• ×

قائمة

هذا ما قدمته المسيحية لهذا الشرق .. وهذا ما قدمته التكفيرية للإسلام السياسي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 فواد الكنجي

الباب الأول ... المدخل

في سماء الشرق، فكر ظلامي تصاعد ليتلبد رؤيته بغيوم سوداء تكاثفت لتسقط أمطاره المتطرفة فتغرق مدن الشرق جميعها بإقصاء ونبذ الأخر المخالف للعقيدة والمذهب والدين، بفعل تنامي قوى التطرف للإسلام السياسي التكفيري الذي كشر عن أنيابه الشريرة باتجاه مسيحيي الشرق لينقبض عليهم لافتراسهم متوغلين في دنس معالم التحضر والتمدن بالجريمة وإيقاع المظالم ضدهم دون وجه الحق، وبغير مبرر، بقدر ما يراد من أفعالهم الدنيئة نفث السموم وترسيخ الفكر ألظلامي بين أبناء هذا الشرق باسم (الإسلام) وجوهر الإسلام منهم براء.
فاليوم نبتغي من أصحاب الفكر والضمائر الحية من الكتاب العرب، مسلمين و مسيحيين، الاستنارة بأفكارهم التنويرية في قول الحقائق لإجهاض الفكر ألظلامي الذي يقود المنطقة إلى الهاوية بعد إن كان هذا الشرق منبر لاشعاء الفكر ألتسامحي وقبول الأخر والتعايش السلمي والتآخي والمفاضلة لمن يرفد رفوف المعرفة بالعلم والأدب والفن وبذخائر الفكر ونوره ليستنير بها أجيال هذا الشرق.
فبعد إن تكالبت قوى الشر والظلام لنيل من مسيحيي الشرق، والذي لا يمكن قراءته من دونهم، بكون ما تركوه وما أنجزوه من ارث حضاري وثقافي وفكري وفلسفي وسياسي له بصمات تاريخية في كل مفاصل الحياة الشرقية لا يمكن تجاهلها وشطبها بشخطة قلم في لحظة من البصر، كما يريدونها الظالمين. فالمسيحيون سواء الذين يتواجدون في العراق أو في سوريا أو في لبنان و مصر وفلسطين والأردن وغيرها، ليسوا طارئين فيها فهم لم يأتوا مع الحملات الصليبيين التي شنها ألاوربيون من أواخر القرن الحادي عشر وحتى الثلث الأخير من القرن الثالث عشر( 1096 – 1291 )، ولم يجئ بهم الاستعمار الغربي كمبشرين، وإنما هم أبناء هذا الشرق ولدوا ونشئوا و وجدوا منذ أكثر من سبعة ألاف سنه قبل الميلاد في وادي الرافدين وفي ارض النيل وأسسوا حضارة سومر و أكد وأشور وحضارة الفرعونية، أقدم حضارات العالم قاطبة، ظهرت على هذه الأرض، وقد دخلوا المسيحية بمجيئها قبل إلفين عام وظل مؤمنين بها إلى يومنا هذا، كما ظلوا يعيشون على أرض الشرق منذ ظهور الديانة الإسلامية قبل إلف وخمسمائة سنة، وعلى هذه الأرض عاشوا متشبثين بأصولهم وبعقيدتهم، وبتقاليدهم وبعاداتهم، وعليه فـ(أصل) وجودهم هو بحد ذاته شرعية لا يحتاج إلى إثبات، وعليه لا يمكن محو تاريخ (المسيحيين) من هذا الشرق العريق بحضارته المسيحية - الإسلامية، اللذان تخندقتا منذ البدا معا لبناء حضارة عربية - إسلامية متسامحة تسعى لتنوير عقول هذه الأمة لتواكب مجتمعات الكون بعد إن أصبحت العولمة بفعل تطور التكنولوجيا قرية صغيرة يتبادل إفرادها المعرفة والتسامح وقبول الأخر بقلب مفتوح يسمع ويبصر ويحاور ويسامح من اجل إنارة الفكر بكل ما هو صائب وسليم .
فهذه الأمة التي برزت في الحضارة، إنما برزت بعقلائها ومفكريها و بقوة معطيات الفكر والمفكرين العرب المسيحيين والإسلاميين الذين تجالسوا معا، جنبا إلى جنب، في المكتبات وبين مؤلفات وذخائر الكتب مبصرين لإعطاء أفكارهم التنويرية لخير شعوب هذا الشرق، فبقدر ما كانوا يدعون و يناشدون بالتسامح والانفتاح والإخاء والمحبة والعيش مع الآخر وبناء مستقيل واعد بالحرية والديمقراطية لينعم أهل الشرق بالأمن والسلام والاستقرار من اجل إن يعم الخير والبناء والأمن والأمان في أوطاننا ليسعوا بكل ما أتى بالعز والرفاهية لإنجاح النهضة الفكرية العربية المسيحية - الإسلامية، فكرا وفلسفة وأخلاق وتربية من اجل تقدم أوطاننا الشرقية وبما يؤهلها لمواكبة نهضة الشعوب والأمم في بلدان العالم .
وعلى هذه المعطيات تربى أجيال المسلمين والمسيحيين، برؤية موحدة متطلعين ومشاركين في كل نواحي الحياة السياسية والاقتصاد وفي القيم الثقافية والفنية والاجتماعية والأخلاقية والوطنية، وهكذا سرنا في رحلة الحياة نحو الإمام لحين إن جاء (الظلاميون) بفكر إسلامي تكفيري هدام، والذين أساءوا إلى الإسلام أكثر مما أساءوا إلى المسيحيين، لان الإساءة مست فكر الإسلام في الصميم بينما ما مس المسيحية هو استهداف الإنسان على الهوية في القتل والذبح والخطف والتهجير ولم يستهدف جوهر الدين و فلسفته . فان كانت أدواتهم في تصدير الإسلام يأتي عبر القتل والحقد والدم والعنف وقطع الرقاب وهتك الإعراض وسبي النساء وبكل فعل من أفعال الإرهاب وبألوية (القاعدة وشقيقاتها من داعش وملحقاتها، ليعم الشرق خطب وفتاوى تحريضية لأئمة المساجد والجوامع والمشايخ يدعون في قتل الأخر ليس فحسب المغاير لدينهم بل لمذهبهم ليعم الحقد والبغض والخطاب الكراهية عموم المنطقة .

الباب الثاني ... المسيحية و الرسالة المحمدية

و رغم هذا التصعيد الخطير في الخطاب، والذي أثار استهجان كل شعوب الأرض وليس مسيحيي الشرق فحسب، وما يرسل رسالة خاطئة لهم، هو صمت وسكوت فقهاء ومشايخ وعلماء الدين للإسلام الوسطي، لأنه لا يمكن اختزال الإسلام بفكر زمر متطرفة أصلا لا تمت أفكارهم بجوهر الإسلام، لان الإسلام الوسطي الذي تخندق مع المسيحيين منذ مجيء رسولهم برسالة الإسلام، وهم الغالبية السائدة في مجتمعاتنا الشرقية يتعاطفون مع مسيحيي الشرق ويشارك تطلعاتهم الوطنية والسياسية، ولأكنهم بفعل تنامي هذه القوى المتطرفة لإسلام السياسي التكفيري التي هي أول ما قوضت، قوضت تطلعاتهم قبل تطلعات مسيحيي الشرق، ولهذا أصبحوا بفعل تنامي هذه القوى مغيبون ومحاصرون وسط أعاصير الموجة التكفيرية الإسلامية السلفية المتطرفة والمتشددة وفق قراءة متعصبة وخاطئة ومجتزئه عن روح الإسلام ونبيهم (محمد)، فإذ ما رجعنا سيرته الأولى، نرى في عهده كيف أبقى في (مكة) على الوجود (المسيحي) والتي استمرت بوجود الكهنة ومعابدهم وكنائسهم دون إن يمسها ويهدمها ويقضي عليهم وقد كان بالإمكان إن يفعلها آنذاك لحجم قوته ولكن ما نراه انه تعاون معهم بكون المسيحيون لم يضمر له العداء ولدعوته وإنما ساندوها، لان وقائع التاريخ تذكر حين هاجر المسلمون الأوائل إلى (يثرب) بدعوة منه، وهنا في (يثرب) حيث نرى بان ممن استقبلهم قبيلة (الازد) النصرانية، وكذلك نرى بأنهم احتموا بملك (الحبشة النجاشي) وهو مسيحي، لنفهم من هذه المعطيات التاريخية وغيرها، بان المسيحيون دعموا النهضة الإيمانية والحضارية التي أتى بها الإسلام للمجتمع، واستمر هذا الدعم والتعاون قائم بين الطرفيين بما تجاوز عن قرن كامل .
وحين نمعن في (القرآن) الذي هو مصدر الأساسي لديانة المؤمنين بالإسلام نرى في سور وآياته ما يذكر (المسيحيين) ولأكثر من آية وسوره، فقد أشير إليهم في (127) آية وفي (23) سورة، والمسيحيون كما جاء في القرآن، هم (أهل الكتاب) حيث يقول... (( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن - العنكبوت 46)) و(( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة - النحل 125)) و(( لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى- المائدة 82)) .
ويرد ذكر السيد المسيح (عيسى ) عشر مرات، حيث يذكر: ((هو الوجيه في الدنيا والآخرة - آل عمران 45)). وتذكر العذراء مريم 34 مرة، يذكر(( الله طهرك واصطفاك على نساء العالمين - آل عمران 42)). إما (الإنجيل) فيرد ذكره 13 مرة: (( وفيه هدى ونور... وموعظة للمتقين - المائدة 46)) .
وقد قيم الإسلام الديانة (المسيحية) تقيما عاليا حيث يذكرهم ((... والنصارى ومن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم - المائدة 69..)). و((لهم أجرهم عند ربهم - البقرة 62...)) و((أمنا بالله ما أنزل إلينا... وما أوتي موسى وعيسى... لا نفرق بين أحد منهم - البقرة 136..)) والله يقول لعيسى ((... وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة - آل عمران 55)) و(( آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وألهنا وألهكم واحد - العنكبوت 46)) .
فيا ترى لماذا لا يقرؤون هؤلاء الإسلاميون التكفيريون هذه الآيات ويذهبون إلى الأحاديث في شن حملتهم التكفيرية ضد المسيحيين....!
فالذي يئول (القرآن) حسب أمزجته هو وهم الذين ينعتون أنفسهم بأنفسهم بـ(ألكفره) قبل إن ننعتهم بـ(التكفيريين) فهؤلاء هم جهلة حقيقيون ويجب فضح أفعالهم والحد من توسيع أفكارهم، وهذا لا يأتي إلا بازدراء منهم وردهم ورجمهم، وهذا ما يتم وسيتم مهما طال يوم القصاص منهم فهؤلاء الجهلة الذين يجهلون ما ورد في كتابهم، هم لا محال جاهلين بتاريخ (المسيحية) وانجازاتها في رقي الحضارة العربية وحتى الإسلامية، كون (المسيحية) نبتة شرقية نبتت ولها جذور في عمق و روح هذا الشرق فهي ليست نبتة طارئة غريبة عن هذا الشرق أو دخيلة، والمؤمنين بها من أبناء هذا الشرق بأصولهم الشرقية، هم أصل هذا الشرق، ومن هذا الشرق انطلقت (المسيحية) إلى العالم .
فالمسيحيون هم أصحاب الأرض لهذا الشرق واصله الأصليين، وفي هذا الشرق ترسم جغرافيتهم وتاريخهم، فهم ليسوا طارئين عليه وليسوا أهل الذمة ولا مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة. وكل ما يتعرضون عليه، ما هو إلى لسعة مسمومة من عقارب وأفاعي (الإسلام التكفيري) بغية إفراغ الشرق من وجودهم ليعبثوا بمقدراته بتعميم الفوضى الخلاقة مستعينين بعصابات منحرفة من الإرهابيين القاعدة وداعش وأذيالهم ليمارسوا في كل المجتمعات الشرقية أبشع الجرائم وبأبشع الوسائل وبروح من التعصب والبغض والكراهية دون رحمة ولا تعاطف، لان قلوبهم متحجرة بما يرتكبون من جرائم، حيث أداتهم هي العنف وحز الرؤوس وخلع الألسن وقلع القلوب وشرب الدماء واكل لحوم البشر، لترعيب الآمنين الإبراء لإشاعة الرعب في قلوبهم ليتم إطاعتهم إطاعة عمياء ليتم تعميم أفكارهم السوداء بأساليب سوداء تلك هي جل أفعالهم وإعمالهم وإنتاجهم في هذا الشرق على حساب انحسار الثقافي والفكري والذي كانت للمسيحية دورها الريادي قادت الشرق إلى النهضة والازدهار بجد و بجهد و بفكر تنويري لنهضة الشرق، وقد عملوا كل ذلك لا من اجل المسيحية فحسب، رغم اعتزازهم بمسيحيتهم، وإنما انطلقوا من اجل العروبة وانتمائهم الوطني ووطنيتهم، لان نظرة (المسيحية) كانت وما تزال تنظر إلى (الدين) باعتباره أخلاق وقيم وهي نقاط الجامعة بين كل الديانات، وهي مرتكزات أساسيه، إذ لا يمكن القياس الدين على الاختلافات في الجزئيات أو المعتقدات أو الطقوس أو التركيز على الطائفة والمذهب لأنها هي سلبية تهدد كيان الأمة، ومن هنا على المؤسسة الدينية البحث عن عوامل المشتركة والجامعة بين شعوب الأرض وليس فحسب بين شعوب المنطقة، لأننا أولا وأخيرا بشر نعيش على كرة أرضية التي أصبحت بفعل التطور وتنامي التكنولوجيا قرية صغيره لا يمكن بأي شكل من الإشكال تجاوز إفرادها وأسرها، لأنها هي التي تقوم المجتمع وفق مبادئ و القيم المشتركة في التربية والأخلاق ليتعاظم المجتمع بكل مكوناته لكي نحافظ على أمنه واستقلاله و حريته و وحدته، ويجب الاعتماد على تاريخ والحضارة والابتعاد عن الدين والطائفة، كونها هي من تسعر العداوات في المجتمع، وعلينا بدولة المواطنة والعلمانية لكي نحافظ على نسيج المجتمع، لان الانجرار في الخط المعاكس سنقود الواقع كما تريد إن تقوده القوى التكفيرية للإسلام السياسي، حيث الانحسار الثقافي والفكري بضرب المسيحية في الشرق لإحداث تغير ديموغرافي في عموم منطقتنا الشرقية، وهذا خطر سيهدد الوجود الحضاري للشرق، لان التنشئة الدينية لهؤلاء التكفيريين للإسلام السياسي جاءت قاصرة بجهلهم تاريخ المسيحيين ودورهم في بناء الحضارة العربية الإسلامية منذ ظهور الإسلام وما بعده وقبله .

الباب الثالث ... المسيحية في ظل الخلافة الإسلامية

فالمسيحيون في هذا الشرق عاشوا قبل رسالة الإسلام وفي ظل الرسالة، كما وعاشوا في ظل ألخلافة الإسلامية بدءا بالخلافة الراشدة و الأموية والعباسية و المماليك ولغاية انتهاء الخلافة العثمانية إي للفترة ما بين( 633 م - 1918 م) وما زالوا يعيشون في هذا الشرق ومصرين على البقاء فيه لأنه الأرض التي أنجبتهم رغم الهجمة الشرسة التي يواجهونها من الإسلام السياسي المتطرف ومن الإرهابيين التكفيريين القاعدة وداعش وأذيالهم، ولهذا فان دور المسيحيين الشرقيين لا يمكن تجاهله في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية أو بما يطلق عليه بالتمدن العربي الإسلامي . وخاصة اذ عرفنا ما حل بتاريخ المنطقة بعد غزو (المغول) لبغداد في عام 1258، حيث تعاقبت المحن والكوارث وساد الواقع العربي، وفي عموم منطقتنا، الجهل والتخلف لحين مجيء القرن التاسع عشر حيث شهد العالم العربي موجة من اليقظة و النهضة وكان لمسيحيي الشرق دورا فعال في نشر هذه اليقظة في عقول أبناء هذا المشرق منتصرين لأفكار الإصلاح والتحديث والرقي، وكانت لهم الجرأة في نقد الواقع العربي الإسلامي وانتقاد كل مظاهر التعصب و التزمت والتحجر، ويعود الفضل عليهم بما قاموا بنشر الوعي عبر الصحافة التي ادخلوها إلى المنطقة حيث كانوا يحثون المواطنين على الثورة ضد طغيان السلاطين العثمانيين وهيمنتهم على العرب المسلمين . ولهذا فإننا من غير ممكن نسيان تاريخهم المسيحيين ودورهم في نهضة المنطقة، أو تجاهل دورهم إبان الفتوحات الإسلامية وفي تثبيت أركان الحكم الدولة الإسلامية، ففي وقت الذي ظلت كل المجتمعات المسيحية على ديانتهم المسيحية مثل أقباط مصر، وموارنة لبنان، والأشوريين في العراق وسوريا .
فـ(مسيحيو الشرق) هم من العرب والأشوريون والأرمن، و معتنقي المسيحية من) العرب( يشمل )الروم الأرثوذكس ) والذين هم منظمين في ثلاث بطريركيات في أنطاكية والقدس والإسكندرية، ويتفرع من هذه الكنيسة الروم الكاثوليك إلى جانب الروم الكاثوليك أو اللاتين والبروتستانت، ويضاف كل من) الأقباط ( و(الموارنة (وهما أكبر طائفتين على التتالي ضمن الطوائف المصنف أتباعها كـ(مسيحيين العرب)، إما (الأشوريين) بطوائفها ومذاهبها الكنسية المتعددة فهم من (القومية الأشورية)، إما (الأرمن)الشرقيين وضمن مذاهب المتعددة التي يؤمنون بها فهم من القومية (الارمنية)، و القوميتين الأخيرتين يتحدث أبنائها إضافة إلى لغة إلام اللغة العربية كلغة ثانية رئيسية لهم ويجدون آدابها وعلومها البلاغية والصرفية والنحوية والإملائية وآدابها.
و المسيحية امتدت إلى مختلف المناطق الشرقية والتي ترتفع فيها كثافة السكان العربية، وقد تكونت بهذه المناطق أسقفيات عديدة منذ منتصف القرن الرابع، وكانت قبائل )قضاعة )التي ينتسب لها بعض القبائل الحميرية و هي أول القبائل التي هاجرت من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام وتنصرت هناك، ثم لحق بها قبائل أخرى، أشهرها غسان، التي نزحت من اليمن بعد انهيار سد مأرب في القرن الثالث واستوطنت البلقاء والبادية السورية و حوران ودرعا والجولان، وكان يرأسها يومئذ( جفنة بن عمرو بن عامر(، الذي تنصر هو وسائر من معه وأقاموا هناك مملكة تابعة للروم، وكان آل (جفنة) أعرق العرب حضارة، إذ أنشئوا ثقافة عربية امتزجت بالعناصر الأشورية واليونانية. علاوة على ذلك فقد تنصر قبائل عربية الأخرى كقبيلة (تغلب) التي كانت تسكن في الأصل في تهامة، ثم انتشرت فنزلت الحجاز ونجد والبحرين، ثم زحفت نحو الشمال حتى بلغت أطراف الجزيرة، و أول من نزل بطون تغلب في الجزيرة الفراتية هو (علقمة بن سيف بن شرحبيل بن مالك بن سعد بن جشم بن بكر) وقد قاتل أهل الجزيرة حتى غلبهم، وأنزل قومه بها، وقد أدى اتصال قبائل (تغلب) بالروم وبمسيحيي العراق والجزيرة وبلاد الشام إلى دخول قسم منهم في المسيحية كمعظم القبائل التي دخلت العراق وبلاد الشام و مصر.
وكان (مسيحيو الشرق) يشكلون سندا للأمويين في الجيش، حيث اعتمدت الدولة الإسلامية على المسيحيين في إدارة الدولة ودواوينها، وفي إنشاء الدواوين، فاستفاد (الأمويون) و (العباسيون) من جهودهم وخبرتهم في تعريب الدواوين والإدارة وأبقوهم على رأس وظائفهم، وكذلك فعل (الفاطميون) في مصر، ولم يقتصر الأمر على موظفي الإدارة، بل تعداه إلى الوظائف الكبيرة في الدولة، فقد عمل (الأشوريين) من الطوائف السريان والنساطرة للكنائس المشرقية خلال العصر (العباسي) كمستشارين لخلفاء هذا العصر وفي الترجمة والعلوم والفلك والطب .
كما وقاد مسيحيي الشرق النهضة القومية العربية، وقد أطلقوا بصحفهم وجمعياتهم الأدبية والسياسية النهضة العربية في القرن التاسع عشر والتي سرعان ما اتسعت لتشمل أطياف المجتمع برمته. وقد سطع أيضا نجم عدد كثير من الشخصيات المسيحية العربية في الوطن العربي والمهجر في مناصب السياسية والاقتصادية بارزة، كما ولا يزال للطوائف المسيحية، دور بارز في المجتمع العربي، لم ينقطع، ولعلا أبرز مراحله هي في مرحلة النهضة العربية في القرن التاسع عشر ولغاية منتصف قرن العشرين .
فمسيحيو الشرق الأوسط هم أناس واقعيون مخلصون وأوفياء ومثقفون ومهذبون ويقدمون مستوى عالي من الخدمات ويبرزون في كل أنشطة الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
وإذ ما أخذنا العصر( الأموي )، فإننا سنجد للمسيحيين مكانة خاصة، فقد برز في هذا العصر عدد كثير من الأطباء والوزراء والشعراء المسيحيين، فقد عين (معاوية) الطبيب (ابن أثال) عاملا على ولاية حمص، وكان (منصور بن ياسر سرجيون) وزيرا، وكان طبيبه الخاص عربيا مسيحيا، كما وتقلد بعض المسيحيين الوزارة كـ(سعيد بن ثابت)، وكان شاعر البلاط في عهده الشاعر الكبير (الأخطل)، الذي كان ثالث أشهر شعراء (النقائض) مع (جرير) و(الفرزدق)، وكان منهم أيضا حرفيون مهرة، شارك عدد غير قليل منهم في بناء (الجامع الأموي الكبير) في قلب دمشق، الذي أمر الخليفة (الوليد بن عبد الملك) ببنائه، كما وعين (سليمان بن عبد الملك) كاتبا مسيحيا خاصا في ديوانه الشخصي، وكما عين (المأمون) ( اسطيفان بن يعقوب) مديرا لخزينة الخليفة، وتم تقليد ديوان الجيش لمسيحي مرتين، وشغل (سعيد بن ثابت) وزارة، وتولى (عبيد بن فضل) قيادة الجيش، وكان (عيسى بن نسطورس) وزيرا في بلاط (العزيز) الخليفة (الفاطمي)، وكان (لعضد الدولة) وزير مسيحيا (اسمه نصر بن هارون)، وهكذا يستمرون الخلفاء في هذا العصر في تكلف الكثير من المسيحيين بمسؤوليات حكومية أيام الدولة (الفاطمية) .
إما في العصر (العباسي)، فقد كان لمسيحيون وخاصة من الأشوريين السريان و من (اليعاقبة) و (النساطرة) وهم من أبناء (كنيسة المشرق الأشورية)، دور مهم في الترجمة وتطور العلوم، خاصة أيام الدولة (العباسية)، وكان لدور الترجمة دورا مهما في ازدهار (الحضارة العربية الإسلامية)، وقد أتقن (الأشوريين) المسيحيون الترجمة واستوعبوا محتويات الكتب المترجمة، بعدما عربوها وأعادوا صياغتها مطورين مضامينها ومضفين عليها أبواب جديدة، وأجروا عمليات نقد عليها وأعادوا إنتاج الثقافات السابقة ووضعوها بين يدي العالم في ما بعد .
لقد ترجم المسيحيون من اليونانية والأشورية والفارسية، واستفادوا من المدارس التي ازدهرت فيها العلوم قبل قيام الدولة العربية، خصوصا مدارس مدن (الرها) و (نصيبين) و (جنديسابور) و (إنطاكية) و (الإسكندرية) المسيحية والتي تخرج من هذه المدارس عدد وفير من الفلاسفة والأطباء والعلماء والمشرعين والمؤرخين والفلكيين، وقد احتوت هذه المدارس مستشفى ومختبرا ودار لترجمة ومكتبةً ومرصد، واشتهر عدد من المترجمين الذين عملوا وتخرجوا من هذه المدارس، وأشهرهم كان (شمعون الراهب) و(كوركيس أسقف حوران) و ( وجبريل بن بختيشوع) الذين اشتهروا في الطب خصوصا، وبقيت أسرتهم (آل بختيشوع) مسؤولةً عن الطب في الدولة (العباسية) طوال ثلاثة قرون، وخدم أبناؤها كأطباء خاصين للخلفاء (العباسيين)، وعين الخليفة (المأمون) مترجما خاصا له وهو ( يوحنا بن ماسويه) الذي ترجم الكتب الفلسفية من (اليونانية) و (الأشورية) إلى العربية وألف خمسين كتابا رئيسا لـ(بيت الحكمة) وكان أبوه أيضا طبيبا، و (حنين بن إسحق) كان أيضا رئيسا لـ(بيت الحكمة) ومن بعده ابن أخته (حبيش بن الأعسم)، وقد ترجم (حنين بن إسحق) ما يقارب عن (95 ) كتابا، و (سعيد بن البطريق) وله عدد من المصنفات، و (قسطا بن لوقا)، ومنهم أيضا (إسحق الدمشقي) و (يحيى بن يونس) و (الحجاج بن مطر) و (عيسى بن يحيى) و (يحيى بن عدي) و (عبد المسيح الكندي)، وكل هؤلاء المفكرون المسيحيين رفدوا المكتبة العربية بذخائر الكتب وقد ترجموا وألفوا في (الفلسفة والنواميس والتوحيد والطبيعيات والإلهيات والأخلاق والطب والرياضيات والنجوم والموسيقى) وغيرها. وهنا يذكر عدد من الباحثين بتطور الفيزياء في اللغة (الأشورية) والتي استفادوا منها علماء أوربا وبنو عليا علومهم في الفيزياء والتي أخذت بعدها العلمي فيما بعد، كما وكانت لترجمتهم للكتب الفلسفة إلى العربية أثر كبير في ظهور (فرق المعتزلة) جنوب العراق التي تجعل من العقل (الحكم) الوحيد في تفسير أحكام الشريعة الإسلامية.
وقد وصف (الجاحظ ) وضع المسيحيين خلال العصر (العباسي) بقوله : ((.. إن النصارى متكلمون وأطباء ومنجمون وعندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء... وان منهم كتاب السلاطين.. وأطباء الأشراف والعطارين والصيارفة..)).
وفي الثقافة (العباسية) الشعبية ظهرت العديد من الشخصيات المسيحية (الفلكلورية) الأسطورية في مجموعة متنوعة من القصص الشعبية والأشعار منها على سبيل المثال وليس الحصر (ألف ليلة وليلة) التي تحتوي على شخصيات أدبية مسيحية خيالية مشهورة منها (السمسار القبطي) و(الخطاط السرياني) و(حكاية الأميرة شيرين) و(رهبان عمورية) وتتكرر شخصية الطبيب والتاجر المسيحي بكثرة، كما وتضمنت الشخصيات مسيحية خيالية من بغداد وسائر العالم الإسلامي ومن روم الإمبراطورية (البيزنطية) .
إما في العصر (العثماني)، فقد كان المسيحيون من (الأرمن) و (اليونانيين) عماد النخبة المثقفة في عهد الدولة (العثمانية)، وكانوا أكثر الجماعات الدينية تعلما وثقافة وخبرة ونشاط، ولعبوا دورا كبير في تطوير العلم والتعليم واللغة والحياة الثقافية والاقتصادية .
وفي القرن الثامن عشر، أيام الدولة (العثمانية) ظهر نفوذ (يونان الفنار)، و (يونان الفنار) هم من المسيحيين أبناء عائلات يونانية أرستقراطية سكنت في حي (الفنار) في مدينة (إسطنبول)، و (حي الفنار) هو مركز بطريركية (القسطنطينية المسكونية)، أي مركز (الأرثوذكسية الشرقية)، كان لهذه العائلات نفوذ سياسي داخل الدولة (العثمانية) ونفوذ ديني في تعيين البطريرك( الزعيم المسيحي) في الدولة (العثمانية) .
خلال القرن التاسع عشر أيضا، تحسنت أوضاع (الأرمن) الشرقيين من المذهب (الأرثوذكسية) لتصبح أكثر طوائف الدولة (العثمانية) تنظيما وتعليما، وعاشت النخبة (الأرمن) في عاصمة الإمبراطورية (العثمانية) مدينة (اسطنبول) حيث تميزوا في المجتمع بكون اغلبهم من الطبقات الارستقراطية وعلى وجه الخصوص العائلات الكبيرة المعروفة آنذاك كعائلة (دوزيان) و (باليان ودادايان ) حيث كان لهم نفوذ اقتصادي كبير في الدولة إلى جانب الاستفادة من تطور أبنية المدارس (الأرمن) التابعة للكنيسة (الارثوذكسية)، كما وعملوا (الأرمن) في التجارة والمهن الحرة مما أدى إلى تحسن أوضاعهم الاجتماعية، وقد ظهر أشخاص احتلت مناصب هامة وعينوا كمستشارين لخليفة العثماني في بغداد وسوريا ولبنان.
ويعود الفضل إلى (الأرمن) في إنشاء أول صحافة في الدولة (العثمانية) وكان المؤسس الأول هو الصحفي (دريان كليكيان)، مؤسس أولى الصحف في تركيا وقد شغل منصب بروفسور في جامعة (اسطنبول)، ولعب (أرمن تركيا) دور في تطوير الأدب (ألأرمني) والذين ترجموا الكثير من الآداب العالمية إلى العربة عن طريق اقرأنهم من الأرمن القاطنين في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وبرزت أسرة (باليان) ألأرمنيه في مجال العمارة والهندسة ولمدة خمسة أجيال صممت سلالة باليان عدد هام من المباني الرئيسية في الدولة (العثمانية) بما في ذلك القصور والأكشاك والحمامات العامة والمساجد والكنائس والمباني العامة المختلفة، ومعظمها في (الآساتنة)، كما وخدم تسعة من أعضاء العائلة ستة سلاطين في سياق قرن كامل، وكانوا مسؤولين عن الهندسة المعمارية للعاصمة، كما و نظم (الأرمن) أنفسهم فأنشئوا النوادي وأحزاب سياسية، وجمعيات خيرية بالإضافة إلى المدارس والكنائس والمستشفيات.
ومن هنا فان دور الذي لعبه (مسيحيي الشرق) في التطور ونهضة الحياة الاجتماعية لا يمكن تجاهلها لا في المجال العلمي ولا في المجال الثقافي ولا في المجال الحضاري والصناعي والتجاري، ولهم الفضل في التمدن والنهضة العربية في كل بلدان الشرق بكون اطلاعهم واختلاطهم مع الحضارات (اليونانية) و(الرومانية) و(الفارسية) وعلى لغاتها ليبرز دورهم في الترجمة الذين نقلوا للعربية عن (اليونانية والفارسية والأشورية) أمهات الكتب الفلسفية وشتى العلوم. يقول (الفارابي):- ((.. إن الفضل يعود للنصارى في تعليم المسلم الفلسفة..)) فكان ( مسيحيو الشرق) ثروة علمية وثقافية لأمة (العربية الإسلامية) انطلقت من بداوة وجاهلية الصحراء لصناعة تمدنها وحضارتها.

الباب الرابع ... دور المسيحيون في نهضة الشرق

برز دور (مسيحيي الشرق) في عصر (الخلافة الإسلامية) في بناء وإدارة الحكم والدواوين (الوزارات) والمالية والفلسفة وعلوم الطب والكيمياء والحساب والفلك والبناء والعمارة والفنون من الرسم والنقوش والموسيقى والغناء والآداب و صناعة السلاح وبناء السفن والتجارة والزراعة وشتى الحرف، ولم يكن (لمسيحيي الشرق) الذين تم دعم جهودهم الثقافية والعلمية من قبل لدن الخلفاء المسلمين بدرجة أولى ثم المسلمين العرب من عامة المجتمع الشرقي، الذين عملوا معهم جنبا إلى جنب فساعدوا بعضهم البعض من اجل ازدهار الحياة والمجتمع في بلدانهم الشرقية، ولم يكونوا هؤلاء مجرد متلقين وناسخين ومترجمين لكتب الغربة ولحضارة الأوربية، وإنما كانوا مطورين لها ومبدعين فيها، وانجازاتهم العظيمة في مختلف المجالات العلمية والحضارية شكلت فيما بعد مقدمة غنية لـ(أوربا) لصناعة نهضتها الحديثة بعد السبات والتخلف الطويل في القرون الوسطى .
إما في المجال الديني (المسيحي - الإسلامي)، وتحديدا في مجال اللاهوت والفقه، فلقد كان لـ(مسيحيي الشرق) حوارات دينية مع (المسلمين) في العقود الأخيرة للخلافة (الأموية) والقرون الأولى للخلافة (العباسية)، وكان التأثير البارز في علوم الفلسفة وتحديدا المنطق (اللاهوتي المسيحي) على علم الكلام (الإسلامي)، وللرهبانية على الصوفية، هذا عدا عن مسائل (الإرادية) و(الجبرية) و (حق الاجتهاد) و(تغليب العقل على النسخ والنقل) .
اما في عصر التنوير العربي، فقد جمع المؤرخون والباحثون على تحديد عصر (التنوير العربي الحديث) للفترة المحصورة ما بين عام (1798 – 1920م )، إي منذ بداية حملة (نابليون بونابرت) على دولة (مصر) وانتهاء بانهيار الخلافة (العثمانية) وتجزئة العالم العربي وفق اتفاقية (سايكس – بيكو) السيئة الصيت، وبدء حكم (الانتداب البريطاني والفرنسي) على بلاد الشام والعراق، وكانت بلاد الشام( لبنان وسوريا وفلسطين) وهي البلاد التي سكنت و قطنت فيها الغالبية من (المسيحيين) والذين يتكلمون العربية والأشوري، وهي المنطقة التي تعتبر مهد للتنوير، حيث برز مساهمات (المتنورين والنهضويين العرب المسيحيين) كونهم هؤلاء المسيحيون القاطنين في الشام من الطبقات البرجوازية الأساسية ليس في الشام فحسب بل حتى في مصر، مما جعل مساهمتهم في النهضة الاقتصادية ذات أثر كبير، على نحو ما كانوا أصحاب أثر كبير في النهضة الثقافية، وفي الثورة على الاستعمار بفكرهم ومؤلفاتهم وعملهم، وما أنجزه (المسيحيين) في هذه الفترة يصعب حصرها في هذه الأسطر، كما ويصعب ذكر كل الأعلام المسيحية الشرقية الرائدة في مجال (الثقافي والأدبي والتعليمي والصحفي والعلمي والاجتماعي، بما فيه السياسي والاقتصادي والفكري القومي والوطني)، ولكن مع ذلك سنذكر بإيجاز ما قامت (الإرساليات) بفتح مئات المدارس الابتدائية والثانوية في عشرات البلدات حيث يتواجد عرب مسيحيون، حيث تنوعت فيها مواضيع التدريس في ( اللغة العربية وآدابها والحساب والتاريخ) واللغات الأجنبية (الانجليزية والفرنسية والروسية والألمانية وغيرها)، وكانت لكل مدرسة من مدارس الإرسالية تدرس بلغة الدولة التي تتبع لها، كذلك جرى فتح مدارس مهنية، وتم فتح أول مدرسة ثانوية للبنات عام ( 1833) في (بيروت) حيث بلغ عدد المدارس (الإنجيلية) وحدها (390) مدرسة حتى عام (1885)، إما عدد المدارس( الروسية ) في بلاد الشام فقد تجاوز عددها عن (120) مدرسة في مطلع القرن العشرين، وبعدها يلاحظ المسيحيون العرب أهمية المدارس فيسارعون إلى فتح مدارس (وطنية)، ليؤسس (بطرس البستاني) مدرسة وطنية عام(1863) ويؤسس المطران (يوسف الدبس) مدرسة الحكمة، وهكذا يفعل آخرون، ثم واكب التطور إلى بناء أول جامعتين في الشرق العربي (الجامعة الأمريكية) في بيروت عام (1866) و (جامعة القديس يوسف) عام(1874)، إما (الروس) فيفتتحون معهدين لإعداد وتخريج المدرسين (سيمينار)، الأول دار للمعلمين في (الناصرة) عام (1886) والثاني للمعلمات في بيت (جالا) عام (1890( .
وكان لهذه المدارس الدور الأكبر في (محو الأمية) في دول الشرق، وإكساب الطلاب ملكية إتقان اللغات الأجنبية، ليكونوا أكثر المتعلمين في عموم دولة الخلافة (العثمانية) في القرن التاسع عشر من خريجي تلك المدارس. وقد أتيح المجال لعامة الشعب العربي المسيحي والمسلم إن يقصدوا إلى أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا وبقية بلدان أوربا لمواصلة دراستهم الجامعية بعد إن تسلحوا بقسط كبير من العلم والمعرفة في هذه المدارس التي مهد لها المسيحيين بنائها وتأسيسها وتزويدها بالمدرسين والكتب والمكتبات والمناهج التدريسية العريقة على ارض الشرق، إضافة إلى ذلك فان هناك مئات الأكاديميين والمدرسين والمترجمين الذين تخرجوا من (الجامعتين الأمريكيتين في لبنان) ومن (المعهدين الروسيين لإعداد المعلمين)، ومن جامعات في أمريكا وفرنسا وانجلترا وروسيا.
ومن خريجي الدفعات الأولى وتحديدا من خرجي المدارس (الروسية) في بلاد الشام ومن جامعاتها نذكر بعض من لمع اسمه في العالم العربي : (ميخائيل نعيمه وبندلي الجوزي وخليل بيدس ونسيب عريضه وفارس نمر واسكندر الخوري البيتجالي) وغيرهم. وبفضل مدارس ومعاهد وجامعات (الإرساليات) ظهرت كوكبة واسعة من المترجمين الذين نقلوا إلى العربية عن اللغات الأوروبية شتى المقالات والأبحاث العلمية والفكرية والكتب الأدبية، ليوصلوا لشعبهم العربي المسيحي - الإسلامي منجزات النهضة الأوروبية في شتى المجالات بما فيها الإبداع الأدبي الحديث الروائي والقصصي والمسرحي والشعري، ولا نبالغ إن قلنا إن المدرسين والأطباء والمحامين والمحاسبين والمفكرين في بلاد الشام، كانوا من خريجي تلك المدارس والمعاهد والجامعات، ولا ننسى أيضا الصحفيين واللغويين والمترجمين والأدباء والكتاب المؤرخين والباحثين، وكوكبة من المع الشخصيات التي أسست للفكر القومي والوطني والعروبي .
ولا ننسى ما لدور الطباعة والصحافة في نشر الوعي والثقافة والتربية لتطوير الحياة العامة وعلى كل الأصعدة السياسية والثقافية وكان لـ(مسيحيي الشرق) دورا بارزا في انتشار وتوسيع وازدهار في هذا المجال حيث يؤسس الشماس السوري (عبد الله الزاخر) من حلب، بمساعدة البطريرك (اثناسيوس دباس) المطبعة العربية الأولى سنة( 1734) في دير (الشور)، وتقوم (إرساليتان أمريكيتان) بفتح مطبعتين عام( 1834 وعام 1848)، وتتابع بناء عدة مطابع عربية بين الأعوام ( 1855-1874)، يكون بعض مؤسسيها (حنا الروماني) و (خليل طوري) و (إبراهيم النجار) و (يوسف شلفون) و (جرجس شاهين) و (بطرس البستاني) و (حنا جرجس) و (خليل سركيس) الذين يعود الفضل إليهم في إنشاء هذه المطابع العربية والتي قامت بطبع الكتب المدرسية والصحف وإعادة ونشر كتب التراث وكتب الإنتاج الأدبي والفكري والسياسي الحديث، فدور الذي قام به ( بطرس البستاني (1819-1883) وهو من عائلة لبنانية (بروتستانتية) كان أول هؤلاء المتنورين، الذي ظل مؤمنا بكون التعليم هو أساس تقدم الشعوب ورقيها، فبادر بفتح مدارس لـ(مسيحيين ولمسلمين) لكي يتعلموا العلوم واللغات الحية ولكي يتعرفوا إلى الحضارة العالم والحداثة، وهو أول من أنشأ (دائرة للمعارف) في وقت الذي كانت الأمية طاغية في المجتمعات الشرقية ومهيمنة بشكل واسع وخطير، وكان يرى أن (اللغة العربية) هي الأداة الوحيدة والمثلى في توحيد العرب، وإزالة الفرقة بينهم وبين شعوبها وقبائلها وطوائفها.
أما على صعيد إصدار الصحف والمجلات فيكون أول من يصدر دورية عربية غير رسمية، أي غير تابعة للسلطنة، هو الأستاذ (رزق الله حسون) ويسميها (مرآة الأحوال) وذلك سنة( 1855)، ويليه في إصدار الصحف (اسكندر شلهوب) صحيفة (السلطنة) عام (1857)، و (خليل خوري) صحيفة (حديقة الاخبار) عام ( 1857)، ثم يليه (فارس الشدياق) و (بطرس البستاني)، وتصدر (هند نوفل) في (مصر) عام( 1892 ) أول مجلة للـمرأة هي (مجلة الفتاة) وبعدها تنشط حركة إصدار الصحف من قبل المتنورين العرب المسيحيين بين أعوام (1870 و 1898)، إذ يصدرون ( 17 ) صحيفة ومجلة في كل من لبنان ومصر و منها(الأهرام) لـ(سليم وبشارة تقلا) و(الهلال) لـ(جرجي زيدان) و(البيان) و(الضياء) لـ(ابراهيم اليازجي) و(الجنان) لـ(بطرس البستاني) و(الجنة) لـ(سليم البستاني)، و(لسان الحال) لـ(خليل سركيس) و(المقتطف) لـ(يعقوب صروف وفارس نمر) و(مصر) و(مصر الفتاة) لـ(أديب اسحق)، و(المشرق) للكاهن (لويس شيخو)، و(النحلة) و(النجاح) للقس (لويس الصابونجي)، وغيرها من صحف ومن مصدرين لها، إما أول مجلة مختصة بالأدب فيصدرها (خليل مطران) عام ( 1900)، وتصدر في فلسطين صحف ومجلات نذكر منها (الكرمل) لـ(نجيب نصار) عام ( 1908)، و(الأصمعي) لـ(حنا العيسى)عام (1908 ) و(فلسطين) لـ(عيسى العيسى)عام ( 1911 ) و(المنادي) لـ(سعيد جارالله) عام ( 1912)، وكل هذه الإصدارات تخصص حيزا واسعا من صفحاتها للتحذير من خطر الكيان (الصهيوني) ولتدوين نشاط الحركة الوطنية الفلسطينية التي بدأت تتأسس ولنقد ممارسات القيادة الدينية في البطريركية المقدسية وللدعوة لوحدة الأمة العربية وتحقيق الاستقلال لشعوبها.
إما على صعيد الإبداع الأدبي نذكر ما أنتجه من مؤلفات (ناصيف اليازجي) و (ابراهيم اليازجي) و (بطرس البستاني) و (سليم البستاني) و (سليمان البستاني) و (جورجي زيدان) و (فارس الشدياق) و(لويس شيخو) و (جرمانُس فرحات) و (ماري انسطاس الكرملي) و (سليم تقلا) و (بشارة تقلا) و (فارس نمر) و (يعقوب صروف) و (خليل القباني) ابو المسرح العربي الذي ترجم 60 مسرحية وغيرهم.
ولا يفوتنا ذكر المساهمات الأدبية الراقية لأدباء وكتاب (الرابطة القلمية)، ومنهم (جبران خليل جبران) و(ميخائيل نعيمة) و(ايليا ابو ماضي) و(فوزي معلوف) و(أمين الريحاني) و(نسيب عريضه) و(ندره حداد) و(الياس فرحات) وغيرهم من أعضاء الرابطة. وإما للمسيحية (أسيا داغر) تعود بداية التأسيس الفن السينمائي، أما أعلام الرواد للفن المسرحي فيبرز منهم (مارون النقاش) و(سليم النقاش) و(خليل القباني) و(جورج ابيض) و(نجيب حداد) و(يوسف فرح) و(اسكندر فرح) و(اديب اسحق) .
كما نذكر ما قام به المفكر اللبناني (شبلي شميل-1850-1917) الذي درس في باريس، وكان ذو عقلية تنويرية بالمعنى الحقيقي للكلمة لجهد الذي بذله عبر الصحف التي أنشأها مدافعا بقوة عن أفكار ونظرية (داروين) في النشوء والارتقاء، وعن أفكار (كارل ماركس)، داعيا إلى العدالة والمساواة، ومعتبرا أن التعصب الديني هو أساس كل محن بلاد العرب، فنادي بضرورة فصل الدين عن الدولة، حيث كان يدعو بقوله: ((....لا حرية، ولا عدالة، ولا مساواة، ولا تمدن، ولا رقيا، ولا حياة سياسية سليمة من دون فصل الدين عن كل مظهر من مظاهر الحياة السياسية...))، وفي عام ( 1914) أسس مع صديقه المصري القبطي ( سلامة موسى1887- 1958) جريدة (المستقبل)، غير أن هذه الجريدة سرعان ما صودرت بسبب الانتقادات اللاذعة التي كانت توجهها إلى السلطات السياسية والدينية.
إما في مجال اللغة والتراث والأدب فقد أولي (المسيحيون) اهتماما خاصا لإحياء (اللغة العربية) الفصحى التي هي لغة (القران الكريم) ولكن الاهتمام الواسع بها جاء من لدن (المسيحيين) الشرقيين بكون (اللغة) وعاء وأداة الثقافة، ولتخطي التفرقة والتجزئة الجغرافية والقبلية بلهجاتها المحلية ولغتها العامية، وكذلك لعصرنه اللغة ولتأسس للغة الصحافة، هذا إلى جانب إحياء التراث العربي القديم، والملفت للنظر إن من فعل هذا أولا هم رجال (دين المسيحيين) وفي أديرتهم، نذكر منهم الأب (انتساس الكرملي) الذي رد على المستشرقين وصحح آراءهم وصحح أغلاط الأقدمين، ومن أبرز الكتاب المسيحيين الذين عنوا بدراسات اللغة العربية نذكر (جبر ضومط) الذي ألف فلسفة اللغة العربية وتطورها، وكذلك (جرجي زيدان) الذي اهتم باللغة العربية والألفاظ العربية والفلسفة اللغوية، فألف كتاب تاريخ آداب اللغة العربية، انساب العرب القدماء، تاريخ التمدن الإسلامي والكثير من روايات تاريخ الإسلام ومؤلفات أخرى، إما الكاتب (لويس شيخو) فقد ألف كتاب بعنوان ( الآداب العربية و بيروت تاريخها وآثارها و روض الأدب و معاني الأدب، إما (ناصيف اليازجي) فألف ما يزيد عن( 22 ) كتابا ومجلدا في الصرف والنحو واللغة والمنطق والبيان والطب والشعر والتاريخ وأشهرها ( قطب الصناعة في أصول المنطق) و( جوهر الفرد في أصول الصرف والنحو) و (مجموع الأدب في فنون العرب)، إما ما ألفه (ابراهيم اليازجي) فألف في اللغة( تحفة الرائد في المترادف والمتوارد) و( الفرائد الحسان في قلائد اللسان) و(لغة الجرائد)، إما (بطرس البستاني) فألف في اللغة العربية كتاب (آداب العرب) و( قاموس محيط المحيط) و( قاموس قطر المحيط).
بالإضافة إلى كوكبة من باحثين والأدباء المسيحيين الشرقيين أنتجوا أدبا وترجموا ونقلوا للعربية منجزات النهضة الأوروبية وثقافتها، فأصدروا كتب القواعد والنحو وشتى قواميس اللغة العربية وإعادة إصدار أمهات كتب التراث، عدا عن وضع مؤلفات وأبحاث عن الأدب العربي وتاريخ العرب القديم وعن التمدن والحضارة العربية الإسلامية في عصور الخلافة، وكان (مسيحيي الشرق) يدعون إلى النهضة في كل الأزمنة، وخاصة في زمن (التتريك العثماني)، ويعود الفضل لهم في الحفاظ على اللغة العربية في عموم الشرق وعلى التراث والثقافة والتاريخ ومنجزات العرب الحضارية، حيث اعتمدوا على اللغة العربية ومنها انطلقوا لبناء ثقافتنا العربية بدون انعزال عن التواصل والتلاقح مع مكتسبات ومساهمات الغرب الأوربي، وحتى اليوم ما يزال المسيحيون في الشرق الأوسط يلعبون دورا حضاريا وثقافيا وعلميا وقوميا ويشكلون النخبة في مجتمعاتهم.
ولم تلبث الأفكار الإصلاحية والتنويرية التي دعا إليها وروجوها (مسيحيو الشرق) أن لاقى تأثيرها على النخب المثقفة من مفكرين العربية من أصول إسلامية، فأصدر الكاتب المصري (قاسم امين- 1863-1908) كتابا مهما يدعو فيه إلى تحرر (المرأة المسلمة)، ودعي إلى تحطيم القيود التي تكبلها لكي تباشر الاختلاط والمساهمة مع أخيها الرجل في البناء والعمل على إصلاح أوضاعها الاجتماعية والتربوية، وقد أثار الكتاب هذا ودعوته إلى تحرير المرأة غضب شيوخ (جامعة الأزهر) فتصدوا له بالانتقادات الجارحة، وفي عام 1904 أصدر الشيخ (عبد العزيز الثعالبي - 1874-1943) كتابه (روح التحرر في القرآن) دعا فيه إلى ضرورة نزع الحجاب عن المرأة، والى الانفتاح على الحضارة الغربية لأنكما قال (( القرآن، كتاب تحرر وليس كتابا للاستعباد)) غير أن شيوخ جامع (الزيتونة) في تونس عارضوا بشدة أفكار الشيخ (الثعالبي) الذي مثَل في النهاية أمام القضاء ليمضي ثلاثة أشهر في السجن، وعلى صعيد ذاته كانت أفكار التنوير ذات تأثير على (طه حسين) في كتابيه (في الشعر الجاهلي)، وكتابه ( مستقبل الثقافة في مصر)، وأيضا على الكاتب (علي عبد الرازق) في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) وهناك نخب من ذلك الجيل المتفتح من المفكرين العرب المسلمين يصعب حصرها في هذه الأسطر وما ذكرنا منهم إلا كنماذج وليس حصرا.
ومن هنا يجب إن لا ننسى الدور المهم الذي لعبه (مسيحيي الشرق) في مقاومة الاستعمار الانكليزي و الفرنسي الايطالي، وفي التصدي للمخططات الصهيونية والإمبريالية في عموم بلدان الشرق الأوسطية، وفي تأسيس أحزاب قومية عربية انخرط فيها مسلمين ومسيحيين مؤمنين بما جاء في أفكارهم ومنهم نذكر( ميشيل عفلق) مؤسس حزب (البعث)، وكذلك الحال بالنسبة للأحزاب الشيوعية التي أسست في الأقطار العربية كان نشطائها من مسيحيين ولكن انخرط المسلمون والمسيحيين فيها مؤمنين بمبادئها وعملوا معا في خندقها.

الباب الخامس ... الإسلام التكفيري ودوره في تدمير ما أنجزه مسيحيي الشرق

غير أنه ما يبدو عليه الأوضاع الآن أن كل هذه الإسهامات والخدمات والأعمال الرائعة التي قاموا بها (مسيحيي الشرق) وقدموها لأبناء الشرق نسيت وأهملت ليتم في الخفاء وفي العلن مصادرتها بأيدي زمر تكفيرية تعمل بكل ما أتى لها من وسائل وأساليب قذرة لامحاء آثارها، بل يتعدى فعلهم الإجرامي إلى ابعد من ذلك في تمادي لتصفية وجودهم من منطقة الشرق الأوسط في العراق وسوريا ومصر ولبنان حيث يقوم المتطرفون من الإسلاميين المتعصبين بقتل المسيحيين وذبحهم وترويع أطفالهم واغتصاب نسائهم، وتدمير معالمهم الدينية والثقافية وتهديم بيوتهم وإحراق مزارعهم وممتلكاتهم بل وصلت جرائمهم إلى تخريب آثار حضارة هذه الأمة، الأمة العربية المسيحية والإسلامية، التي تمتد جذورهم إلى الحضارة الأشورية كما حدثت في العراق وسوريا، وكل ذلك يتم لهدف واحد ولغاية واحده هي محو كل أثر من آثار المسيحيين في بلاد الشرق، ليتم إجبارهم على الهجرة والنزوح من المنطقة.
وأمام هذه الجرائم والمأساة، لا نسمع صوت الإسلام المعتدل يدين جرائم هؤلاء المتطرفين الإسلاميين العرب، وان سمعنا أصوات هنا وهنا فهي أصوات لا ترتقي لمستوى التنفيذ بقدر ما تكون لاستهلاك إلا علامي ليس إلا....!
وهذا ما شجع المتطرفون التكفيريون عنفا ووحشية وقسوة ليمضوا في غيهم قدما في تحقيق مخططهم الإجرامي في تصفية الوجود المسيحي من الشرق ، وإذا ما ترك الأمر على ما هو عليه فان المجرمين لا محال سيبلغون أهدافهم الشريرة، ليبلغ الشرق العربي إلى أفظع كارثة حضارية وثقافية وعقائدية لم يسبق لها مثيل في جميع العصور والدهور منذ مجيء الإسلامية .
ان سردنا لهذه الوقائع إنما يأتي لان الكثير من المسلمين العرب يجهلون تاريخ (مسيحيي الشرق) في تنشئتهم الدينية والفكرية، وإسهامهم في بناء حضارة شرقنا الأوسطي، وحتى الإسلامي، بينما أصبح ضروريا أن نتحدث عن العلاقات التاريخية الإيجابية بين المسلمين والمسيحيين والتراث الثقافي والقيم المشتركة بينهم، بكون (مسيحيي الشرق) هم أول من ساهم في تأسيس النهضة الفكرية، خاصة في الفترة العصيبة التي كان المجتمع الشرقي يمر بها في الجهل والتخلف، بما كان يتركه الاحتلال العثماني من استبداد وتدمير لكل ما هو حضاري وعربي، وانصراف الناس عن التعليم، وانهماكهم بحروب زجوا فيها بسبب طمع (العثمانيين) وظلمهم وجر المنطقة إلى مآسي خلفت مجتمعا غارقا في جهله، حيث إن (أربعمائة واثنتان) سنة من (الاحتلال العثماني) كان كفيلة بتدمير كل ما هو ثقافي وفكري في منطقتنا العربية، فانتفض أبناء بلاد الشام ومصر والعراق ومسيحيوه بشكل خاص لتأسيس نهضة ويقظة فكرية تجلت بمظاهر عدة لا يغيب عن بالنا وكما ذكرناه سابقا ما لدورهم في نشر المعارف والعلوم التي رفع راياتها (مسيحيي الشرق) بين أبناء الشعب بما يتماشى مع روح العصر ومتطلباته، وكان بغيتهم من طرح مشروع النهضة الفكرية والثقافية للجماهير الشرق هي لكي تعي وتواكب المجتمعات المتحضرة، ولهذا بذلوا المفكرين الشرقيين جهودا جبارة وعلى كافة الأصعدة لإحداث نهضة شامله، ولهذا فكروا المسيحيين الشرق بإنشاء الصحف والمطابع لما لها دور كبير في نشر الأفكار الثورية والتحريض على مقاومة الاستعمار والجهل والتخلف والدعوة إلى التخلص من الاستبداد التركي.
ليشهد التاريخ الشرق أي دور لعبوه (مسيحيي الشرق) في النهضة والتقدم، ولم يفكروا يوما بمعاداة الإسلام بل كانوا في الصف الأول للدفاع عن أرضهم ضد كل احتلال وعدوان وقدموا من اجله ملاين الشهداء دفاعا عن تربة هذا الشرق، كما وقدموا لهذا الشرق الفكر البناء والعقل المتنور الذي يستطيع العيش مع كل أطياف الشرقيين بدون تمييز، ولعبوا دورا قوميا وحضاريا في نهضة الأمة شعوب الشرق الأوسطية ونهضة الإسلام، وكانوا روافد لا ينضب عطاؤها، فتفوقوا على إخوانهم المسلمين في معارك التحرر الوطني
بواسطة : sargon
 0  0  990
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 07:51 الأربعاء 19 يونيو 2019.