• ×

قائمة

من هو حنظلة بن أبي عفراء بن النعمان؟ الحلقة الثانية: "شعراء النصارى بالجزيرة العربية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بقلم: أديبة عبدو عطية gazire.com هو حنظلة بن النعمان الشاعر النصراني بالجزيرة العربية: 
قال ياقوت: هو عَم إياس بن قبيصة بن أبي عفراء والي كسرى على الحيرة، عُرف بالوجاهة والزعامة في قومه وكان له رهط كبير منهم كالشاعر أبو زبيد الطائي، وكان نصرانيا وبنى ديراً بآخر سنين حياته، وأمضى فيه لمماته حتى عرف بدير حنظلة، وذلك بعد نجاته من فتك المنذر بن ماء السماء، وحنظلة من قال أجمل الأبيات بالقمر:


وَمَهما يَكُن مِن رَيبِ دَهرٍ فَإِنَّني// َأرى قَمَرَ اللَيلِ المُعَذَّب كَالفَتى

يُهِلُّ صَغيراً ثُمَّ يَعظُمُ ضَوءُهُ// وَصورَتُهُ حَتّى إِذا ما هُوَ اِستَوى

وَقَرَّبَ يَخبو ضَوءُهُ وَشَعاعُهُ// وَيَمصَحُ حَتّى يَستَسِرَّ فَما يُرى

كَذَلِكَ زَيدُ الأَمرِ ثُمَّ اِنتِقاصُهُ// وَتَكرارُهُ في إِثرِهِ بَعدَ ما مَضى

تُصبح أهل الدارِ وَالدارُ زينَةٌ// وَتَأتي الجِبالَ مِن شماريخِها العُلى

فَلا ذو غِنىً يَرجينَ مِن فَضلِ مالِهِ// وَإِن قالَ أَخِّرني وَخُذ رَشوَةً أَبى

وَلا عَن فَقيرٍ يَأتَجِرنَ لِفَقرِهِ// فَتَنفَعُهُ الشَكوى إِلَيهِنَّ إِن شَكى



قصة حنظلة مع المنذر ملك الحيرة:

خرجَ النعمانُ بن المنذرِ ملكُ الحِيرةِ يومًا يتصيَّدُ على فرسِه ، وأوقعه الفرس بالارض وبقى وحيدا بعيدا عن أصحابه،
فطلبَ ملجأً يلجأ إليه، وإذ به أمام بابٍ، فإذا فيه رجلٌ من طييء يقال له حنظلة، ومعه امرأته، فقالَ لهما : هل من مأوى؟
فقال حنظلةُ: نعم، وهو لا يعرفُ النعمانَ، 
ولم يكن للطائيِّ غيرُ شاةٍ فقالَ لإمرأتِه : "أرى رجلاً ذا هيئةٍ، وما أخلقَهُ أن يكونَ شريفًا خطيرًا، فما الحيلةُ؟"

قالتْ امرأته: عندي شيءٌ من طَحينٍ فَاذْبحِ الشاةَ لأتخذَ من الطحِينِ خُبزَا!
وقام الطائيُّ إلى شاتِه ذبحها بعد ان أحتلبها، فأطعم النعمان من لحمِها، وسقاه من لبنِها، 
عند الصباح لبس النعمان ثيابَه، وركبَ فرسَه، ثم قال:ياأخا طييء،أطلب ثوابَك، أنا المِلكُ النعمانُ
 قال : أفعلُ إنْ شاءَ اللهُ.
بعد فترة أصابت حنظلة ضيقة، وعمل بنصيحة امرأته وذهب للنعمان ملك الحيرة.

لأنه كان للنعمان بن منذر ملك الحيرة في كل سنه يوم بؤسٍ و يوم نعيمٍ ، وكان يكّرّم من جاءه في يوم النعيم و يقتل من جاءه في يوم البؤس ، لذا عندما أتاه حنظلة الطائي بيوم البؤس ! نظر إليه النعمان واستاء من ذلك لأنه لم يود أن يجازي كرم حنظلة بقتله وقال:" يا حنظلة هلا أتيت في غير هذا اليوم؟
فأجاب حنظلة : أبيت اللعن لم يكن لي علم بما أنت فيه، فقال النعمان اطلب حاجتك من الدنيا وسل ما بدا لك فإنك مقتول لا محالة ، فقال حنظلة و ما اصنع بالدنيا بعد نفسي ، فرد عليه النعمان وقال لا سبيل إلى غير ذلك فطلب حنظلة من النعمان بن المنذر ان يؤجل قتله حتى يذهب الى أهله ويقضي ما عليه و يعود ، فأمره النعمان بأن يأتي بكفيل يكفله ، فالتفت حنظلة ينظر في الوجوه بمجلس النعمان فنظر الى شُريك بن عمرو قيس لشيباني الوائلي و كانت كنيته ابا الحوفزان فقال حنظلة:


ياشريـكًـا*يــا**بـــنَ**عـمــروٍ// ما*من*الموتِ*محالَهْ
يا أخا كل مصابٍ*//*يــا*أخــا*مــن*لا**أخـــا**لَـــه
يا أخا النعمان فيك//اليوم عن شيخ كفاله

يا بن شيبان كريم//أنعم الرحمن باله
رفض أبا شريك أن يكفله وكان بين الحاضرين قراد بن أجدع الكلبي فضمنه، وقَبِل النعمان بذلك وأعطاه عاما كاملاً ،وأنعم عليه بمائة ناقة، فلما حال الوقت وبقي من الأجل يوما واحداً ،
قال النعمان لقراد: ما أراك الا هالكاً غداً!
فقال قراد: 
إن يكُ صدّرَ هذا اليوم ولَّى // فإن غداً لناظــرهِ قريــــب
فانتشر هذا البيت مثلًا وليومنا هذا.

وفي الصباح ،أمر النعمان بقتل قراد، فقال له وزرائه: ليس لك ان تقتله حتي يستوفي يومه فتركه النعمان وهو يريد ن يقتله لينجو حنظلة! فلما كادت الشمس أن تغيب و قرادٌ مجرٌد من ثيابه والسيَّاف الى جانبه، أشار لهم رجل من بعيد و كان النعمان قد أمر بقتل قراد فقيل له: ليس لك قتله حتى يتبين الرجل القادم إلينا.
وعندما وصل الرجل تبين أنه حنظلة الطائي!
فقال النعمان له: ما الذي جاء بك و قد أفلت من الموت؟
فقال حنظلة: الوفاء
سأله النعمان: ما الذي دعاك لهذا الوفاء؟ 
قال حنظلة: ديــــنـــــــي
قال النعمان : وما؟ دينك؟
قال حنظلة : النـصرانــــــــــيــــــــــة !
فطلب النعمان من حنظله الطائي أن يحدثه عن هذا الدين، فلما أخبره به، أعلن دخوله النصرانية، وتبعه أهله الحيرة.
وأكمل النعمان قوله: ما أدري أيكما أكرم وأوفى.. أهذا الذي نجا من السيف فعاد إليه، أم هذا الذي ضمنه، وأنا لا أكون ألأم الثلاثة.
وهكذا تنصَّر مع الملك أهل الحيرة أجمع، أما حنظلة فأنه تنسّك وترك قومه وتوجه للجزيرة وباع ما له وبنى ديرا على شاطىء الفرات من الجانب الشرقي بين الدالية والبهنسة بالجزيرة السورية، وبقي متنسكا به إلى أن وافته المنية ومات بالدير وأصبح يعرف بدير حنظلة تيمنا بشاعرنا حنظلة الطائي وكان الدير وجهة النصارى وغيرهم وها جعفر بن قدامة عن حماد بن إسحاق يسرد قائلا: كنت مع عبد الله بن محمد الأمين وقد خرج إلى نواحي الجزيرة، فاجتزنا بدير حنظلة هذا، وكانت أيام الربيع، فاصطبحنا فيه عشرة أيام وكانت حوله من الرياض ما ينسي حُلَلَ الوشي، وبسط خضرة وزهر، فنزلنا فيه وبعث إلى خمَّار بالقرب من الفرات، فشربنا، وعبد الله ومن معنا من المغنين يغنّوننا.
ولعبد الله في هذا الشعر لحن من خفيف الرمل، مليح، وكان يتميز بخامة صوت مميزة وجميلة ، حاذقاً بالغناء والطرب، بليغًا وصاحب فكاهة ودعابة فقال:

ألا يا ديرَ حنظلة المفدّى ... لقد أودعتني تعباً وكدّا

أزفّ من العقار إليك زقّاً ... وأجعل فوقه الورق المندّى

وابدأ بالصّبوح أمام صحبي ... ومن ينشط لها فهو المفدّى

ألا يا دير جادتك الغوادي ... سحاباً حمّلت برقاً ورعداً

يزيد بناءك النامي نماءً ... ويكسو الروض حُسناً مستجدّاً



ويكمل الشاعر عبد الله:


طرقتك سُعدى بين شطيّ بارقِ ... نفسي الفداءُ لطيفها من طارق

يا دير المهيّج لي الهوى ... هل تستطيع دواء عشقِ العاشقِ.

وفيه يقول بعض الشعراء أيضًا:


بساحة الحيرة دير حنظلةْ ... عليه أذيالُ السرور مُسْبَلَهْ

أحييتُ فيه ليلةً مُقْتَبله ... وكأسُنا بين النَّدامى مُعْملهْ

والراحُ فيها مثلُ نارٍ مُشْعَلهْ ... وكُلنا مُستنفِدٌ ما خُوِّلهْ

فيها يلذُّ عاصياً مَن عذَلَه ... مُبادراً قبل يُلاقي أجلَه

رحمك الله الشاعر حنظلة الطائي من تنصَّر وبقى نصرانًيا مسيحيًا، وعاش آخر سنين عمره زاهدًا متنسكًا بديرٍ ما زال يسمى باسمه " دير حنظلة" بالجزيرة السورية.

أديبة عبدو عطية
ملبورن تموز/ يوليو 2017
بواسطة : ADONAI
 0  0  1.2K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 03:50 الأحد 22 سبتمبر 2019.