• ×

قائمة

المسامحة ومواجهة الأذيّة بالمحبّة.

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 كثيراً ما نتواجه مع أشخاص يقابلون محّبتنا الوافرة بالأذيّة. عندها نصطدم بإنسانيّتنا الحاملة لمشاعر متناقضة بين الحبّ والكره، والفرح والحزن، وحضور المسيح في حياتنا. الشّعور بأذيّة الآخر النّابع من ظلم وقهر، يضغط على جوانبنا المظلمة حتّى تظهر. وكأنّها تدفعنا إلى المعاملة بالمثل ليستكين جرحنا. من جهة أخرى نقاوم هذا الشّعور بالمحبّة الّتي نكنّها للمسيح ونحاول جاهدين تطبيق الغفران الّذي أوصانا به، (إن غفرتم للناس زلاتهم، يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي/ متى 14:6)، (إن قدّمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكّرت أنّ لأخيك شيئاً عليك، فاترك هناك قربانك قدّام المذبح، واذهب أوّلاً اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقدّم قربانك/ متى 24،23:5)، (يا ربّ، كم مرّة يخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرّات؟ قال له يسوع: لا أقول لك إلى سبع مرّات، بل إلى سبعين مرّة سبع مرّات./ متى 22،21:18).
ما يقوله الرّبّ في هذه الآيات لا يتأتّى عن عدم إدراكه لإنسانيّتنا الضّعيفة، وإنّما الرّبّ يمنحنا أعلى درجات القيم حتّى نتمكّن من تحقيق إنسانيّتنا الكاملة. وهو أعلم منّا بهذه البشرّيّة الواهنة، وبه نترفّع عنها وننتقل من الضّغف إلى القوّة، قوّة المحبّة.
هذا الصّراع الّذي يعيشه الإنسان بين المسامحة وعدمها، أو الالتباس الّذي يحياه نتيجة عدم التّفريق بين المسامحة والخذلان، أو بين الغفران والانسحاق للنّاس، قد يشعره بالذّنب وتأنيب الضّمير. وكأنّي به يخاف أن يجرح الله في صلب محبّته، وهذا بدافع المحبّة والإيمان. إلّا أنّ الرّبّ لا يرضى بأن يظلم الأخ أخاه، ولا أن ينتهك كرامته. مسامحة الآخر على أذيّته أمر، والتّغاضي عن عمله والسّماح له بالتّمادي بشرّ أفعاله أمر آخر.
المسامحة فعل تصالح مع الذّات كيما نتخطّى الأذيّة ونتفهّم الآخر دون أن نبرّر الفعل. التّفهّم يعني إدراك أسباب الفعل وظروفه، وتبيان الشّخصيّة، وأمّا التّبرير فيعبّر إلى حدّ ما عن ضعف في مواجهة الآخر بخطئه كي يتوقّف ويعرف حدوده. المحبّة تقتضي تعريف الآخر بفعله الشّرير. إلّا أنّ هذه المسامحة لا يمكن أن تحصل إلّا بالمسيح السّاكن فينا. ونحن المساكين لا نحمل قلباً يسامح، وإن سامح يحتفظ في أعماقه بجرح لا يضمّده أيّ بلسم.
كي نسامح كما أوصانا الرّبّ، علينا أن نمتلك قلبه. نسامح ونغفر بقلبه لا بقلبنا. وحتّى نصل إلى هذه المرحلة نحتاج إلى صلاة بدموع غزيرة، ليحلّ فينا فرح الرّبّ وسلامه. وفي المرحلة القائمة بين صدمة الأذيّة وبلوغ سلام المسيح فلنترك مسافة بيننا وبين الآخر ونصلّي له. فالصّلاة من أجله أولى الخطوات نحو المسامحة، واعتراف أمام الرّبّ بتواضع قلوبنا ورغبتنا العميقة بالمسامحة. الخطوة الثّانية تطويع العقل للإرادة الإلهيّة. فالعقل المتمرّد يبحث عن المنطق الأرضي، وأما نحن فحدودنا السّماء وقلب الله. ولا يغلبنا الشّرّ، بل نغلبه بمحبّة المسيح الحاضرة والثّابتة فينا.
 0  0  451
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 11:38 الإثنين 18 نوفمبر 2019.