• ×

قائمة

أي دور وطني لمسيحيي سوريا في مرحلة ما بعد الحرب؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ميرنا داوود اليوم الثالث اذا أردنا أن نعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فعلينا أن نكون أمناء مع ذواتنا ونقول إن المسيحيين السوريين تميزوا عبر تاريخهم الطويل بوعيهم وحسهم الوطني العالي الذي كان جزءا لا يتجزأ من مشرقيتهم التي صنعت عظمة هذه البلاد وهذا ما جعلهم يتنبهون لمخاطر الحرب على سوريا منذ إندلاع الشرارة الأولى. كما كانوا أوفياء مع ذواتهم ومع هذه الأرض الطيبة على مر العصور، وعلينا الا ننكر بل نعترف بما طالهم من أذى وتنكيل وتشتيت جرّاء أعمال التنظيمات الإرهابية التكفيرية بحقهم، كما طال بقية الشرائح السورية على طول هذه البقعة الجغرافية السورية، وقد دفعوا ضريبة غالية بسبب انتمائهم لهذه الأرض وعمق وطنيتهم التي لا يستطيع مُدّعٍ أن يزايد عليها لا سيما لجهة فهم الحاضر والإستفادة من تجارب الماضي لصناعة غد أفضل.



مقاومة العثمانيين والفرنسيين

لقد كان للمسيحيين السوريين دورٌ سياسي وريادي فعَّال في بناء سوريا الحديثة إبّان الإحتلال العثماني ومُقاومته وكذلك مُقاومة الفرنسيين فيما بعد، ولعل عدداً من الأسماء السورية المسيحية دخلت التاريخ كأعلامٍ مشرقية مناهضة للإستعمار من "فرانسيس مراش" وهو من رموز حركة النهضة العربية والذي قاوم الإحتلال وحركات التتريك بقلمه المتنور، الى "أسبر زغيبي" المجاهد ضد الإحتلال الفرنسي، وصولاً لـ "فارس الخوري" رئيس الحكومة في عهد الإستقلال، وغيرهم من الأسماء التي ساهمت في بناء سوريا في القرن العشرين. ومن العار والاجحاف محاولات البعض تصوير المسيحيين كطرفٍ بعيدٍ عن مُقارعة الإستعمار، فتاريخهم مليء برفض التدخلات الخارجية وسعيهم لتعزيز اللحمة الوطنية مثل فارس الخوري الذي شكل الحكومة السادسة بعد الجلاء الفرنسي وهو أحد أبرز رجال السياسة السوريين والذي أنتُخب عام 1914 نائباً عن دمشق وتعرض للسجن وللاعتقال في عهد جمال باشا سنة 1916 بتهمة التآمر على الدولة العثمانية، لكنه بُرّئ ونُفي فيما بعد إلى إسطنبول.

وعند عودته إلى دمشق بعد هزيمة العثمانيين، تم تعيينه عضواً في مجلس الشورى وهو الذي اقترح على الشريف فيصل تأسيس ذلك المجلس احتجاجاً على إستبداد السلطة الفرنسية إبان الانتداب، حيث أسس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر وعدد من الوطنيين في سوريا حزب الشعب، وتم اعتقاله مرات عديدة على أيدي السلطات الفرنسية بتهمة مناهضة الإنتداب والتحريض ضد الفرنسيين.



ومن أبرز مواقف فارس الخوري السياسية والتي على إثرها نالت سوريا استقلالها عن فرنسا وتم جلاء آخر جندي من القوات الفرنسية أنه دخل الى مقر الأمم المتحدة قبل موعد الاجتماع الذي طلبته سوريا من أجل رفع الانتداب الفرنسي عنها بدقائق وجلس في مقعد المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة وعندما دخل المندوب الفرنسي، ووجد فارس الخوري يشغل مقعد فرنسا في الجلسة، طلب منه المغادرة والالتزام بمقعد سوريا، غير أن الخوري لم يحرك ساكنا ، بل ظل ينظر إلى ساعته، مما أثار حنق المندوب الفرنسي وبعد مضي 25 دقيقة، تحرك الخوري من مقعد فرنسا قائلاً: "سعادة السفير، جلست على مقعدك لمدة 25 دقيقة فكدت أن تقتلني واستشطّت غضباً وحنقاً، سوريا ذاقت الأمرّين من وُجودكم 25 سنة على أراضيها، وآن لها أن تستقل!

وفي هذه الجلسة نالت سوريا استقلالها وتم جلاء آخر جندي فرنسي عنها. قليلون ربما يعرفون أن فارس الخوري تولّى، خلال ترأسه للحكومة السورية وزارة الأوقاف، وعندما اعترض البعض على ذلك كونه مسيحي، خرج نائب الكتلة الإسلامية في المجلس آنذاك عبد الحميد طباع ليتصدى للمعترضين قائلًا: "إننا نؤّمن فارس بك الخوري على أوقافنا أكثر مما نؤمن أنفسنا وهو الأجدر بيننا على تولي هذا المنصب".



الإيمان بوحدة سوريا

لم تكن هذه الوقائع والسرد التاريخي من قبيل المصادفة، وإنما أتت كصورة تعكس حقيقة وماهية المجتمع السوري الذي استطاع أن يتعامل وبعقلانية شديدة مع الإشكاليات الطائفية والعرقية ضمن مراحل تشكله المتعددة. وهذا لم يكن بالأمر السهل وقد ساعد في ذلك أن قاماتٍ مسيحية مشرقية ساهمت في حركات التنوير والتعريب وكانت صلة الوصل ما بين الشرق والغرب، اضافة الى خصوصية هذه الأرض المشرقية التي تتميز بحاضنتها الثقافية والحضارية من حيث الفسيفساء المتنوع للطوائف والأثنيات وكذلك القوميات التي تسكنها وتتعايش فيها، فلقد كانت موطناً يتميز بالتعددية ساهم المسيحيون ببناء حضارته واعلاء نهضته عبر الزمن واحترموا منظومة العيش المشترك فيه ولم يحاولوا عبر تاريخهم النيل من وحدته بل على العكس، فمواقفهم الوطنية تشهد لهم كما ان حضورهم الذي انصهر وتمازج بالهوية الوطنية السورية عبر مخاضات ومراحل تاريخية طويلة كان جزءاً لا يتجزأ من حضارة سوريا اليوم. والجدير بالذكر أن هذه الحالة ليست فريدة في تاريخ سوريا، ففي النصف الثاني من الخمسينيات خاض أحد أعيان سهل حوران ويدعى هاني سالم (وهو سوري مسيحي) انتخابات لرئاسة الميتم الإسلامي في مدينة درعا، وكان في مواجهته أحد زعماء حركة "الأخوان المسلمين" وهو الشيخ أحمد الجنادي، ولكن أهالي درعا أختاروا هاني سالم ليكون رئيسًا للميتم الإسلامي على الرغم من الصعوبات والعراقيل.



التنبه المبكر لأبعاد الحرب السورية

وبناء على ما تقدم وما حدث أعود الى الحرب الأخيرة وما حدث في الثماني سنوات الماضية على هذه الأرض السورية وأقول إن عدداً من الصفات ميَّزت دور المسيحيين السوريين اليوم كما ميزتهم في الماضي، والتي يمكن في إطارها اعتبار مواقف العديد من روؤساء الكنائس مُتَّفِقة في هذا الصدد وهي مساندة الوطن والامة السورية ووحدة أراضيها في وجه الأرهاب وحركات التكفير وكل محاولات النيل من سيادتها. وكان هذا واضحاً لا لبس فيه من خلال الخطابات الكنسية التي تميزت بالعقلانية ونُصرة الوطن ضد الهجمات الارهابية وضد التقسيم الذي كان يتهدد وحدة هذه الأرض وسيادتها. فقد كان هناك اجماع على وحدة الموقف المسيحي يتلخص بالالتفاف حول الدولة السورية كونها الحاضنة التي تحمي وترد العدوان، دولة المؤسسات والجيش النظامي ضد التشرذم والتقسيم والأرهاب.

وقد تزايد إدراك السوريين بأن اللعبة التي تجري على أرض سوريا لها أبعاد المؤامرة ويشارك فيها بعض البلدان في الشرق والغرب ولعل هذا الكلام يُلخص الموقف المسيحي من تلك الحرب القذرة. وهو يعني بأن المسيحيين وفي وقتٍ انزلق فيه البعض الى الفتنة واغتر بشعارات التغيير، استفادوا من الماضي وقرأوا الأزمة بعين المتبصر بما تخفيه لبلدهم وبأنها مُفتعلة والهدف الرئيس منها هو تقسيم سوريا والنيل من وحدة أراضيها وكيانها، فتداعوا في صف واحد ضد أي موأمرة تتربص بوطنيتهم وقوميتهم !



الدور المستقبلي: العلمانية واحترام التعددية والدولة الوطنية

واليوم ونحن على مفترق طرق وفي مرحلة مفصلية، فإن السؤال المطروح هو التالي: ماذا عن الدور الريادي المطلوب للمسيحيين السوريين في المرحلة المقبلة بعد انتهاء الحرب والتأسيس لسوريا الجديدة؟ ما هي المهام الملقاة على عاتقهم للتأسيس للغد؟

يتفق المسيحيون مع مصلحة وطنهم في كل الجوانب. ففي وقتٍ يُعبرون عن رغبتهم في إحداث تغيير في الآليات، يؤمن المسيحيون في سوريا بأن الدولة العلمانية هي الضمانةً الوحيدة لإستمراريتهم من النواحي الوجودية كافة، فالخراب وحالة الفوضى التي عاشتها سوريا في سنوات الحرب الماضية لم تكن يوماً مشروع بناء دولة أو تحرير مُجتمع كما كان يتشدّق البعض ممن ينشدون التغيير التدميري، بل كان مشروعاً لا هدف له سوى القتل والتهجير، كما لا يمكنهم القبول بأي نظام حكم لا يتفق في جوهره مع قضايا المجتمع المدنية ومع احترام التعددية والتنوع الديني نظراً لترسُّخ قيمهم المشرقية الوحدوية الداعية للسلام والمحبة.

ومن جهةٍ أخرى وكقراءة لمجريات هذه الأزمة، أدرك المسيحيون قبل سواهم أن الحرب على سوريا لم تكن لتغيير نظامٍ أو إحداث إصلاحٍ سياسي مما يعني أنهم يقفون في صف الحلول السلمية السياسية، فهم رفضوا مراراً التغيير عن طريق حمل السلاح، وعبروا عن عدم رغبتهم بانخراط المسيحيين في حالة اقتتال طائفي داخلي لن تولِّد إلا الدمار والفتن والشواهد والأمثلة كثيرة ولست في وارد سردها هنا.

ولعل حالة القلق وانعدام الأمن والإستقرار التي خلفتها التنظيمات الارهابية ومشروعهم التكفيري ورفضهم الفكر الآخر وأعمالهم الإجرامية بحق المسلمين والمسيحيين رسّخ لدى الأطراف المسيحية أهمية أن تكون الدولة الوطنية السورية هي الحكم والمرجعية في كل الأمور، وذلك لقدرتها على أن تجمع جميع الأطياف تحت كنف الدولة وتحت مظلة الوطن الضامن للجميع.



إذن لم يكن المسيحيون السوريون يوماً جزءاً من الحرب السورية بل إن رفضهم حمل السلاح ضد الدولة، وسعيهم للتغيير السياسي بالطرق السلمية لم يتخطَ حد احترام النظام، مما يُمكن أن يُعطيهم دوراً كبيراً في المستقبل، وهذا ما يتطلعون اليه اليوم وهو بناء دور سياسي اجتماعي فعّال على الارض السورية، يلبي احتياجاتهم واحتياجات الوطن وما تقتضيه المرحلة المقبلة. فالتاريخ الذي يمتلكه المسيحيون السوريون من نضالٍ بوجه المستعمر الخارجي وتمسُّكهم بالقيم المسيحية المشرقية التي تدعو للسلام والمحبة واحترام تعددية الرأي والأديان، الى جانب إيمانهم بالدولة كحاضنٍ للجميع، أمورٌ كلها يمكن أن تجعل من المسيحيين طرفاً مهماً في رسم سوريا المستقبل، وهذا ما نتطلع له جميعنا كمواطنين سوريين نحترم التعددية كما نحترم منح الفرص لمن يستحقها بغض النظر عن أي اعتبارات دينية أو طائفية فهذه سوريا التي نطمح لها اليوم، علّنا نأخذ من الماضي والحاضر العبرة لتجاوز احقادنا والتطلع الى غد أفضل...

أستاذة جامعية سورية مقيمة في الولايات المتحدة وكاتبة في "اليوم الثالث
بواسطة : ADONAI
 0  0  100
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +2 ساعات. الوقت الآن هو 01:34 السبت 25 مايو 2019.