• ×

قائمة

القومية المشرقية هي الحل لأزمة مجتمعاتنا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ميرنا داوود اليوم الثالث انتشرت في السنوات الثماني الأخيرة ظاهرة المجاهرة بتسييس الإنتماءات الطائفية والمذهبية والعشائرية وغياب الحرج عند تسييسها والتفاخر بمصطلحات الطائفية السياسية التي كنا نجهد في إخفائها فيما مضى.



التوافقية ليست ديموقراطية

ومما لا شك فيه أن الطائفية والعشائرية كانت موجودة في حالة سبات في كل بلدان منطقتنا، ولكن رياح الشتاء العربي التي طالت هذا المشرق ساهمت في ايقاظها وتأجيجها من دون الأخذ بعين الإعتبار أن التقسيم الطائفي لمجتمعاتنا المشرقية عدوى قاتلة يصعب التحرر منها بعد الإصابة بها، وهي تتمدد اليوم وتنتشر على نطاق واسع وغير مسبوق.

وعلى المقلب الآخر كثُر الحديث عن التوافقية التعددية كهوية جامعة في البلدان المشرذمة بوصفها تشكل حماية من الاستبداد ومن الإقتتال الطائفي، وتحتوي على مجموعة آليات للرقابة والموازنة. ولكن المشكلة أنها ليست ديمقراطية بالمعنى الحديث، أي ليست ديمقراطية ليبرالية قائمة على مبدأ المواطنة لأنها تنسف مفهوم الأمة حيث تستغل فيها بعض الجماعات مفهوم الهوية لتسييسها. وعندها تفقد المواطنة الفردية معناها، كما يفقد التنافس الديمقراطي معناه ويتحول من تنافس على برامج شاملة لمجمل مصالح الوطن الى تنافس داخل كل طائفة أو مذهب على من يمثلها في مقابل الطوائف الأخرى عند تقاسم قطعة الجبن، وعندما تُطرح مواقف تمثل مصالح مفترضة لكل جماعةِ هوية مفترضة كما تمثلها نخبها، لا ينشأ بينها تنافس أو حوار بالمفهوم الديمقراطي، بل إما صراع نفوذ أو توافق من نوع المحاصصة، إذ لا توجد ارضية مشتركة للتنافس، فهي لا تمتلك مواقف ورؤى ثابتة من الموضوع نفسه، بل تمثل هويات جزئية مختلفة تتصارع فيما بينها.

مصيبة المصائب أن يستنسخ ديموقراطيون مشرقيون من بعض تجارب دول المنطقة ضرورة اتباع النظام التوافقي لأن هذه التجربة اثبتت أن ولاء العربي هو أولا للجماعة العضوية المباشرة، ولأنه في أي انتخابات ديمقراطية سوف يقرر أن يصوت بموجب الانتماء الطائفي العشائري ليس الا، وهذا طبعا لا يؤسس لنظام سياسي حزبي نسبي كما أنه يحول الأكثرية الى أكثرية طائفية أو مذهبية أو عشائرية أو إلى تحالف جماعات، في الوقت الذي يحرم فيه جماعات أخرى الى الأبد من المشاركة في الحكم فيحولها في الواقع أو في تصورها للواقع أو في كليهما إلى أقليات مضطهدة على غرار التجربة العراقية مثلاً.



النماذج العالمية للقومية والمواطنة

يتحدث البعض عن فشل هوية القومية العربية في تشكيل وفاق وطني داخل المجتمعات المنقسمة بحسب الولاءات للطائفة والعشيرة وهذا يبدو صحيحاً الى حد ما، ويتساءل معظمنا أين قامت دولة مواطنة صحيحة من دون الاستناد لمفهوم القومية كمرتكز لهوية الدولة الحديثة؟ والجواب أن مثل هذه الدول قامت في الولايات المتحدة وأستراليا وكندا، وهي بحكم تعريفها دول مهاجرين استيطانية وهم بمعنى ما مهاجرون من قومياتهم الأم إلى تلك الدول بهدف انشاء وتأسيس هوية جديدة على أساس الانتماء إلى مجتمع من المهاجرين وتحويله الى أمة مواطنين.

أما النموذج الفرنسي فيعتمد المواطنة نظرياً، ولكن التجربة التاريخية تثبت أن لديه تصوراً مختلفاً، وكل تصور هو مصنوع ومتشكل ومتغير ومتطور بحسب المعطيات والوقائع وتعاد بموجب هذا التصور كتابة تاريخ البلاد كتاريخ قومي كما في حالة أي قومية أخرى، بما فيها القوميات التي تعرف بأنها ماهوية وكمثال على ذلك القومية الألمانية. أما الدول الإستيطانية التي تقوم على المواطنة وليس على القومية أو غيرها كأساس للإنتماء الى الأمة، فقد قامت هي الأخرى بتطوير هويات وسياسات هوية شبيهة بالقومية على مثال النمط الأميركي والانغلو ساكسونية المتعارف عليها كهوية أميركية أصيلة مقابل هوية هجينة مثل اللاتينية والصينية.



القضية التي تميّز مجتمعاتنا المشرقية اليوم هل بناء الأمة وتحييد دور القومية والتعويض عنها بإيديولوجية قومية هو الحل الأمثل؟ هل علينا أنْ نستنسخ نماذج معلبة وجاهزة من التجارب الغربية؟ أم أنَّ طبيعة مجتمعاتنا وخصوصيتها تحول دونَ ذلك؟ وهل التخلي عن القومية العربية أو أنَّ المشرقية القائمة في وجدان الناس وثقافتهم هو تخلٍ عن مشروع علماني حداثي من الطراز الأول؟



القومية هي الطريق للحداثة

إذن ومما سبق أكرر، هل مفهومنا للقومية العربية هو مرادف للهوية والإنتماء أم لا؟ فكل هوية هي هوية مصنوعة ومتشكلة، وهي متغيّرة في مرحلة معينة قبل أن تتغير ويُعاد تشكيلها من جديد، والسؤالان الأهم في هذا السياق: هل نستطيع تبني القومية المشرقية كإيديولوجية تقدم حلولاً نحن بأمس الحاجة اليها اليوم في ظل النزاعات التي نغرق فيها، على مثال العروبة هي الحل؟ مع الأخذ بعين الإعتبار أنَّ القومية العربية هي هوية حداثية تشمل تسييساً للإنتماء الثقافي؟



على سبيل المثال يمكن أن يكون القومي العربي ليبرالياً أو يسارياً أو يمينياً، ولا تعفيه القومية من اتخاذ موقف. ومن جهة ثانية هل تفسح القومية المجال لأن تكون المواطنة هي أساس العلاقة مع الدولة، أي هل تسمح بالفصل بين الانتماء للقومية والانتماء للدولة؟ كلها أسئلة مشروعة ولكن الاجابات ليست بالبسيطة. فلقد تجرأ البعض على استخدام عبارة الفصل بين القومية والدولة والدولة والأمة، على نمط الفصل بين الدين والدولة، كمقدمة ضرورية لقيام دولة المواطنة الديموقراطية فقامت الدنيا ولم تقعد بحجة أن هذه التعريفات قد تساهم في تفتيت المجتمع الى طوائف وعشائر تتصارع وتتوافق، بل هي تتجاوز فكرة القومية، أي تبنى على مساهمة القومية التاريخية في تثبيت وحدة الأكثرية في الدولة مما يسمح بتعددية مواقف (لا هويات) ديموقراطية فعلية داخلها، وتوسع مفهوم الأمة داخل الدولة ليشمل المواطنين كافة بغض النظر عن قوميتهم.



بعض النظريات الحديثة تقول إنَّ من يتنازل عن القومية العربية أو القومية المشرقية بحجة أنها هوية أخرى مثل الهوية المذهبية والطائفية وغيرها مدعياً انها يجب أن تفصل عن الدولة مثل الهوية الطائفية والمذهبية والعشائرية، لا يميّز حداثية القومية ولا يعرف معناها، وهو بالتالي يحرِّم صيرورة التطور من عنصر أساسي في تشكّل الدولة الحديثة ومرحلة مهمة في عملية بناء الأمة وصولاً إلى فصل القومية عن الدولة في أمة المواطنة الصحيحة.

أستاذة جامعية سورية مقمية في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث"
بواسطة : ADONAI
 0  0  38
التعليقات ( 0 )