعد ُ بالعربية ِ ..
كما ونودُ أنْ نؤكدَ على أنّ هؤلاءِ السّريان ِ قد تعرضوا أثناءَ الغزو الإسلامي لبلادهم إلى حرق ِ كُتبهم ومؤلفاتِهم ،ومنها التي كانوا قد ترجموها سابقاً ، وهناك كُتباً بكاملها تم السطو عليها ونُسبت لمؤلفين غير مؤلفها الأساسي ،تلك الكتب شملت كلّ أنواع العلوم والثقافة والحكمة والفلسفة وغيرها لأنّ قوة الغزاة وتهديدهم لشعب أعزل مع منحهم حق الحياة والمال كفيل بأن يقوم هؤلاء بشطب اسم المؤلف الحقيقي ووضع اسم أخر مكانه وهكذا نُسبتْ العديد من الكتب لغير مؤلفيها الحقيقيين .
ويبقى السريانُ يشكلون المحركَ الرئيسي في صنع ِالحضارة ِ العربية ِ .أجل ْبجهودِ هؤلاء القادة للفكرِ والثقافة ِوالعلوم ِ تزدهرُ المكتبات ،ولولاهم ما كان لبغدان َأن تزدهر وتُصبح قبلة ًالعالم ِ في الثقافةِ والعلوم ِ،وأشتهرَ فيها العلماء، وطلابهم عبرَ دار ِالحكمة ِ حيثُ وفدها الطلاب مِنْ كلّ حدبٍ وصوبْ.،ولولا أجدادي السّريان سواء َأكانوا شرقيينَ أم غربيين ما فاخرَ العربُ قديماً أو حديثا بأنّ لهمْ حضارةً في كلّ الميادينِ والثقافة ِ والعلومِ والفلسفة ِذاتها التي تُنسبْ لليونانيين . حيثُ انتقلتْ الفلسفة وعلوم الرياضيات والفلك والتنجيم والطب إلى مصر وبعدها من مصر إلى اليونان .
فاليونان سابقا ًكانتْ أمةً للشعر والملاحم (الإلياذة والأوديسا للشاعر هوميروس) ونراها بعدَ أن ْأخذتْ بالفلسفة ِ تُبدعُ وتُصبح ُقبلةً للعالم ِفي هذا المجال. حيثُ يتفاعلُ الفكرُ في أبهى صورهِ ويُبدع .
ودليلنا :أنّ طاليس الملطي(من جزيرة مالطا) ذهبَ إلى مصرَ وتعلم َالرياضيات والفلسفة وحينَ ذهبَ إليهِ فيثاغور ليتعلم على يديه ِ الرياضيات أشارَ طاليس الملطي عليه ِ أنْ يذهبَ إلى مصرَ وخاصة ً إلى علماء ِ (ممفيس والديوسبوليس) حيث ُ مكثَ عندهم يتعلم مدة َاثنينِ وعشرينَ عاماً!وكانت ْالفلسفة قد جاءت ْمصر من بلاد ِ ما بينَ النهرين ِلكون الحضارة كانت قد بدأت منذ أمد بعيد من خلال الحضارات التالية(السومرية، الأكادية ، البابلية، الآشورية )وكانتْ هذه الحضارات تتفاعل ُمعَ محيطها، وتشكلتْ فيها أولى المعارف العلمية ،والثقافية..،وهناكَ الكثير مما نودُ قوله لكنَّ تحديد البحث يحتم ُعلينا أن نتوقف عند هذا القدر من التمهيد أو المقدمة ولننتقلُ إلى
. موضوعنا بفاتحة عن أهمية ِ اللغة لأنها محورُ وجوهرُ بحثنا وهي المحمول الذي تمّ من خلالهِ نقلُ علوم الآخرين إلى اللغةِ العربية.
فاللغة كما نعلمُ جميعاً هي وسيلة ٌ للتعبير عن مكنونات العقل ِ،والحاجة ُللتواصل ِ مع غيرهِ، وبها نقيسُ مدى قدرة ِالعقل ِعلى استهلاك العالم ِمعرفياً .،كما أنها كائن ٌاجتماعي عرقي بيئي ٌّينمو ويتطور، وهي نظامٌ صوتيٌّ، له دلالاتهُ، ورموزه ُ،وتقنيتةُ ، تنمو في محيط ٍاجتماعي وتكون ُأداة ٌللتفاهم ِوالقدرة ِعلى الحكم ِوالتحكم ِفي سياقاتِ النشاطاتِ الإنسانية ِالمفيدة ِ وقد نشأتْ وتطوَّرتْ اللغة ُمن خلال ِعملية ِالعمل ِ،وكما قيلْ لكلِّ قومٍ لغتهُ .
أمّا لغوياً تعني : لغى ولغو والهاءُعوضٌ، وجمعها لغى ولغات أيضاً، والنسبة إليها لغوي، واللغا: الصوت، ويقال أيضاً لغى به: أى لهج به.
و هي الألسن، وهى فعلة من لغوت: أي تكلمت، أصلها لغوة والجمع لغات ولغون. وقد أشارَ ابن ُخلدون ِ إليها بأنَّها: (عبارة ُالمتكلمِ عن مقصودة، وتلك العبارة ُ فعل ٌلسانيٌّ اشيءٌ عن القصد ِ لإفادة الكلام، فلا بد أن تصير ملكة متفردة لها وهى اللسان. وهو في ّ لكل أمة حسب اصطلاحاتهم.) أما ابن سنان الخفاجي فيذكر أن اللغة هي: " ما تواضع القوم عليه من الكلام ". واللغة هي أصوات أو ملكات في اللسان تختلف باختلاف الأمة، وهذه الأصوات يستخدمها ّكل قوم للتعبير عن أغراضهم ومعانيهم وهي ليست مجرد وسيلة بحسب تعبير ( مالينوفسكي) بل هي وسيلة لتنفيذ الأعمال وقضاء حاجات الإنسان، فالكلمة من وجهة نظره إنما تستعمل في أداء الأعمال وإنجازها لا لوصف الأشياء أو ترجمة الأفكار. وكما قلنا فاللغة والفكر توأمان وهي الوعاء الذي يحفظ فكر الأمة وعواطفها وحين تصل اللغة مرحلة الكتابة والقراءة تكون قد أنتجت من خلال احتكاكها بالواقع المادي والاجتماعي منظومة حضارية تتطور تبعاً لقدرة هذا المجتمع أو ذاك على استخدامها كوسيلة ليس للتفاهم وحسب بل لتكثيف الجانب المعرفي .وقد اختلف الباحثون قديما وحديثا في موضوع نشأة اللغة الإنسانية الأولى. . واللغة ُظاهرة ٌاجتماعية،ٌ تقتضيها حاجة ُالإنسان ِإلى التفاهم مع أبناء جنسه. وفى ذلك تأكيد ٌعلى ما قاله دى سوسير (( بأن اللغة أساساً ظاهرة اجتماعية ينبغي دراستها في ضوء علاقتها بالمتحدثين بها ومشاعرهم النفسية، وأنها دائرة تشمل المسموع والملفوظ والمتصدر، وهى تحرّك قسماً نفسياً وآخر وظيفياً. تستمد قاعدتها من ذاتها ، وجميع المؤثرات في اللغة ترجع إلى المجتمع والظواهر الاجتماعية )).
واللغة التي نتناولُها هنا هي اللغة ُ السّريانية ُ ،لا بل نؤكّد ُعلى أنَّها الآرامية ُبعد تطورها لأنّ السّريانيّة هي امتداد ٌللآرامية ولهجاتها المختلفة، والتي نتجت ْعن تفعيل الأبجدية الفينيقية التي كانت بدورها أحد ُوأطور اللهجات الآرامية .لهذا جاء الآراميون أهل دمشق وطوروا الفينيقية كأبجدية ليكون دورها فيما بعد أقوى وأكثر تأثيراً.ولابد لنا من أن نتحدث عن أهميّة تطور اللغة الآرامية ،ولماذا سُمّيتْ بالسّريانية وهل تحتوي في طياتها الأكاديّة والأشوريّة والفينيقيّة وما هو دورها في العهد العربيَّ الإسلاميّ وخاصة في العصر العباسي الثاني.وسنترك المقدمة المتواضعة لنبدأ في :

1= ماهي اللغة ُالسّريانيةُ ؟!
اللغة ُالسّريانيةُ ، لا بل الآرامية هي دوحة ٌمن أصل اللغات السّامية. ولا يمكن الفصل بين جوهر الآراميّة والسّريانيّة ِعلى الإطلاق . إنما الفصل يكون فقط برسم الكلمة، وليس في الجوهر والمعنى والتقنيّة التي اعترتْهَا المتغيرات ُالإيجابية ُ..والسؤال ُكيف تكوّنت الأبجدية ُالآراميّةُ التي هي أساس السّريانية ؟!! لقد ساد الوهن ُلهجة َأهل ِفينيقية َــ والتي هي بالأساس أحد ُاللهجات الآراميّة المشبعة باللغة الأكاديّة وخطِّها المسماريِّ ،وحين نقول اللغة ُالأكاديّة ُنعني بها أيضا اللغة الآشوريّة َالشمالية َلبلاد ِالنهرين ـــ فبادر أولاد ُعمومتِهم من الآراميين َفي دمشق َلتطوير الأبجدية ِالتي تختزن ُبالأصل ِ خلاصة اللغة الأكاديّة (البابليّة والآشوريّة ) .إذا اللغة البابلية الآشورية الأكادية والتي ترعرعت في بلاد مابين النهرين وأمتد تأثيرها إلى فينيقية على الساحل السوري هي اللغة التي سيكون لها شأنٌ كبيرٌ فيما بعد ، وحين جاءت رسالة السيد المسيح قبل ألفي عام سميّ الآراميون بالسريان ـ وهناك عدة آراء بشأن التسمية السّريانية فالمطران الكاتب اسحق ساكا يقول نسبة إلى شخص يُدعى سوريوس ومنهم من يقول عندما دخل اليونان إلى سورية سُمِيَّ الشعب بالأسيرين (الآشوري ) وغيرهما من أراء ــ هكذا أصبحت اللغة تُدعى بالسّريانية نسبة للشعب وقد تجاوزت ديمومتها أكثر من ألف ومئة عام وحلت محل بقية اللغات وذلك لعدة أسباب أهمُّها سهولة ُأبجديتها وانتشرتْ في بابل َوسومرَ وبلاد ِأشورَ وبلاد ِ مابين َالنهرين ِ العليا والوسطى ،وفارس َوالهندَ والسند َوبلاد ِسورية َالطبيعية ِالتي تقع ُ شرقي البحر المتوسط وسيناء وبلاد الحجاز واليمن وحضرموت والبحرين(دلمن) لنصل َإلى بلاد فارس .وقد استمرتْ في نفس التسمية ِالآراميّة حتى القرنين السادس والسابع عند الكثير من القبائل التي لم تدخل المسيحية وانحسر وجودها أثناء الغزو العربي الإسلامي للديار الشامية وبلاد مابين النهرين ...
وتتكوّن الأبجدية السّريانية: من 22 حرفاً ـ اثنان وعشرونَ حرفاً ـ تكتب من اليمين إلى اليسار وتجمعُ بالعبارات
الآتية((:أبجد ، هوز ، حطي ، كلمن ، سعفص ، قرشت ثخذ ضظغ))
وجميع ُالحروف ِالسّريانيّةِ تقبلُ الاتصالَ بالحرف الذي قبلها، وثمانية ُحروف تدعى بالواقفة لا تقبل الاتصال بما بعدها. .والسّريانية على لهجتين : الشرقية وهي الكلدانية والآثورية وتنتشر في العراق وإيران وجبال زغاروس، والغربية في سورية ولبنان. والفرق بين – اللهجتين ـ هو في نقاط بعض الحركات والحروف وفي رسم الخط ليس إلاّ. فالشرقية: لها سبع ُحركاتٍ هي:تباخاويُقال لها سقاباوتقابل الفتحة بالعربية ورباصا تُقابل الضمة،وارواصا عبارة عن ضمة مائلة إلى الفتح، وزلاما بثيقا عبارة عن كسرة مائلة للفتح، زلاما قشيا وتقابل كسرة مائلة للفتح، وحباصا أو خواصا تُقابل الكسرة بالعربي. أما والغربية لها خمسُ حركات. وهي :فتوحو تُقابل الفتحة بالعربي وسقوفو تُقابل الضمة المائلة إلى الفتح.وربوصو وهي كسرة مائلة إلى الفتح، وعصوصو تُقابل الضمة بالعربية ،وحبوصو، وتقابل الكسرة بالعربية.ويلاحظ إن حروف الهجاء السّريانية 22 اثنان وعشرون حرفاً ،مثل الأحرف الفينيقية. بينما نجد إن الحروف العربية 29 حرفاً (تسعةٌ وعشرون َ حرفاً)وترتيبها يختلف عن ترتيب الأبجدية السّريانية،. ولدى السريان حروف مضاعفة يختلف فيها اللفظ حسب وقوعها في سياق الجملة. وهي الحروف التالية:
الباء وتلفظ باء أو (v) حسب وقوعها في الكلمة ... التاء وتلفظ ثاء أحياناً ... الجيم وتلفظ بالجيم المصرية أو بلفظ الغاء ... الدال وتلفظ دالاً و ذالاً ... الحاء وتلفظ خاء في السّريانية الشرقية ... الكاف وتلفظ كافاً عربية وخاء ...
.)وهناك تقارب لغوي بين السّريانية والعربية ، يتوزع بين اللفظي، وعبر الأعداد، وفي الكلمات رغم تغيير حرف واحد بين اللغتين أحياناً وفي الألفاظ المتباعدة التي تمتلك رسوباتها في العربية !
كلمات عربية ـ سريانية متشابهة ،وهنالك ما لا يحصى من الكلمات المتشابهة بين اللغتين العربية والسريانية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. هنا نسجل عينة بسيطة على سبيل المثال.نماذج كلمات متشابهة بصورة غير مباشرةLبعيرو = بهيمة // برتقالي = ليمونوا // حصان = سسيو (بالعربي ساس الخيل) // بقرة = تورتو (مؤنث ثور)
أما الخلافات اللغوية بين لهجات الآرامية فليس بوسعنا الحديث المسهب لكننا نشير بعجالة إلى أن تلك الخلافات كانت منذ نشأتها مابين بلاد أشور وأرام ويزداد الخلاف في الفترة المسيحية والانقسامات التي حدثت مابين النساطرة واليعاقبة .
وممن عَمِل َ في المجال اللغوي نستطيع أن نتلمس البدايات التي كانت مع :
1= يوسف الأهوزي نسبة إلى الأهواز وكان أستاذا في مدرسة نصيبين وتوفي في 580م.
2ً=ويعقوب الرهاوي، المتوفى 708، وقيل 710، اشتغل بآداب اللغة السّريانيّة وألّف فيها كتاباً كان عمدة وسنداً يُرجع إليه.
3=وأشهر نحاة السريان( يشوع دناح) المتوفَّى في القرن الثامن .4ً= حنين بن اسحاق 873 5ً=والياس الطيرهالي 1049 وقد نهج في اللغة السريانية منهج نحاة العرب وغيرهم.وقال صاحب (اللباب): (إن الحروف الهجائية في اللغة الساميّة تُبدل من حروف أخرى وتبدأ بالساكن، وصيغة الجمع تتبع الفعل إذا أُسند إلى فاعل جمعٍ بخلاف العربيّة):
ولا نريد أن ندخل في جوانب لغوية ومقارنات بين الضمائر في اللغات السامية بل نكتفي إلى أنّ هناك تقارباً واضحاً في هذا المجال.ولكن من خصائص السّريانية أن ليس للسّان السّرياني أداة تعريف للأسماء. والخصوصية الثانية هي وجود أداة خصوصيّة لإضافة الاسم إلى أسم آخر، وهي الدال تدخل على المضاف إليه. وأنّ ميم الجمع تُقلب فيه إلى نون. والمثنّى لم يبقَ منه أثر في اللسّان السّرياني.
والحركة التي لا يعقبها مدّ أو حرف مشدَّد أو حرف ساكن تسقط دائماً في اللفظ السرياني إلاَّ إذا أوجب إبقاءَها صعوبة. والحروف الهجائية في اللغة الساميّة الأصليّة تُبدل من حروف لأخرى.والاسم المفرد وجمع المؤنث السالم إذا لم يلحق بهما شيء يطلق آخرهما بالألف. والنون في بعض الأسماء الأوَّليّة تُقلب إلى راء.
كما نجد صيغتان فُقدتا من اللغات السامية وبقيتا في اللغة السّريانية وهما سفعل وشفعل.
كذلك وفي السّريانية يصير آخر الاسم (آ) وهو أداة التعريف. (الكتاب : خْثوبا). (الخبز: لِحْما كما يبدأ الفعلُ بالنون في صيغة المستقبل مثل: (سأقتل: نْكوتيل· أصول الكلمات في السّريانية ثلاثية كما في اللغات السامية. وهي الفاء والعين واللام، وما عداها زائد ٌإذا تغيَّرت الحركات في وسط الكلمة تغيَّر المعنى ولا يوجد باللغة السّريانيّة تضعيف ٌ،ولا مثنى وإن وجدنا بعض َالآثار لذلك.وتبدل النون راءً في بعض الأسماء (ابن: إبرا)، (ابنة، برجا).وترقى الآرامية إلى القرنين العاشر و التاسع قبل الميلاد، وتقسم إلى لهجتين كبيرتين: شرقيّة ُوغربيّةُ،وقد نمّيزُ فيهما التسميات والمراحل التالية :
الآراميّة القديمة والرسميّة والغربيّة ُوالشرقيّة ُ.
فالقديمةُ: تُرقى إلى القرنين العاشر والثامن قبل الميلاد حينما تخلّى الآراميون عن اللهجة الفينيقية و شرعوا يستعملون لهجتَهم المحلية َالمطورة َللأبجدية ِالفينيقية ِ وراحت تكتمل مع التقدم والتطور، بينما نجد في الكتابة تتطور الآرامية التي تُسمى بالرسمية ومنشؤُها
الشمال السوري، وهي التي تداولتْهَا . الوثائق ُالرسمية ُفي مختلف المناطق الآشورية. ففي العهد الآشوري(1100 -612 ق.م) تبنّت الدولة ُاللغة ُالآرامية ُ،و أصبح المشرفون َعلى
الشؤون الإدارية يتقنونها أكثر من الاكادية، لا سيّما في المناطق النائية حيث استعملوا للمراسلات نموذجاَ من الآراميّة المبسطَّة. كما أن عادة إرفاق جداول َآرامية بالألواح المسماريّة أخذت تزداد ُمنذ ذلك التاريخ حتّى في قلب الإمبراطورية. و قد انتشرت الآراميّة الرسميّة انتشاراً واسعاً في العهد الآشوري،.
واستمرّت ْالآراميّة تشغل مكانتها المرموقة في العهد البابلي الحديث(626- 538 ق.م) وفي العهد الفارسي (538- 330 ق.م). و قد مرت هذه اللغة بفترة عصيبة في العهد اليوناني (312- 64 ق.م) حيث أخذت اللغة اليونانية تفرض نفوذها على المناطق الهلنستية، غير أنها قاومت هذا النفوذ، وظلّت سائدة في "الحضر" 1...مثلاً رغم مظاهر الحضارة اليونانية الرومانية البادية في أطلالها. و عوّضت الآرامية عما فقدته في العهد اليوناني، إذ بسطت نفوذها في البلاد العربية حيث تداولها الأنباط و التدمريون حتى العهد المسيحي، و في فلسطين حيث تمسكت بها الجماعات التي ناهضت الثقافة اليونانية.أما الآرامية الغربية نجد انتشارها في منطقة دجلة والفرات وفلسطين و بعد سقوط السامرة (721 ق.م)، انتشرت الآرامية فيها بواسطة الجاليات التي حلّ الآشوريون فيها. كما ونميز الآرامية اليهودية الفلسطينية : سامرية وآرامية مسيحية في فلسطين
و تدعى هذه اللهجة بالإجماع " آرامية فلسطين المسيحية" التي كانت مستعملة كذلك لدى
مسيحيي مصر الناطقين بالآرامية.أما الآرامية الغربية الحديثة فهي لا تزال لغة لمنطقة تتكون من قرى واقعة في الشمال الشرقي من دمشق و هي: معلولا وبخعا وجبعدين، و قد عانت تغييراً كبيراً و تأثرت إلى حد بعيد في نحوها و ألفاظها باللغات التي سادت تلك المنطقة، و لكنها تعتبر بقية حية للآرامية الغربية،.أما الآراميّة الشرقيّة جاءت نتيجة للغزو الآرامي لمنطقة دجلة والفرات حيثُ كانت لهم لهجاتهم المحلية الخاصة المختلفة عن الآرامية الرسمية.، و قد أصبح بعض هذه اللهجات مكتوباً و مستعملاً للأغراض الأدبية أيضا. ،و انتشرات هذه اللهجات المحلية حتى في جبال أرمينيا و جبال شمال العراق،. و يمكننا أن نميّز في هذه الآراميّة الشرقيّة أربع فئات أيضاً:1=الآرامية اليهودية البابلية و هي ظاهرة في التلمود البابلي و في وثائق ترقى إلى ما بين القرنين الثاني و السابع للميلاد. و لم تكن هذه اللهجة موحدة، و يبدو اختلاف صيغها حتى في التلمود نفسه. .2=وهناك الآرامية المندائية في العراق فقد كتب المندائيون أدبهم بهذه الآرامية الشرقية. فهناك وثائق لهذه الديانة المستقلة كتبت بلغة تطورت محلياً من الآرامية القديمة، قد تكون صيغة صافية من الآرامية الشرقية غير المتأثرة بالعبرانية، كاللهجة اليهودية، أو باليونانية، كما هي الحال مع السريانية. و لكن الوثائق التي وصلتنا بهذه اللهجة ترقى جميعها إلى حقبة متأخرة، و قد طرأ عليها تغيير لفظي كبير و تأثرت كثيراً باللغة العربية.
ويُطالعنا في بحثنا عن اللغة السريانية بأنها اللهجة المسيحية للآرامية الشرقية،فقد كانت مستعملة كلغة أدبية قبل العهد المسيحي. إلا أن النصوص
1= الحضر:أو مملكة عربايا هي أقدم مملكة عربية مركزها مدينة الحضر الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة الموصل على مسافة110كلم وتبعد عن مدينة آشورالقديمة 70كلم .وقد ظهرت مملكة الحضر في القرن الثالث الميلادي وحكمها أربعة ملوك استمر حكمهم قرابة المائة عام.
أما في منطقة الرّها الآراميّة ِ، فقد حلّت ْفيها مدرسة ٌ مسيحية ٌمحل َّ المركز ِالوثني ِّو تطوّرتْ الآرامية ُالشرقية فيها إلى لغة أدبيّة ٍمزدهرة ٍحيث ارتفع َشأنُها عالياً لا سيّما بعد أن اتخذتَّها المسيحية ُلغة َالدين ِوالآداب ِ لها. و في القرن الخامس عندما ثارت الجدالات ُالعقائديّةُ في الشرق، استفادت اللغة من ذلك فائدة عظمى، إذ راحت كل ُّفئة تعمل على صقلها، واغناء مفرداتها، و ضبطها لتكون َقادرة ًعلى التعبير عن حاجات الناس سواء، اللاهوتية ِ أو الفلسفية ِ أو العلميّة ِ أو الطبيّة ِو الفلكيّة ِ والحاجات ِ اليومية ِ. و كان للانعزال ِالذي سبَّبتْه ُهذه ِالجدالات ُأثرَه ُالعميق أيضاً في كلتا الفئتين الشرقية والغربية ،و في تطوّر اللغة فيها، إذ أخذت الاختلافات ُ اللفظيّة ُو الكتابيّة ُتبرزُ واضحة منذ نهاية القرن السادس الميلادي. و هكذا انقسمت ْاللغة الآرامية من حيث اللفظ و الخط إلى :آرامية شرقية ،و آرامية غربية.،وجاءت

(اللباب، تأليف القس جبرائيل القرداحي الحلبي اللبناني، المطبعة الكاثوليكية بيروت 1887، المقدَّمة.

جهود أهل اللغة بنتائج مرضية ضد الغزو البزنطي بل استطاعوا نشر لغتهم في البلاد الفارسية و منها إلى البلدان الشرقية، ثم إلى الشرق الأقصى، إلى الصين و الهند. و مازالت متداولة في الهند لدى السريان الملباريين والملنكاريين كلغة طقسية.
أما في المنقطة ِ الغربيّة ِفقد ْامتدّت إلى آسيا الصغرى و سورية َو فلسطين َ، و دخلت ِ البلاد َالعربية َو مصر َ. و كان تأثيرُها كبيراً على لغات ٍكثيرة ٍكالعربيّة ِو الارمنيّة و الإيرانيّة، حتى استعملَها الوثنيون ومنهم الصابئة ُو المانويون أنفسُهم لأغراض ٍدينية ٍ. ثم تقلّصَ نفوذُها بعدَ الغزو الإسلامي لتلك البلاد.
وقدْ ظلت ْ السريانيّة لغة ًأدبيّة ًحيّة ًحتى القرن ِالرابع َعشر َو لم تزل ْلغة ًطقسيّة ً لدى الكنائس ِ السّريانية ِالشرقيّة ِو الغربيّة ِحتى اليوم .
وقبل َأن نغادر َهذه الفكرة َنقول ُ: هناك سريانيّة ٌحديثة ٌنُسميها( السورت) وهي المحكية ُلدى الجماعات ِالمسيحيّة ِالقاطنة ِفي جبال وقرى واقعة ٍفي شمال ِالعراق ِو على الضفاف الشرقيّة ِمن بحيرة أورمية َو جبال طورعبدين. و لم يتخل َّعنها أصحابُها الذين نزحوا إلى أمريكا أو أوروبا أو غيرهما من الدول البعيدة. إلا انه ُقد طرأ عليها بعضُ التغيير ِ على غرار ِالآرامية ِالغربيّةِ ، تغيير ٌكبير ٌفي اللفظ و تأثّرَتْ بالظروف و باللغات المجاورة كالعربيّة ِو التركيّة ِو الفارسيّة ِ و الكرديّة ِو أخذ المتحدثون بها يستعملونَها للأغراض الأدبية أيضا منذ ُالقرن ِ السابع َعشر َ، تحت تأثير المبشّرين َالغربيين َ، فينشرون َبها صحفَهم و مجلاتِهم و كتبَهم، فسادت في هذا المضمار اللهجة ُالاورمية ُ.(نسبة إلى منطقة أورميا )خلاصة ُالقول، أن ّالخط َّ واللهجة َالتي اقتبسَها الآراميون الأوائل ُمن جيرانِهم الكنعانيين(الفينيقيين) أصبح َمصدراً لمعظم ِالكتابات ِالحالية.
فانتشرت ْ إحدى صيغِه في آسيا الصغرى و منها انتقلت إلى بلاد اليونان حيث ُأعطت الأبجدية اليونانيّة التي أصبحت بدورِها مصدر َاللاتينيّة الغوطيّة و الأبجدية القورلية المستعملة في أوروبا و الكتابات القبطيّة في مصر. و هناك صيغة ٌأخرى انبثقت ْمنها الكتابة ُالبهلوية ُفي إيران الوسطى و من خلالها الاّفستية ُو السغدية ُو الأبجدية ُ ُالمانوية ُالتي منها أتت الكتابات ُالويغورية ُو المغولية والمانشؤية و الكالموكية و اليورياتية. و أعطت صيغة ً أخرى منها الكتابات ُالخروشتية ُو البرهمانية ُو من خلالها الكتابات التيبتية و كتابات ٌمستعملة ٌفي الهند و الجنوب الشرقي من آسيا و اندونيسيا. و إحدى صيغها كانت مصدراً للكتابة الارمنيّة ِالتي منها جاءت الكتابات ُالجيورجية ُو القفقاسية ُ. كما نتج َعن إحدى حالتِها الكتابة َالعربية َالمربعة َو الخطين التدمريُّ و النبطي ّ، و من هذا الأخير ِجاء َالخط ُالعربي بأشكاله ِالعديدة في الفارسيّة ِو التركيّة ِ و الاورديّة ِو المالويّة. و قد تفرّعَتْ الكتابة ُالمانديّة ُالغربيّة ُأيضا ًمن إحدى صيغ ِ الكتابة ِالآرامية ِ.
***الصلات ُالحضاريّة ُواللغويّةُ بين َالسّريانيّةِ والعربيّة
هُناك َعلاقة ٌوثيقة ٌمابين َالسّريانيّة ِوالعربيّة فا اِلصلات ُالحضاريّة ُواللغويّة ُبين َ السّريان ِوالعرب ِقبل َالإسلام ِوبعدَهُ،و لا يُخفى على أحد ممن قرأَ ُالتاريخ ليتبين فضل ( السريان)الكبير ومجموعة فضائل كبرى لولاهم ماكان للعرب تلك المعرفة في اللغة والخطِّ والترجمة وغيرها وهنا نقف عند الخطّ العربي الذي تمّ اشتقاقهُ من الخطِّ الاسطرنجيلي ِّحيثُ تم ّ أولاً اشتقاق ُالخط ِّالكوفي من الخط الاسطرنجيلي وكان َذلك َفي القرن الأوّل ِقبل َالإسلام حيث كان السريان ُالأوائل ُالذين علموا العرب القراءة والكتابة انظر يارعاك الله:
جاء في العقد الفريد لأبن عبد ربهُ وفي الجزء الثاني .أنّ ثلاثة من طيء اجتمعوا ببقعة (وهم مرار بن مرة. واسلم بن سعدة.وعامر بن -جدره) فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية.فتعلمهُ قوم من الأنبار, وجاء الإسلام وليس أحد يكتب بالعربية غير بضعة عشر إنساناً.وهكذا قال: السيوطي في المزهرج1.وصاحب الفهرست ص40نتقلاً عن بن عباس ما يشبه قول صاحب العقد.كما روى البلاذري في فتوح البلدان ص471كلاماً مطولاً على هذا النحو.مفاده أن اللغة السريانية أساس العربية.وقال: الأثري الشهير فيليب برجه في كتابه عن أصول الكتابة ص287. ما تعريبه (أنّ الكتابة العربية وجدت…وكانت نصرانية قبل أن تتحول إلى إسلامية).وإذا قلنا نصرانية فنقول بذات الفعل سريانية.فالفضل الكبير إذن في تعلم الكتابة للعرب يرجع لنصارى السريان الذين علموها لنصارى العرب حيث كانوا وحيثُ بشروا ونحن إن قلنا عرب لا نقصد إلاّ سكان شبه جزيرة العرب.ولا نعني مطلقاً سكان سورية من الذين يتكلمون بما يريدون تسميته اليوم بالعربية.لأنّ هؤلاء هم مسيحيون سريان أقحاح منهم من اسلم عند الغزو الإسلامي.ومنهم من بقيّ على دينه هذا بالنسبة للخط ومعرفة اللغة لكن دور السريان لايتوقف عند هذا الحد بل هم الذين أغنوا مسيرة النهضة العلمية عند العرب فهم من علموهم القراءة والكتابة وقاس العرب هجاء العربية على هجاء السريانية ومن قبل نجد أثر السريانية في بلاد الحجاز ومكة والمدينة وجاء أن الرسول محمد :يقول لحسان بن ثابت أتجيد السريانية قال لا .؟!!قال أذهب وتعلمها لأنها لغة الملائكة فيقول ذهب زيد وتعلمها في سبعة عشر يوما والسؤال ما الذي تعلمه منها لقد تعلمها نحواً وصرفاً لأنها كانت لغة القوم في تلك الديار...
هذا ما جاء في كتاب صبح الأعشى للقلقشندي.فقد روى محمد بن عمر المدائني .في كتابه القلم والمداواة.قول الرسول والذي يقطع الشك باليقين (لزيد بن ثابت أَتحسن السريانية؟! قال.لا..قال.تعلمها لأنها لغة الملائكة…).ويقول صاحب صبح الأعشى.أنّ حسان ذهب وتعلمها في سبعة عشر يوماً.وإذا سألنا أنفسنا ما الذي تعلمهُ حسان في هذه المدة القصيرة وهل كان عبقري زمانه…؟ لقد تعلمها نحواً وصرفاً (قراءة وكتابة).لأنهُ كان يتحدث بها كلاماً.سيما وأن محمد بن عمر المدائني. يعد كلام الرسول من الأقوال المسندة لا الضعيفة.؟.كما أن زوجة الرسول الأولى خديجة ابنة عم المطران ورقة بن نوفل الذي كان على مذهب النساطرة .كانت لغتها آرامية. ولم يذكر التاريخ أنهما كان على خلاف لغوي لأنهما كانا يتحدثان الآرامية( السريانية) المستعملة هناك...ونعني (اللهجة الشرقية).ويقول البير أبونا في كتابه تاريخ الكنيسة الشرقية ج1.إن ّاللغتين العربية والسريانية تنتميان إلى دوحة واحدة هي الآرامية.
وقد أقر العديد من الباحثين أثر السريانية على العربية كما نجد ما أقره بروكلمان ومجموعة من الباحثين ، إذ " في القرن الرابع قبل الميلاد، قامت دولة الأنباط العربية ، وامتدت من خليج العقبة إلى دمشق ، وشملت معظم شمالي جزيرة العرب ، وكانت عاصمتها سلع أو البتراء .
وعرب البتراء استعملوا الآرامية في كتاباتهم بينما كانوا يتحدثون باللهجة التي يسمونها عربية و يقول بروكلمان : إن الكتابات المختلفة التي نقشت على قبور سلع ، تدل على أن الأنباط قد استعملوا في هذه النقوش اللغة الآرامية التي كانت لغتهم الرسمية حتى في ظل الأخمينيين ". أجل لأن الحروف الهجائية لم تكن قد استنبطت عند عرب الشمال وحين ظهرت الحاجة للكتابة كان من الطبيعي أن يأخذوا أبجديتهم التي كتب بها القرآن من الآرامية التي استعملها الأنباط .
وبعد الإسلام : تبدأ عملية التلاقح الثقافي بين السّريانية والعربية في عهد الأمويين بشكل واضح المعالم وتبلغ أوجها مع الفترة العباسية ، مما كان له الأثر البالغ في النهضة العلمية التي عرفتها الحضارة الإسلامية في هذه الفترة .
لقد " كان لأتساع دولة الإسلام ، وحاجة العرب إلى ما عند الأمم في العلوم أقوى البواعث على طلب الفلسفة والعلوم ، ونقل كتب العلم إلى اللغة العربية ، وبما أن الطابع العربي هو الذي ميز الدولة الإسلامية في عهد الأمويين 41 – 132 هـ / 661 – 749م ، بقيت الدولة الأموية عربية المظهر ، كما لم يبعد الخلفاء الأمويون عن هذا الطابع إلا في المجالات التي دفعتهم الظروف إليها دفعاً ، لقد كانوا بصدد إرساء أسس جديدة لدولة ناشئة على نهج لم يكن للعرب به عهد من قبل ، وكان بودهم أن يستكملوا كل مقوماتها ، ولم يكن بد إذن من أن تواجههم مشكلات نتيجة لما يمارسون من نشاط جديد ، كل ذلك جعلهم يلجؤون إلى ذوي الخبرة فيما جد من أمور ، فهم لم يناقضوا أنفسهم حين استمدوا العون من كل قادر عليه من أهل الثقافات اليونانية والسريانية ، مما أتاح للعقلية العربية أن تلقح بلقاح علمي جديد حمله إليها السّريان على وجه التحديد "
***" وكان للناطقين بالسّريانية الفضل في يقظة العرب العامة، ونهضتهم الفكرية في بغداد زمن العباسيين خاصةً، ما لم يكن مثله لأمة ، تلك النهضة التي غدت ولا تزال مفخرة العصر العباسي القديم ، فقد كان العالم العربي الإسلامي ما بين 133 – 236 هـ / 750 – 850 م مسرحاً لحركة من أبرز الحركات وأخطرها في تاريخ الفكر ... فكان السّريان هم العقل والروح والوعي والتحقق والتجسد الذي عبرت عليه هذه العلوم لتصل إلى العرب المسلمين،لابل هم أسها ونسغها، وهم ولولاهم ،ما وجدنا تلك العلوم اليونانية محمولة في الفكر العربي فيما بعد وكان إن استفاد العرب من وجود السريان التراجمة وأصحاب المدارس الذين مكنّوا العرب من التعرف على الأنشطة الثقافية اليونانية، وفي جهة ثانية لابدّ من الإشارة إلى رغبة الحاكم العربي في تطوير آليات الفكر عبر هؤلاء الجهابذة السريان .
والحق ُّيُقال ، أنَّ شغف َبعض َالخلفاء بالعلم وتعلقهم بالمعرفة كان لهما الفضل في بروز هذه الناحية ، ولقد وجد هؤلاء المثقفون من الخلفاء ورجالات البلاط إسناد هذه المهمة السامية والضرورية إلى علماء السّريان ليكونوا واسطة العقد في حركة الترجمة والنقل التي نشطت على أيديهم أكثر من سائر الأمم ، إيماناً منهم بقدرة هؤلاء على القيام بهذه المهمة الشاقة ، وقد ساعدَهم في ذلك مرونة لغتهم – السريانية – وإحاطة هؤلاء التراجمة بالعلوم التي ترجموها مع تضلعهم العميق فيها ، بالإضافة إلى تعمقهم في آدب اللغتين العربية واليونانية .
وبعد َهذا فقد مرَرْنا على اللغة ِالسّريانيّة ِ ،وتشكلِّها الأول، وكيفَ تطوَّرَتْ، وانقسمتْ إلى لهجات وأثرت في مختلف اللغات السابقة لها ،فاستوعبتها وهضمتها وطوَّرتها، وأغنت بحرفها الآراميِّ السرياني ِّالمتطورِ أصلا ًعن الأبجدية الفينيقيّة ِالتي كانت أحدَ أغصان ِ الآرامية ِورأينا أثرَها في العالم ِالمشرقي ِّوحتى مصرَ والبلاد ِالتي سيسكنُها العربُ الذين كانوا يتحدثون أحدَ لهجات ِاللغة ِالآرامية ِوكيفَ سيأتي اليومُ ليستعيروا ويقيسوا أبجديَّتهم بعد خطهم من اللغة السريانيّة كلُّ هذا وتأثيرُ السريانيّة على اللغة العربيّة فيما بعد وتقارضُهما في العديد ِ من الكلمات ِ وحتى في الصيغة ِالنحويّة ِوالصرفيّة ِولابدَّ أن نتوقفَ :
**عندَ دورِ السريانيّة ِفي تطورِ اللّغة ِالعربيّة ِوالثقافة ِالعربية ِالإسلاميّة ِحينَ كانتْ الواسطة َفي نقل ِ العلوم ِ الغربيّة ِاليونانيّة ِإلى العربيّة ِوحققتْ اللغة ُ العربيّة ِما أرادت من السريانيّة ِوكان َالسّريانُ هم سداها ولحمتُها وهم المعنى والمبنى في هذهِ الحركة ِفلنرى ماذا حدثْ؟!!









الفصل الثاني:
1= إسهام السّريان في الحضارة العربية على مرحلتين.
2= أولى المدارس اليونانية التي تأثر بها السّريان وأسسوا على شاكلتها.
3= المدارس السّريانية وأماكن توزعها وتأثيرها.
4= أسماءُ أهم التراجمة السّريان الجهابذة؟!
5= أول الخلفاء الذين شجعوا على الترجمة والنقل؟!
6= بواعث النقل والترجمة وأهم أهم المصنفات التي نقلها السريان عن اليونانية إلى السريانية فالعربية؟!
7=طرائق المترجمين وأثر النقل في الحضارة العربية.
= الخاتمة.





لقد أسهم جهابذة السّريان في إغناء الحضارة العربية وكان ذلك عبر مرحلتين:
الأولى ::تتمثل في ما قبل ظهور الإسلام .
نجدها واضحة حيث يتعلم بعض العرب اللغة السريانيّة وخاصة عبر المذهب النسطوري الذي مثل محوره المطران ورقة بن نوفل مطران بكة.(مكة) .وغار حرّاء الذي كان ديراً للرهبان، وغيره من مكان حيث كانت أماكن تشبه لحد ما المدارس التي يتلقى فيها الناس العلم والمعارف، وإن كانت بأسلوب حكواتي .نجد في السيرة النبوية ما يثبت هذا حيث كان يُفسر (جبر النصراني) الانجيل والتوراة..
والمرحلة الثانية :تتمثلُ بعد نشوء ِالدولة الأموية في دمشق لابد لمن قرأ التاريخ بشكل جادٍّ وجاء على حيثياته أن يعترف بدور هؤلاء السريان في تشكيل الدائرة الأولى من المؤسسة المعارفية، والتي تشكلُ أس الفكر وتنطحه للعديد من المسائل الفكرية والطبية والإبداعية الأخرى ، وهذا تم قبل ظهور الإسلام حيث كان على أتباع المسيحية وللخلافات الفكرية بينهم التي كانت ناشئة أصلا من الخلافات الفكرية والجغرافية والعرقية وقد سميت تلك الخلافات بالبدع والهرطقات التي بسببها انعقدت المجامع لمناقشة الآثار السلبية التي تركها أصحاب هذه البدع، ثم لوضع حد لها بسن قوانين وأنظمة ودستور للإيمان، وهذا ما حدث في المجامع الأربعة الأولى المنعقدة في نيقية (325م)، والقسطنطينية (381م)، وأفسس (431م)، وخلقيدونية (451م)،
ورغم كل ذلك استطاع السّريان أن يؤسسُوا في المنطقة مدارس فكرية متعددة تخرّج منها عدد كبير من العلماء ،والأدباء.، وبسبب ظهور البدع التفت المفكرون السريان إلى الفلسفة، وتعمّقوا فيها فكان لهم شأن ٌكبير ٌ في المدرسة الرواقية التي أسسها زينون Zeno (335 ـ 264ق.م). والفلسفة بالنسبة للرواقيين هي: محبة الحكمة ومزاولتها، هي العلم بالأمور الإلهيّة والإنسانيّة والسعي وراء الفضيلة، والعلم ليس الغاية إنّما الفضيلة التي نتوصّل إليها بالعلم.صحيح ٌأن َّالرواقية َظهرت قبل الميلاد وازدهرت في العصر الروماني على يد سرياني هو بوزيدونيوس الأفامي Posidonios (153 ـ 51ق.م)،.
وقد وصلت الرواقية إلى العرب والمسلمين عن طريق شرّاح أرسطو مثل: اسكندر الأفروديسي، ويحيى النحوي، ويرجّح عدد من الدارسين أن الديصانية التي كانت منتشرة في حران، ومؤسسها برديصان الرهاوي كانت السبيل في وصولها إلى العرب. وبرديصان الفيلسوف الذي ظهر في النصف الأخير من الجيل الثاني للميلاد في الرها، ترك بعلمه الواسع بصمةً في تاريخ الفكر النهريني، وتحديداً في الرها عاصمة الآداب السريانية ، رغم أن الكنيسة نبذته، فلقد أصبح أساساً للمدرسة الفكرية التي نشأت في مدينة الرها وأصبحت من أهم المراكز والمعاقل الأدبية مستقبلاً.وقد تركت الرواقية الأثر على الفكر في بلاد الشام والعالم ويظهر ذلك حتى في كتاب الفارابي (آراء أهل المدينة الفاضلة).
والمدرسة الثانية: والمهمة لدى السريان هي : الأفلاطونية المُحدثة. وهنا أيضاً نذكر بأن هذا الفكر الجديد أسسه Plotinus أفلوطين، وكان مصرياً ولكن من زرع بذورها هو نومينيوس الأفامي Numenius of Apamea، الذي اشتهر في منتصف القرن الثاني للميلاد، وفورفوريوس Porphry وكان أيضاً من بلاد الشام. ونومينيوس هو صاحب كتاب: مذاهب أفلاطون السرية، وإذا كان نومينيوس قد وضع أسس الأفلاطونية المُحدثة فإن شارحها الأفضل أيضاً كان من السريان، ونعني به فورفوريوس الصوري توفي سنة (304م). وهو صاحب كتاب: المدخل إلى المقولات، بل هو أول من وضع حجر الزاوية في الفلسفة العربية الإسلامية، فقد أثار مشكلة الأجناس والأنواع وهل هي حقائق تقوم بنفسها خارج العقل؟.
هذه المحاولات الفلسفية ذات الخط غير المسيحي، أدت إلى ظهور مدارس ذات اتجاهات فكرية ضمن الخط المسيحي.
ومنها نذكر المدارس التالية :
قيصرية، وغزة، وبصرى اسكي شام، بيروت، أنطاكية، حران، قنسرين،ومدرسة بيت لافات في جندي سابور التي هدمها العرب مع مدرسة حرّان. ومدرسة الرها، التي لعبت دوراً مهماً في انتشار الفكر الفلسفي، ليس فقط في بلاد الشام بل في كل أنحاء العالم وقتئذٍ. ومدرسة أنطاكية التي تأسست سنة (290م)، وأفَلَ نجمها بحدود سنة (430م). َ بعد أن أصبحت أنطاكية عاصمة الشرق القديمة نظراً لأهمية موقعها الطبيعي، ومركزها الجغرافي من جهة، وانتقال الرسل من أورشليم إليها وتأسيس الكرسي الأنطاكي فيها من جهة أخرى، أصبحت أنطاكية من أهم المراكز المسيحية يومئذٍ، وكان من الطبيعي أن تحتضن هذه المدينة مدرسةً تَجْمَعُ فيها عدداً كبيراً من طلاب العلم لتنافس المدارس التي كانت معروفة في: أثينا، والاسكندرية، وطرسوس.
تأسست هذه المدرسة بفضل العالمين القسيسين:
لوقيانوس ودورثاووس، وانضم إليها عدداً كبيراً من علماء المسيحيين منهم: أوسابيوس أبو التاريخ الكنسي، والقس آريوس وأوسطاثاوس أسقف أنطاكية.
ومع عام 370م تبدأ الحقبة الثانية حين ظهر ديودوروس ويوحنا الذهبي الفم وثاودوريطوس ونسطور وكثيرون غيرهم. وأهم ما امتازت به المدرسة التي كانت بمثابة جامعة أو مجمع علمي مقاومة الطريقة الرمزية التي انتشرت في مدرسة الإسكندرية. وفي كلّ الأحوال كان من أهم اهتمامات الفكر في هذه المدرسة هو التوفيق بين العقل والإيمان، أو العلم والدين.
ومدرسة نصيبين، ومدرسة دير زوقنين، ومدرسة قرتمين، ومدرسة دير العامود بالقرب من رأس العين في الجزيـرة السّورية، ومدرسة دير قرقفتا، بين رأس العين والحسكة اليوم، ودير مار حنانيا، وهو دير الزعفران، ومدرسة دير مار برصوم القريب من ملاطية، وقد اكتشف بعض الآثاريين مكان هذا الدير التاريخي المهم في مطلع العام 2004، ومدرسة أخرى في ولاية ملاطية عُرفت بمدرسة دير «إيليا ابن جاجي»، ومدرسة دير «البارد»، ومدرسة دير «سرجيسيا» أيضاً في أطراف ملاطية. ودير «أوسيبونا» القريب من قرية «تل عادة»، ودير «تلعدا» ويبعد بحدود (2 كم) عن دير «أوسيبونا»، ومدرسة «دير الجب الخارجي» ويقع بين حلب وسميساط، ومدرسة دير «مار زكا» بجوار مدينة الرقة، وكلها من المدارس الفكرية المهمة التي تركت أثراً كبيراً في موضوع التلاحم الحضاري بين الشعوب والأقوام التي عاشت في منطقتنا
وقد أسهمت بنشر الفكر في كل بلاد الشام، وهكذا الحال في بقية المدارس التي جمعت بين الفكر اليوناني قبل المسيحية، والآخر الذي اصطبغ بالمسيحية، وبعض هذه المدارس الفكرية أصبحت مراكز علمية مهمة مثلاً:
1= مدرسة مدينة حرّان القريبة من الرها وكان أهلها من عبدة النجوم (الصابئة)، عاش فيها عدد كبير من الصابئة حتى في أيام الخليفة العباسي المأمون، وعرفت المدينة إلى جانب السريان من السكان الأصليين عدداً من المقدونيين واليونان والعرب، وتفاعلت ثقافات هذه الأمم مع بعضها بعضاً، وازدهر فيها الفكر حتى العصر العباسي، وكان لكتابات ثابت بن قرة، وسنان بن ثابت، وجابر بن حيان، الأثر الكبير الذي يُـقال إن بعض المعتزلة من إخوان الصفا، والفيلسوف الشهير الكندي، قد أُخذوا من الفكر الحرّاني. وإلى جانب الفكر هنالك الأسلوب الإداري والتنظيم في هذه المدارس.
2= مدرسة نصيبين :مثلاً عرفت نظاماً فريداً من نوعه، ودخلت قوانينها إلى بقية المدارس الفكرية. فكان في المدرسة رئيس يدعى ربان ربن Raban أي معلم، ومفسر مفشقونو مــفَشقُنُا، ومُقَرِّئ ومُهَجِّئ مقريونو ومهجينونو مقَريُنُا و مؤَجـــــيُنُا، ووظيفة المقرئ كانت أن يعلم الطلاب صناعة النحو والألحان الكنائسية، أما المهجئ فكان يعلم التهجئة والقراءة الفصيحة، والوكيل راب بيتو أي رب بيتا رئيس البيت. وفي قوانين المدرسة يأتي اسم سوفرو الكاتب سُفرا، والأخ المعروف آحا يديعا والمفتش بودوقو بُدٌوقُا، وكانت هناك أسس للانتساب إلى هذه المدرسة منها أن يوافق على قواني
بواسطة : sargon
 0  0  1.0K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 04:28 الخميس 25 أبريل 2019.