• ×

قائمة

الصّوم، اختبار الحبّ الحقيقيّ. (1)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 " أرجوك أن تتأمّل النّظام الحلو والجميل في حياة الرّهبان. هؤلاء الّذين تركوا ضجّة العالم، وصعدوا قمم الجبال، وأقاموا قلاليهم داخل الصّحراء في الهدوء، وكمثل ميناء هادئ، جعلوا الصّوم صديقهم ورفيقهم مدى الحياة. وهكذا نرى أن الصوم جعل البشر يصيرون ملائكة. وليس هؤلاء فقط (أي الرهبان)، لكنّ الّذين يمارسونه في المدن، يصعدهم إلى قمّة الفضيلة." (القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم)
إذا كان الصّوم يُمارَس في المبدأ كفعل جسديّ، إلّا أنّه في العمق فعل إنسانيّ كيانيّ تجتمع فيه القوى الإنسانيّة لتعبّر للرّبّ عن حبّها الكبير بمعزل عن أيّة رغبات عالميّة. ويتدرّج فعل الصّوم من الجسد لينفذ إلى الرّوح فتنطلق حرّة نحو الرّب وتمكث معه وفيه.
ما الّذي يدفع الإنسان إلى ترك ضجّة العالم والتّوحّد في صحراء قاحلة، أو قمّة جبل ما لم يكن منقاداً بالحبّ الإلهي؟ وما الّذي يُلزمه بالتّخلّي عن اختبارات حياتيّة كثيرة، ما لم يكن منجرفاً بهذا الحبّ ومقتنعاً بأنّه الحياة. يعبّر القدّيس يوحنّا الّذهبيّ الفم عن فعل الحبّ في الصّوم بقوله إنّه صديق الرّهبان ورفيقهم بل إنه صديق كلّ صائم، إذا ما عاش الصّوم كانصهار في المحبّة الإلهيّة. وبذلك يجعل الصّوم شخصاً يرافق المؤمن في رحلة حجّه إلى قلب الله. وفي هذه الرّحلة يخوض غمار الحياة الإلهيّة، بمعنى أنّه يحوّل حياته إلى حياة مكرسة للرّبّ أينما حلّ ومهما فعل. فالتّكريس لا يعني حصراً الانخراط في الحياة الرّهبانيّة، وإنّما يعني الالتزام الجدّيّ بكونه ليس من هذا العالم. فيكرّس العقل والنّفس والرّوح إلى الحبّ الإلهيّ حتّى ينعكس هذا الحبّ على العالم. فالصّوم الصّديق يدخل إلى حياة المؤمن نظاماً خاصّاً بالحبّ بحيث أنّ الحياة بأكملها تستحيل تبشيراً به على المستوى الفكري والنّفسيّ والرّوحيّ.
ولئن كان الصّوم تدرّجاً في الحبّ فهو ينقل المؤمن من حالة الحبّ الأرضي إلى حالة الحبّ السّماوي المتجرّد. فتتشكّل حياته السّلاميّة، ويتعرّف على الحياة مع الله، ويلج حقيقتها شيئاً فشيئاً حتّى يتماهى معها. فالحياة مع الله الحبّ تفترض معرفة لجوهر الحبّ. ولا يكون ذلك إلّا بالتّخلّي عن العالم والعودة إلى الأعماق حيث يسكن الله. "وَلكن الآن، يقول الرّبّ، ارجعوا إِليّ بكلّ قلُوبكُمْ، وبالصّوْمِ والبكاء والنّوحِ" (يوئيل 2: 12)
تحتاج العودة إلى الله حبّاً كبيراً يتمثّل بالانقطاع حتّى يمتلئ القلب منه فينطلق إليه متشوّقاً، نادماً على أوقات كثيرة كان فيها متباعداً عنه.
 0  0  136
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 10:05 الأحد 26 مايو 2019.