• ×

قائمة

الإنفصال السياسي الأرثوذكسي للكنيسة الأوكرانية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
اليوم الثالث في الخامس عشر من تشرين الأول، أعلنت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أنها قطعت الروابط ببطريركية القسطنطينية بعد أن أعلنت الأخيرة أنها سوف تمنح الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الاستقلال عن روسيا. وحتى تاريخ هذا الإعلان، كانت الكنيسة الأرثوذكسية في القسطنطينية هي الوحيدة التي تعترف بها البطريركيات الأخرى وهي تُدار من روسيا. على الرغم من أن هذا قد يبدو للوهلة الأولى أمراً دينياً، فإنه في واقع الأمر يحمل أبعاداً سياسية عميقة. وقد حذر الرئيس الروسي من أن تسييس هذا الملف سيؤدي إلى عواقب وخيمة سوف تتخطى الكنيسة وتحدث شرخاً غير مسبوق.

وكانت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قد أعلنت في وقت سابق قطع جميع العلاقات مع القسطنطينية، واصفةً قرار بارثولوميو "بالهرطقة"، بالإضافة إلى بعض الأساقفة الموالين له. وكانت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التابعة لبطريركية موسكو قد رفضت في وقت سابق المشاركة في مجلس التوحيد.

وزادت وتيرة هذه الاتهامات مؤخراً على خلفية تقارير تؤكد قيام كهنة بطريركية موسكو بتعميد الانفصاليين في شرق أوكرانيا، ورفضهم تعميد جنود الحكومة، لكن الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التابعة لبطريركية موسكو نفت دعمها للانفصاليين ولكن هذا بطبيعة الحال أدى الى توسيع الشرخ وصم والاذان عن صوت الحكمة والتعقل.

*

واقع الكنائس الأرثوذكسية

*ومن المعلوم للجميع أن الكنيسة الأرثوذكسية تتوزع ضمن بطريركيات، بعضها يتبع الحدود القومية: في غرب أوروبا، بلغاريا، اليونان، رومانيا، روسيا، وصربيا، حيث توجد في كل دولة من تلك الدول بطريركية خاصة بها. أما بطريركية القسطنطينية، التي يقع مقرها في إسطنبول فهي رسمياً تتمتع بمكانة رفيعة جداً نظرا لرمزيتها وما تعنيه عند المسيحيين ولكنها متساوية مع البطريركيات الأخرى، وهذا إرثها الديني التاريخي منذ أن كانت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية*

وعبر تاريخها الطويل فإن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية هي الأكبر والأكثر ثراء على الاطلاق، حيث يُقدّر عدد التابعين لها بنحو 160 مليون مؤمن، مما يُقلل من حجم الكنيسة الأكبر التالية لها وهي الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية التي يُقدّر عدد التابعين لها بـ 24 مليون مؤمن. وقد دفع هذا الحجم والتأثير الكنيسة الروسية للإشارة إلى موسكو بصفتها "روما الثالثة"، بعد روما والقسطنطينية، وهذا يفسر رفضها الصريح وشجبها لاستقلال الكنيسة الأوكرانية. وعلى رغم الأهمية التاريخية للبطريركية الكائنة في إسطنبول، فإنها مسؤولة فقط عن التابعين لها في تركيا، أما القوة العالمية للكنيسة الأرثوذكسية فإنها تعود إلى موسكو وهذه حقيقة تاريخية لا تقبل الطعن أو الجدل.

وكرد على دعم الكنيسة الأرثوذكسية للرئيس بوتين ومساندتها له قام الأخير باعادة أراضي الكنيسة التي صادرها الشيوعيون وخصص أموالاً طائلة لترميم الكنائس واعادة اعمارها مما مكنه من كسب ثقة الكنيسة الروسية ودعمها المطلق له.

*

دوافع الإستقلال الأوكراني الكنسي

إن هذا التقارب بين الكنيسة وبوتين كان الدافع الأكبر للحكومة الأوكرانية إلى شن حملة تُمكّنها من الحصول على كنيسة مستقلة معترف بها رسمياً أضف الى ذلك النزاع حول شبه جزيرة القرم وما كان له من ارتدادات عمقت الخلاف داخل الكنيسة ومن هنا نجد بأن السياسة والدين يشكلان ثنائية فاشلة بامتياز ويجب تنحية أحدهما عن الأخرى. 66 % من الأوكرانيين اليوم يتبعون المذهب الأرثوذكسي، ومن هذا المنطلق كانت مطالبة اوكرانيا بالأنفصال لأن التبعية لموسكو من وجهة نظرها سقطت بسقوط الإتحاد السوفييتي وما من مبرر واضح لأستمرار هذه التبعية الدينية التي تشكل جزء من التبعية السياسية.

ومن المتوقع أن تحاول الكنيسة الأوكرانية بذل الجهود كي تصل إلى مكانة مماثلة للكنائس الأرثوذكسية الأخرى. وها هي اليوم الولايات المتحدة تبارك رسميا هذا الأنفصال بالاضافة للفاتيكان ومعظم الدول الأوروبية وقد يكون هذا الدعم الدولي غير المسبوق لبطريرك القسطنطينية هو المشجع الأكبر لمباركته هذا الانفصال حيث وصفته العواصم الغربية بالبطريرك الحكيم المعتدل والمنفتح على الحوار. أما في مجالات المذهب الديني والمواقف الاجتماعية، فمن المرجح ألا تتميز في شيء عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي تحل محلها، حتى إن الكنيستين قد تصبحان حليفتين طبيعيتين في العديد من القضايا في المستقبل القريب.

الأصل في السياسة

مخطئ من يظن أن الدافع له علاقة بالمعتقد الديني أو أي خلافات دينية ولكن مما لا شك فيه أن تداعياته سوف تكون مدوية داخل الكنيسة الأرثوذكسية ولعل بطريركية انطاكيا سوف تجد نفسها في موقف لا تحسد عبيه شأنها شأن بقية البطريركيات. فمن هذا المنطلق لن يتم الدفاع عن عقائد لاهوتية بعينها، بل ان أي موقف موالٍ كان أم معارضاً للأنفصال سوف يتم تناوله سياسيا بمعزل عن الأجندات الدينية. إن ماهية الأمر يتعلق بتقليص الحكومة الأوكرانية تأثير روسيا في دولتها. ويُعد السياق الرئيسي لهذا الأمر هو ضم القرم بما لايقبل الشك كما تحدثت فيما سبق على الرغم من أن ضم القرم قد عزز دعم بوتين الداخلي، فإنه ربما يكون كلّفه أقوى أدوات القوة الناعمة التي يمتلكها في أوكرانيا. وقد وطّد هذا من تحرّك أوكرانيا الأخير تجاه الغرب وهذا لم يكن لمصلحة موسكو بطبيعة الحال.

*

التداعيات

وقد يتسبب اعتراف بطريرك القسطنطينية بكنيسة قومية جديدة بنشوء اشكالية مماثلة في كافة أنحاء أوروبا. ومن الجدير بالذكر أن للكنيسة الأرثوذكسية الصربية منافستين غير معترف بهما خارج صربيا: الكنيسة الأرثوذكسية بالجبل الأسود، والكنيسة الأرثوذكسية المقدونية. وإذا علمنا أن الدولتين لديهما حكومتان مؤيدتان للغرب، فمن الممكن أن تقدّما التماسا للاعتراف بكنيستيهما المستقلتين، على غرار الحكومة الأوكرانية وأسوة بها.

ومن المحتمل أن تكون مولدوفا ملائمة لانشقاق ديني في المستقبل القريب وهذا ما سمعته من بعض الاباء في الكنيسة الروسية. فإن الكنيستين الأرثوذكسيتين الرومانية والروسية تتنافسان في مولدوفا، ولدى كل منهما أبرشيات فاعلة على الأرض هناك.

*وعلى الرغم من ذلك، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الكنائس تميل إلى العمل على مدى زمني أطول بكثير من الحكومات. وللاطلاع على الطول الزمني المقصود، فإن الاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية ليس اعترافا جديدا من الناحية العملية، ولكنه إلغاء لخطاب يعود لعام 1686 منح بطريركية موسكو سلطة على الكنيسة في كييف. سيُمثّل حل أحد تلك الخلافات الأخرى التي امتدت لجيل فيما يتعلق بالاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية تحولا سريعا لمعايير الكنيسة.

*

سيكون للانقسام الأخير أصداء وارتدادات كثيرة على الكنيسة الأرثوذكسية في أرجاء أوروبا الشرقية. وستضطر البطريركيات المتعددة إلى أن تقرر إعلان دعمها إما للكنيسة الروسية وإما للكنيسة الأوكرانية وقد تجد نفسها بين فكي كماشة وبصورة غير مسبوقة من ذي قبل. وفي النهاية تبقى الدوافع وراء الاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية ليست دوافع دينية، ولكنها سياسية بامتياز.

أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث".
بواسطة : ADONAI
 0  0  53
التعليقات ( 0 )