• ×

قائمة

أين الله؟ (1)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 سؤالٌ غالباً ما يُسأل في الأزمنة الرّديئة، ويصعب الإجابة عليه في حال لم يتحلَّ المؤمن بالثّقة. فالإيمان ليس عاطفة، وإنّما هو ثقة بالمحبوب الإلهيّ. والثّقة عير التّخدير. إنّها معاينة الحضور الإلهيّ قلبيّاً وواقعيّاً. بمعنى أنّ المؤمن يرى وجه الله في كلّ حدث من حياته مهما بلغ من صعوبة ومشقّة. وأمّا التّخدير فهو الاستسلام الأعمى الّذي يرتكز على قلّة الحيلة فيكون الله آخر ما يتّجه إليه الإنسان.
أين الله في اختبار الإنسان الحياتيّ اليوميّ والمشاكل اليوميّة، والأمراض، والأحداث الشّخصيّة الّتي تخرّب حياة الإنسان وتسبّب له الشّقاء؟ أين الله في الحروب والاستنزاف الإنسانيّ، والعبث الإجراميّ، والانتظار المنهك للسّلام؟ أين الله؟ ألا يرى ما يحصل؟ ألا يتألّم من أجل أبنائه؟ ألا يقوى على ردع الشّرّ، بل إفنائه؟
كلّ تلك الأسئلة وأكثر منها، قد يخشى المؤمن السّؤال فيها علناً خوفاً من تعبير عن قلّة إيمان. لكنّها واردة في كلّ لحظة إذا ما كان خطّ الإيمان مرتبطاً بالعاطفة أوّلاً، وبمبدأ الله السّاحر ثانياً، وبعدم المسؤوليّة ثالثاً.
وقد يسأل الإنسان هذه الأسئلة إمّا عن خوف وإمّا عن محبّة بنويّة طامعة بالخير الأبويّ الإلهيّ. وفي كلتا الحالتين الأمر طبيعيّ. فالخوف الإنسانيّ ليس عيباً خلقيّاً، ولا بدّ منه على ألّا يتخطّى حدود الطّبيعة فيصبح مرضيّاً. والطّمع البنويّ طبيعيّ كذلك على ألّا يتحوّل إلى اتّكال لامبالٍ بالمسؤوليّة الواقعة على عاتق الإنسان في تدبير أموره.
يقول الرّبّ في (متى 20:28):" وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ". والإيمان، أي علاقة الحبّ الحميمة مع الرّبّ تفترض تصديقاً وثقة لا لبس فيهما. لكنّ كلاماً مهمّاً يسبق هذا الوعد في الآيتين 19و20: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والرّوح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به". (اذهبوا/ تلمذوا/ عمّدوا/ علّموا) أفعال ترتبط بالحركة الإنسانيّة الّتي يساندها الحضور الإلهيّ من خلال عبارة (ما أوصيتكم به). فالرّبّ لم يستقل من مرافقة الإنسان، ولم يتخلَّ ولن يتخلَّى عنه. ولكن على الإنسان بالمقابل أن يتحرّك، ويفعل، ويثابر. وكأنّي بالرّبّ يقول:"افعلوا وها أنا معكم..." وإلّا فما هي أهمّيّة الحضور الإلهيّ في حياتنا إذا كنّا مجرّد آلات تتلقّى دون أن تمارس فعل الحركة؟ وما قيمة إنسانيّتنا إذا غرقت في الخمول والاستسلام السّلبيّ؟
الله، أبٌ مرافق حتّى النّهاية، ورفيق دربٍ يساند الإنسان ويدعمه، وصديق يحتمل ويشارك الإنسان معاناته وآلامه، ومعلّم يرشد ويمنح لتلميذه فرصة الاختبار، وإله قدير يمنحه القوّة والصّبر والتّعلّم من الاختبار حتّى يستحقّ قيمته الإنسانيّة.
 0  0  312
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 23:11 الأحد 22 سبتمبر 2019.